عند الأزمات الحادة وغلاء السلع أو فقدانها أو عدم إمكانية استيرادها، تتّجه الأنظار فوراً إلى القطاع الزراعي الذي يستطيع تأمين الغذاء للبنانيين. فتُطرح تصوّرات ويُفتح النقاش حول تطوير الزراعة لتأمين الأمن الغذائي، علماً بأن أيّ تغيير في الوضع القائم يحتاج إلى أشهر عدّة كي نرى نتائجه، كما أن الأسباب الرئيسية التي منعت تطوّر الزراعة، هي ذاتها ستواجه أيّ إنتاج إضافي.

سلعتان أساسيتان ضروريتان للأمن الغذائي هما القمح والفروج تعرّضتا لأسوأ أنواع التنكيل والمحاربة والظلم والقهر من السلطة القائمة منذ ما بعد الطائف؛ القمح: سلعة أساسية للاستخدام اليومي بكافة أشكال استخدامها، وأساسية للدورة الزراعية في الأراضي المستخدمة للزراعات السنوية. قطاع الدواجن: كان يؤمّن تقريباً 98% من احتياجات لبنان من لحم الفروج من دون احتكار بسبب الحماية التي كان يتمتّع بها مع وضع حدّ أقصى للأسعار.
تشتري الدولة القمح من المزارعين سنوياً من خلال تسعيرة يقترحها وزير الاقتصاد وتصدر عن مجلس الوزراء. كانت عملية التسعير وتسلّم القمح من المزارعين عملية صعبة التحقيق بالمماطلة والتأخير باتّخاذ القرارات بهدف إذلال المزارعين وثنيهم عن هذه الزراعة التي فُرض دعمها، وأدرك المعنيون عدم قدرتهم على تجاوزها. سعر القمح العالمي اليوم 300 دولار أميركي للطنّ الواحد فيما سعر تسلّم محصول المزارعين من القمح، من الدولة اللبنانية كان 590 ليرة للكيلوغرام الواحد في الموسم المنصرم. بمعنى آخر، بلغ الدعم الذي تقدّمه الدولة للمزارعين 100 دولار عن كلّ طن قمح، أي 4 ملايين دولار لهذا القطاع.

أنجل بوليغان - المكسيك

عملياً، انخفض إنتاج القمح المحلّي من نحو 100 ألف طن في عام 2012 إلى 40 ألفاً في عام 2019 لأسباب عدّة من ضمنها الطقس غير المؤاتي.
أمّا قطاع الدواجن، فقد تعرّض للاغتيال في عام 2008 عندما اتّخذت الحكومة، في جلستها المنعقدة في الخامس من أيار 2008 قراراً مبنيّاً على اقتراح قدّمه وزير الاقتصاد السابق سامي حداد، قضى بخفض الرسوم الجمركية على استيراد الفروج الكامل والمقطع من 70% إلى 20%، وخفّض الحدّ الأدنى للاستيفاء على الفروج الكامل من 4200 ليرة إلى 100 ليرة، وخفّض الحد الأدنى للاستيفاء على قطع الفروج من 9000 ليرة إلى 2000 ليرة. في النتيجة فقدت 7500 عائلة مورد رزقها بعدما أقفلت مئات المزارع أبوابها. في عام 2008 كانت هناك 12500 عائلة تعتمد على قطاع مزارع الدجاج لتأمين موارد رزقها، إلّا أن قرار الحكومة هدّد 1018 مزرعة متخصّصة بتربية الفروج المحلي وتنتج سنوياً 60 مليون فروج، وتغطّي حاجة الاستهلاك الفردي بحجم يتراوح بين 20 و22 كيلو من اللحوم سنوياً.
وفي عام 2008 أيضاً استورد لبنان نحو 350 ألف طن من الذرة الصفراء بقيمة 115.5 مليون دولار، واستورد نحو 90 ألف طن من فول الصويا والكسبة بقيمة 10.5 مليون دولار لتبلغ كلفة استيراد هذه الأنواع من الحبوب التي تشكّل المكوّنات الرئيسية للأعلاف الضرورية للدواجن بقيمة 156 مليون دولار.
إن حضّ اللبنانيين على زيادة إنتاجهم من السلع الضرورية التي تشكّل الأمان الغذائي يستوجب فوراً سلسلة من الإجراءات أبرزها:
ــ زيادة دعم شراء القمح على أن يتم تسعير شرائه من الدولة بسعر لا يقل عن 900 ليرة للكيلوغرام الواحد بما يوازي 400 دولار للطن، وإعلان هذا السعر حالاً لتشجيع المزارعين على زراعة القمح بشكل مكثّف واستعمال كلّ الأراضي البور لهذه الغاية. كذلك يتطلّب الأمر تأمين الاعتمادات لتمويل شراء مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومبيدات.
ــ إعادة وضع قطاع الدواجن إلى ما كان عليه قبل أيار 2008 وتأمين الاعتمادات اللازمة لتأمين شراء الأعلاف ومستلزمات هذا الإنتاج.
ــ أما بالنسبة إلى زراعة الحبوب (عدس، حمص، فاصوليا، فول...)، وهي سلع ضرورية في الأمن الغذائي، فإنّ تشجيع زراعتها يقوم على مبلغ دعم مقطوع على الدونم الواحد، لأنّ حماية هذه الأصناف بوضع رسم على الاستيراد يزيد أسعار هذه السلع المستعملة بكثافة من قِبل اللبنانيين.
بحسب تقرير صادر عن وزارة الزراعة بالتعاون مع منظّمة الأمم المتّحدة للأغذية العالمية (FAO) ومكتب التعاون الإيطالي في عام 2012، تبلغ المساحة الإجمالية المزروعة قمحاً في لبنان نحو 289403 دونمات. وتحظى منطقة البقاع بحصّة الأسد منها، أي ما يقارب 44%، تليها عكار بنسبة 22%، ثم بعلبك ــ الهرمل بـ14%، والنبطية بـ12%، والجنوب بـ6%. ويتراوح حجم الإنتاج اللبناني من القمح بين 100 ألف طن سنوياً و140 ألف طن، علماً بأن إنتاج لبنان من القمح تدنّى في عام 2019 إلى 40 ألف طن، فيما حاجة لبنان الاستهلاكية للقمح تتراوح بين 450 ألف طن سنوياً و550 ألف طن.

* رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين