في الأسابيع الماضية اقترن ذكر تأليف الحكومة العتيدة، في الإعلام، بمصطلحي التكنوقراط والاختصاصيين، نزولاً عند مطلب الحراك بحكومة نظيفة. حتى يمكن القول إنّ هذه الحملة، التي بدأت مع انطلاق الحراك ومن قبل استقالة رئيس الحكومة، فرضت على غالبية مجموعات الحراك التي لم تكن تتبنّى هذا المطلب أن تتبنّاه وتجعله من أولوياتها. وأصبح تأليف حكومة من التكنوقراط والاختصاصيين يُصوّر على أنّه الحل الذي سيخرج البلاد من أزمتها، أو سيضعها على سكة الخروج منها على الأقل.

ومنذ أن أصبح مطلب اللجوء إلى التكنوقراط طاغياً على مشهد تأليف الحكومة الجديدة، افتُتحت معارك حول تفسير وتوصيف وتصنيف المرشحين لتولّي الوزارات، وحقيقة تمثيلهم لمصطلح التكنوقراط من عدمه. وفي ظل هذا التخبّط الإعلاميّ، أصبح التعريف الغالب للتكنوقراط على أنهم أشخاص من ذوي الاختصاص والمستقلّين في الوقت نفسه. ولأسباب ستظهر في ما يلي من شرح، سنتعامل مع التكنوقراط كتعريف للأشخاص ذوي الاختصاص وغير المنتمين لأحزاب وتيارات سياسيّة.
ولكن قبل أن نبحث في قدرة "حكومة التكنوقراط" على إخراج لبنان من الأزمة، يجب أن ننظر إلى تبعات الاستعانة بالتكنوقراط في مواقع تنفيذيّة في الحكومة.

بناء التبعية من خارج المنظومة التقليدية
في البداية، يجب أن نذكر أن الاستعانة بالتكنوقراط تعني حكماً ظهور فجوة بين القاعدة التي تصنع العملية السياسيّة في الدول الديمقراطيّة، أي الجمهور، والأداة التنفيذية في النظام. يشرح جوناثان أوبار، في بحثه "إغلاق الفجوة التكنولوجية؟ الوسطاء الناشطون ورسائل النماذج الرقمية والمشاركة العامة في صنع سياسة لجنة الاتصالات الفيدرالية"، أنّ هذه الفجوة تظهر لأن الهيئات الحكومية التي تعمل كأنظمة تكنوقراطية تميّز وجهات نظر التكنوقراط عن وجهات النظر التي أعرب عنها عامة الناس. فهذه الهرمية تحول آراء المنتمين إلى الجمهور العام غير المدرّبين تقنياً، آراء مهمّشة في مجال صنع القرار الحكومي. وبالتالي، في حكومة تكنوقراطية خالصة، فإن المعرفة التقنية تكون بمثابة أساس القوّة عوضاً عن التمثيل الشعبي الواسع. وعليه تنتج تبعيّة الجمهور، بشكل جزئيّ، من افتقاره إلى المعرفة التقنية وعدم قدرته على التواصل ضمن مصطلحات وخطاب التكنوقراط التقنيّ.

داريو كاستيليوس - المكسيك

ومن هنا تنشأ ثلاثة أنواع من التبعية تصنع تبعية الجمهور للتكنوقراط، وهي أنواع خارج قواعد علاقات التبعية في الأنظمة الديمقراطيّة، وهي:
- أول هذه الأنواع هو التبعية الهيكليّة التي تنتج عن فقدان القدرة على التأثير على العمل الحكومي بسبب تحوّل القوة من التمثيل الشعبي إلى المعرفة التقنيّة.
- النوع الثاني من التبعية، كما يشرح أوبار، هو التبعية الخطابيّة الناتجة عن عدم القدرة على فهم اللغة والمصطلحات التكنوقراطية واستخدامها على جميع مراحل الاتصال بين الفرد والعمل الحكومي. وهذا يحدّ من فهم الجمهور للقضايا الفنية ذاتها، إضافة إلى اللغة التي يتم من خلالها عرض القضايا.
- النوع الثالث من التبعية هو التبعيّة التداوليّة، التي تنشأ بسبب الشكلين السابقين من التبعية، بعد أن تصبح مساهمات الأفراد المنتمين إلى الجمهور غير تقنية بما فيه الكفاية لتتبنّاها السلطة، فتنتج شكلاً من التبعية التداولية التي تحد من قدرة الجمهور على التداول في القضايا المطروحة. وتخلق هذه الأنواع الثلاثة نظاماً مستداماً من التبعية والتهميش، يخلق فجوة تكنوقراطية يصعب التغلب على تهميشها للجمهور.

الخطاب الفعّال وسياقاته
وبينما يُصوَّر لنا أن التكنوقراط سينفّذون برامج إصلاحيّة تحافظ على مصالح الطبقات الأكثر ضعفاً، في الحقيقة نرى أن كلّ التجارب مع التكنوقراط تشي بعكس ذلك. في بحثهما "نقاش تكنقراطي"، يقول برنارد مِكّنا وفيليب غراهام إن الخطاب التقني الذي يقدّمه التكنوقراط لم يشكّل، حتى الآن، إلاّ أداة ناجحة لتسويق سياسات اقتصادية واجتماعية نيوكلاسيكية ونيوليبراليّة كبديهيات لا مفرّ منها لترشيد خيارات الدولة في السياسات الاجتماعية والاقتصادية. وبذلك، يجمع الخطاب بنجاح بين شكل الديمقراطية المألوف والاستبعاد والتهميش التكنوقراطي من خلال المعايير المكرّرة بوساطة وسائل الإعلام. ويضيف الباحثان أن الخطاب يجعل الوكالة البشرية لا تتجاوز الالتزام بمتطلبات النظام العالمي الجديد، فلا يخدم التداول به من الناحية السياسية إلاّ مصالح الدول المهيمنة اقتصادياً والشركات المتعدّدة الجنسيات والمؤسّسات الماليّة الدوليّة.
ولكن لمَ سيتبنى أشخاص تقنيون، غير منتمين بالشكل إلى الأحزاب، هذه السياسات التي لن تخدم مصالح الأكثر ضعفاً في بلدانهم؟
بحسب فيل ريان، في بحثه "التكنوقراطيّة والديمقراطيّة والفساد والثقة"، فإنّ الخبراء يتأثّرون بسطوة المموّلين ورأس المال، فيما هيمنة رأس المال خارج الأسواق تجعل الرأسمالية غير عادلة. الحجّة التي يستعملها البعض لتبرير تهميش الجمهور وإقصائه عن التداول في القضايا، تكمن في أنّ الديمقراطية يجب ألاّ تتدخّل في دائرة الاختصاص. هذه حجّة تصبح ضعيفة عندما نرى أن مصالح رأس المال تفعل ذلك بالتحديد، أي تتدخل في دائرة الاختصاص. فيكتوريا مولريلو في دراستها بعنوان "التحيّز السياسي في التقارب السياسي: خيارات الخصخصة في أمريكا اللاتينية"، تتحدث عن سطوة رأس المال على التكنوقراط، مشيرة إلى أن التكنوقراط يقترحون خيارات سياسية متشابهة في البلدان التي تؤدي ندرة رأس المال فيها إلى ضغوط من أجل اتباع إرشادات المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب. فيصبح التكنوقراط، على الصعيدين المحلي والدولي، وكلاء لنشر هذه السياسات، في حين أن المستثمرين يوفرون حافزاً للخصخصة في البلدان التي تسعى إلى تدفقات رأس المال الأجنبي.
يقدّم لنا التكنوقراط كأداة فعّالة لفرض السياسات من خارج إطار المنظومة السياسيّة الحاكمة وفرض تبعية على الجماهير تُقصيها عن نقاش القضايا التي عُيّنوا من أجل تحسينها أو إصلاحها


ويضيف فيل ريان بُعداً آخر لعدم موضوعية التكنوقراط، وهو الالتزامات العقائديّة التي تتدخل في تحليل القضايا، فيصبح غير موضوعي. وفي هذه النقطة يشرح باتريسيو سيلفا، في كتابه "باسم العقل: التكنوقراط والسياسة في شيلي"، دور "فتيان شيكاغو" في صناعة السياسات الاقتصادية لنظام بينوشيه في تشيلي، من منطلق عقائدي، أكثر منه انتفاعي أو موضوعي. و"فتيان شيكاغو" مجموعة من الاختصاصيين والأكاديميين الاقتصاديين كانوا قد تلقّوا تدريبهم في جامعة شيكاغو على يدي ميلتون فريدمان.
لهذا الميل العقائديّ، بالأخص لدى الأكاديميين والمفكرين، أسباب مرتبطة بالتمويل ورأس المال أيضاً. يلفت سيلفا إلى أنه منذ ثمانينيات القرن الماضي، تبنّى بعض المفكرين مواقف تكنوقراطية. ويمكن ملاحظة ذلك، على سبيل المثال، في حقيقة أن المفكرين خلال العقدين الأخيرين كانوا يولون اهتماماً أكبر لقضايا الشفافية والفعالية الحكومية. وهذا مرتبط بزيادة التدويل لعمل علماء الاجتماع والمفكرين وتحويلهم إلى المسارات الأكاديميّة والمهنيّة الغربيّة. إضافة إلى ذلك، تمّ تشجيع العديد من المفكرين على التوجه إلى الاعتماد المتزايد على المانحين الأجانب لتمويل أبحاثهم، وإيلاء أهمية متزايدة للشهادات والدراسات العليا في الجامعات الأميركية والأوروبية، إضافة إلى المشاركة في المؤتمرات الدولية، والإقبال المتزايد على عقيدة "النشر أو الهلاك"، التي تفرض الخضوع لشروط الناشر الفكرية.

المسؤولية العنوان الأساس
كل ما سبق يقدّم لنا التكنوقراط كأداة فعّالة لفرض السياسات من خارج إطار المنظومة السياسيّة الحاكمة، حيث تفرض تبعية على الجماهير تقصيها عن نقاش القضايا التي عُيّنوا من أجل تحسينها أو إصلاحها. وتضاف إلى ذلك مشكلة تكمن في من يتحكم في التكنوقراط وما يطرحونه. فسواء أكانوا من ذوي الخلفيات العملية أم الأكاديميّة، دائماً ما يظهر أن لرأس المال دوراً في رسم اتجاهات سياساتهم الاقتصادية والاجتماعيّة، وكما لاحظ ميغيل كونتِنو وباتريسيو سيلفا، في كتابهما "الأسس المادية للتكنقراطية: ثقة المستثمر والنيوليبرالية في أمريكا اللاتينية"، أن التكنوقراط يتم تعيينهم كإشارة للمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، والتي تتطلب سياسات موجهة نحو السوق.
من هنا يجب أن ندرك أنّ التكنوقراط ليسوا مستقلّين، كما يروّج الإعلام اليوم، وعلينا أن نتحسّب لحكومة هم عمادها. ونحن، في لبنان، إذا راجعنا تجربتنا من عام 1992 إلى اليوم، فسنجد أنّ الحريريّة السياسيّة قد قامت على التكنوقراط، الذين تحوّلوا إلى سياسيين بشكل تدريجيّ مع توضّح المعالم السياسيّة لمشروع الرئيس رفيق الحريري وتياره. وإذا ما محّصنا، فسنجد أنّ التكنوقراط وتوصيفهم، الذي يُتداول به اليوم في الإعلام، ينطبق على أعضاء مجالس إدارات ومديري مصارف ومؤسسات ماليّة، سواء في لبنان أم في الخارج؛ وكذلك ينطبق على أكاديميين ومفكرين يعيشون السياق الذي وضّحه باتريسيو سيلفا.
وفي هذا الإطار يشرح سيلفا أنّ "فتيان شيكاغو" وسياساتهم الاقتصادية النيوليبرالية كانوا من أكثر العناصر الذين تعرّضوا لانتقادات من قبل المعارضة لنظام بينوشيه، خاصة بعد الأزمة الاقتصادية الطاحنة في أوائل الثمانينيات؛ ولكن بمجرد سقوط بينوشيه، توقفت الصحافة والرأي العام عن الحديث ليس فقط عن "فتيان شيكاغو"، بل أيضاً عن ظاهرة التكنوقراط عموماً، وبذلك ضاعت مسؤوليتهم عن الأزمة.
نحن كلبنانيين، في غنى عن شخصيات غير معروفة الخلفيات السياسيّة، بالمعنى الضيّق للسياسة، ستوُظّف في المنظومة الحاكمة بهدف اجتذاب رأس المال الخارجيّ وصندوق النقد، ومن ثمّ حين تسوء الأوضاع أكثر نجدها تبخّرت من الحياة السياسيّة، من دون أن نجد من نلومه ونحاسبه على سوء السياسات. نحن اليوم بحاجة إلى عناوين سياسيّة اقتصاديّة واجتماعية واضحة، يشرحها أطراف سياسيّون محدّدو المعالم يمتلكون القدرة على الشرح ومخاطبة الجماهير بلغتها، لتأمين إشراكها بكل الخطوات التاليّة. نحن بحاجة إلى من يتحمّل ثمن إخفاقه، إن أخفق، لا إلى شخصيات لن تتحمل ولن تُحمّل مسؤوليّة خياراتها.