لا يزال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة يصرّ على موقفه الرافض لوضع قيود رسمية على عمليات السحب والتحويل في القطاع المصرفي، متذرّعاً بأن الأمر يتطلب قانوناً في مجلس النواب. وعلى ما يبدو، فإن القوى السياسية تسايره في هذا الموقف الذي لا يستند إلى أي تقييم منطقي أو علمي سوى فرضية أن القيود الرسمية ستضرب كل فرص لبنان في جذب الرساميل مستقبلاً. بهذه الخلفية نسفت محاولة النائب ميشال ضاهر لتقديم مشروع اقتراح قانون يفرض هذه القيود، إذ سرعان ما تراجع عنها قبل تسجيل اقتراحه في مجلس النواب. عملياً، تعيش هذه القوى حالة نكران، وهي لا تريد أن ترى أن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالنموذج الاقتصادي «السيّئ» والناتج عن فرض هذه القيود، قد وقع أصلاً وبشكل «فاحش»، نظراً إلى منح المصارف حرية استنساب تطبيق القيود على زبائن دون آخرين وعلى عمليات محدّدة حدّدها مصرف لبنان بشكل على أنها الدولارات التي تخرج من احتياطياته. هل يعتقد سلامة فعلاً أن منع التحويل إلى الخارج هو خارج مسألة القيود المطروحة. هذا التسطيح لهذه الإشكالية يفسح المجال أمام ازدواجية المعايير التي باتت تعدّ إحدى سمات النموذج الحالي. فالسؤال اليوم بعد كل هذه القيود الهائلة على عمليات السحب والتحويل: هل يجب فعلاً أن يكون هناك «كابيتال كونترول» رسمي؟ ما هو الضرر الذي يلحق بلبنان؟ أليس إبقاء القيود غير رسمية مراهنة على أنه يمكن إنقاذ النموذج الحالي المفلس؟


أركاديو اسكيفيل - كوستاريكا

الأمجد سلامة: القيود على السحب والتحويل خيار سياديّ

يعاني اللبنانيون من ممارسة المصارف لفرضها الضوابط المشدّدة على حركة رأس المال (أو ما يُعرف بالكابيتال كونترول) وذلك منذ أعادت فتح أبوابها للمرة الأولى بعد بدء أحداث 17 تشرين الأول الماضي، كما كانوا يعانون من شكل مخفّف من الضوابط منذ ما يقارب الستة أشهر. وفي ظلّ انتظار المواطنين في الطوابير أمام شبابيك الموظفين في المصارف، لتحصيل كامل أو بعض أموالهم، تدور في غرف المسؤولين المعنيين المغلقة نقاشات، سرعان ما تتسرّب، حول قوننة الـ«كابيتال كونترول» وتنظيمه، حتى لا تواجه المصارف تبعات قانونية ــ في الداخل والخارج.
الثالوث المستحيل
بينما السبب الرئيسي وراء السعي لقوننة الـ«كابيتال كونترول» يتعلّق بحماية المصارف، علينا كمواطنين أن نمحّص في الأشكال الممكنة لفرضه والجدوى منه، وتأثير ذلك على الاقتصاد ككّل، وبالأخصّ على الطبقات الأضعف. وعلينا أن نعي أن تدفق رأس المال ليس كافياً وحده لبناء الاقتصاد، بل هنالك سياسات يجب أن ترافقه لبناء اقتصاد فعّال. ولفهم العلاقة بين حرية تدفّق رأس المال مع باقي عناصر الدورة الماليّة في الاقتصاد، علينا أن نستعين بمفهوم «الثالوث المستحيل» أو «المعضلة الثلاثيّة»، الذي توصّل إليه جون فلمينغ وروبرت موندِل كلّ على حدة في مطلع ستينيات القرن الماضي. والمعضلة، التي يقوم عليها المفهوم، هي الجمع بين ثلاث سياسات ماليّة في الوقت نفسه، وهي: الحفاظ على سعر صرف ثابت وعلى سياسة ماليّة سياديّة - مستقلة، وعلى حريّة تدفّق رأس المال التي يتعلّق بها قرار فرض الـ«كابيتال كونترول».
الإطار الذي بنى عليه موندل اشتقاقه «للمعضلة الثلاثيّة» يفترض أن هناك دولة صغيرة، ذات اقتصاد حر، تختار نظام الصرف الخاص بها ودرجة انخراطها في الأسواق الماليّة العالميّة.


ويمكن تمثيل النموذج بمثلّث تمثّل كلّ قمّة منه سياسة مرغوبة: قرار مالي سياديّ ومستقل، وسعر صرف ثابت، وسياسة مالية منخرطة في الأسواق الماليّة العالميّة. المشكلة التي يعرضها هذا النموذج هي أنّنا لا يمكننا أن نجمع أكثر من سياستين مع بعضهما في الوقت عينه (لا يمكن الجمع بين أكثر من قمتي مثلث على الخط نفسه). فمثلاً إذا افترضنا سيناريو أنّ الدولة اختارت تثبيت سعر الصرف والحفاظ على حرية تدفّق رأس المال، حكماً ستكون الفائدة على السندات المحلية مساوية لتلك الخارجيّة، وإلاّ سيخرج رأس المال إلى الخارج حيث الربحيّة أعلى. وإذا قرّر المصرف المركزي ضخّ المزيد من الأموال في السوق، سيشكّل هذا الأمر ضغطاً لخفض الفائدة على السندات المحلّية، ما سيخلق ضغطاً على العملة المحليّة بما أنّ السوق سيتّجه إلى بيع هذه السندات والاستثمار بسندات خارجيّة بعملات أجنبيّة. وبما أن المصرف المركزي يريد أن يحافظ على سعر صرف العملة المحليّة ثابتاً، عليه أن يتدخّل عبر بيع عملة أجنبية من احتياطاته لتلبية حاجة السوق. وعليه، يكون المصرف المركزي قد أعاد شراء الأموال التي ضخّها في السوق، ويكون عملياً قد خسر قدرته الحقيقيّة على ضخّ الأموال فيه وعلى التحكّم بمستويات الفوائد على السندات، وبالتالي خسر قدرته على إملاء السياسات الماليّة.
وفي المقابل يمكن لاقتصاد صغير، في بلد يرغب في الحفاظ على حريّة الوصول إلى الأسواق المالية، أن يحافظ على سيادته على السياسات الماليّة، عن طريق التخلّي عن ثبات سعر الصرف. وفي ظلّ نظام سعر الصرف المرن، فإن ضخّ المال بالعملة المحلية يخفّض مستوى الفائدة، ما يؤدّي إلى تدفّق رأس المال إلى الخارج بحثاً عن العوائد الأعلى على السندات الأجنبيّة. وهذا التدفق إلى الخارج يستتبع طلباً على العملات الأجنبيّة ما يدفع سعر الصرف إلى الانخفاض. وبالتالي، ما سيضخّه المصرف المركزي في السوق، لن يضطر إلى إعادة شرائه. وفي الوقت نفسه سيؤدي انخفاض مستوى الفائدة إلى انتعاش الاستثمار المحليّ، وباقترانه مع انخفاض سعر الصرف يؤدّيان إلى توسّع الاقتصاد من خلال زيادة صافي الصادرات. وهكذا يستعيد البلد سيادته الماليّة مع المحافظة على حريّة تنقّل رأس المال، في مقابل التخلّي عن سعر الصرف الثابت.


أمّا إن أرادت الدولة أنّ تتخلّى عن سياسة حريّة تدفّق رأس المال، سيعني هذا الأمر، تلقائياً، فكّ الارتباط بين سعر الفائدة المحلّي وسعر الفائدة الأجنبي. وهنا يتحكّم المصرف المركزي بالسياسة المالية، عبر ضخّ الأموال في السوق لخفض قيمة العملة المحليّة، وعبر خفض قيمة الفائدة المحليّة في مقابل الأجنبية. وهذا يعني أنّ المصرف المركزي قد حافظ على سيادته النقدية، بينما يحافظ على سعر صرف ثابت للعملة المحلّية.
ويشرح جوشوا أيزنمان، في بحثه «الثالوث المستحيل» أنّ تحدّي «المعضلة الثلاثيّة»، عبر السعي للجمع بين السياسات الثلاث، هو السبب خلف إفلاس المكسيك عام 1994، وخلف الأزمة الآسيويّة عام 1997، وكذلك خلف إفلاس الأرجنتين عام 2001.

الكابيتال كونترول الذي أنقذ ماليزيا
وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدول تختار التركيبة التي تناسبها من بين هذه السياسات الثلاث. فبالرغم من أنّ الـ«كابيتال كونترول» أداة مذمومة في الاقتصادات الليبراليّة، بالأخصّ عند الأزمات، إلّا أنّه توجد حالات ساعد فيها تطبيقه على تخطّي الأزمات. وأفضل الأمثلة على ذلك هي ماليزيا وخطتها في عام 1998.
فمع الانهيارات، إثر الأزمة المالية الآسيويّة، استعملت ماليزيا الـ«كابيتال كونترول» للسيطرة على تبعات الأزمة التي عصفت بجنوب شرق آسيا. ويشرح بريما شاندرا أثوكورالا، في ورقته «الاقتصاد الماليزي في ثلاث أزمات»، أنّ مهاتير محمد وجد نفسه أمام خيارَين صعبين: إمّا أن يقبل بشروط صندوق النقد الدولي للحصول على حزم المساعدات، أو أن يتّخذ القرار الجريء بفرض «كابيتال كونترول» قاسٍ جداً في بلاده.
مهاتير محمد كان أمام خيار القبول بشروط صندوق النقد أو فرض «كابيتال كونترول» قاسٍ جداً

وبما أنّ الدولة الماليزية كانت ترفض شروط صندوق النقد بسبب خلافها معه على النظرة إلى الاقتصاد الكليّ، اختارت الدولة فرض القيود على حركة رأس المال في الأسواق الماليزيّة. فثبّتت سعر صرف العملة المحليّة، كما استهدفت الدولة بإجراءاتها تدفق رأس المال الداخل والخارج إلى القنوات التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة، بينما خفّضت الفائدة. ويضيف أثوكور أنّه مع تثبيت سعر الصرف وفرض الـ«كابيتال كونترول» استعادت الدولة سيادتها المالية وتمكّنت من تقديم حزم مساعدات استهدفت السوق الماليّة المحلّية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. هذه الإجراءات جنّبت ماليزيا مصير جيرانها الذين عصفت بهم الأزمة الآسيوية.

توزيع الأثمان في لبنان
وفي العودة إلى الوضع في لبنان، لا بدّ من الاعتراف ،أولاً، بأن الـ«كابيتال كونترول» هو قيد التنفيذ حالياً، وإن بشكل استنسابيّ وغير مقونن. وما نراه من تطبيق، يبدو أنّه غير مدروس ويزيد من الضبابيّة حول وضع النظام المصرفيّ برمّته، ومجرّد التفكير بالاستمرار هكذا ومن دون قوننة العمليّة هو أكبر تهديد لثقة رأس المال الأجنبي بلبنان.
ولكن هل يكون الحلّ بأن نرفع الـ«كابيتال كونترول» كليّاً ونعود إلى حريّة تدفّق رأس المال؟
لنتمكّن من الإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من أخذ «المعضلة الثلاثيّة» في الاعتبار، والتمحيص في أيّ سياسات أولى اتّباعها في الحالة الطارئة التي تمرّ بها البلاد، وما هي الأثمان التي سندفعها مقابل تبنّي كل سياسة منها. فبينما تطبيق «كابيتال كونترول» على خروج رأس المال من البلاد قد يُفقد رأس المال الأجنبي الثقة باقتصادنا، ونفقد القدرة على جذبه، ما يعني عملياً التخلّي عن النموذج الاقتصادي الذي قام عليه اقتصادنا بشكل رئيسي منذ عام 1992، وهو إعادة تدوير الديون عبر استقدام رؤوس الأموال من الخارج. إلّا أن الحفاظ على سياسة حريّة التدفق تعني التخلّي إمّا عن سيادتنا في السياسات الماليّة أو تثبيت سعر الصرف الرسمي.

نحن أمام خياري التخلّي عن سيادتنا الماليّة أو عن تثبيت سعر الصرف

والتخلّي عن تثبيت سعر الصرف في ظل فقدان الدولار من أسواق اقتصاد مدولر، يعني تحطيم القدرة الاستهلاكيّة للطبقتين الوسطى والفقيرة والحدّ من وصولهما إلى السلع الأساسيّة، وتحميلهما ثمن الأزمة بشكل مباشر (أزمات استيراد المحروقات والقمح والدواء أمثلة واضحة). أمّا التخلّي عن السيادة الماليّة فيعني بكل بساطة فتح السوق الماليّة الهشّة في لبنان على تقلّبات الأسواق العالميّة، فيما نحن بحاجة إلى حماية السوق اللبنانيّة والتحكّم بأسعار الفائدة بما يفيد المحافظة قدر الإمكان على ما تبقى من رؤوس أموال والاستفادة منها بشكل صحيح.
عند هذه النقطة لا بدّ أن نتساءل: ما هي أولويات الدولة اللبنانية اليوم؟ هل هي إعادة إحياء نظام اقتصادي ذي خلل بنيوي؟ أم البحث عن جدوى الأثمان التي ستُدفع؟ وأيّ الأثمان أقلّ وطأة على الاقتصاد والأهمّ على الحلقات الأضعف فيه، أي الطبقتين الفقيرة والوسطى؟

إيلي يشوعي *: الخروج من الأزمة لا يتم عبر اسقاط النظام

قيود المصارف على كل العمليات المصرفية، من تمويل وسحوبات وتحويلات تدل على أنها تعاني من أزمة سيولة، أو تحديداً، من نقص حاد في احتياطاتها. فالمصارف تتلقّى ودائع ويفترض أن توظّفها من خلال بناء شراكة استراتيجية مع القطاع الخاص المنتج أولاً، أي المساهمة في تكبير الاقتصاد وتعزيز النمو الاقتصادي والتنمية البشرية، ثم إقراض الدولة ثانياً. عملياً، كان استعمال هذه الودائع سيئاً، لأن المصارف أودعت قسماً كبيراً منها لدى المصرف المركزي إلى جانب الاحتياطات الإلزامية المفروضة عليها قانوناً، أو استعملتها للاكتتاب في سندات الدين اللبنانية. بشكل عام، إن إيداعات المصارف لدى المصرف المركزي هي نوع من الاحتياط الفائض نسبة إلى الاحتياط الإلزامي، وما هو أهمّ من الودائع في المصارف، هي طريقة استعمالها أو توظيفها.


في اقتصاد السوق الذي يمثّل دستورياً نظامنا الاقتصادي، هناك سوقان رئيسيتان ألغاهما البنك المركزي منذ عام 1993: سوق النقد وسوق القطع. ففي الأولى يتحدّد ثمن النقد بفعل تلاقي قوى عرض النقد من قبل النظام المصرفي والطلب عليه للاستثمار والاستهلاك والعائد الجيد، فيكون الثمن، أي سعر الفائدة، مناسباً للقطاعين العام والخاص. وفي الثانية يتحدّد سعر صرف العملة المحليّة بالنسبة إلى عملة خارجيّة أساسية، أو إلى سلّة من العملات بفعل حركة عرض العملة المحليّة أو الطلب عليها. ويتقلب سعر الصرف ضمن هوامش واسعة يضمن البنك المركزي بقاءه ضمنها من خلال تدخّلاته في سوق القطع بائعاً أو شارياً للعملة المحلية.
في المقابل، لم يأت سعر الفائدة في لبنان منذ عام 1993 نتيجة عوامل السوق، بل كان ولا يزال يتحدّد مركزياً، بنسب عالية، عاقبت المستثمر وكافأت صاحب المال وأغرقت المقترض في الديون سواء الخزينة أم القطاع الخاص. كذلك سعر الصرف الذي يتحدد كيفياً بسعر ثابت وبهامش ضيق بمعزل عن نتائج الاقتصاد وحاجاته.
هذه السياسة جعلت الخزينة والبنك المركزي يطلبان النقد بكثافة؛ الخزينة لتمويل عجزها وهدرها للأموال، والبنك المركزي لتمويل تدخلاته في سوق القطع ضماناً لتثبيت سعر النقد. وتجلّى طلب النقد من قبلهما من خلال الاقتراض الدولي، خصوصاً الاقتراض الداخلي تحديداً من المصارف، ما أوصل ودائع القطاع المصرفي، لدى البنك المركزي إلى ما قيمته 110 مليارات دولار مقوّمة بالدولار حالياً، من أصلها 70 مليار دولار مودعة بالعملة الأميركية. والمصرف المركزي يدفع فوائد مرتفعة على ودائع المصارف لديه بالدولار تصل إلى 16% على الحسابات المجمّدة على و3 و5 و7 سنوات، وهو في المقابل عرض على المصارف أن يقرضها، نظرياً، القليل من هذه الأموال بفائدة 20% (إذا كان لديها نقص في السيولة الدولارية في مواجهة الأزمة الطارئة)، لأنها عملياً مستعملة بمجملها في دعم القروض لبعض القطاعات السكنية والعقارات وسواها من قروض مشوبة، أو جاءت ضمن سلوك مشوب بالمحسوبية والزبائنية والانتقائية والتعدّي على دور السلطة التنفيذية.
مصرف لبنان ألغى سوق النقد وسوق القطع منذ عام 1993


ومن أجل تبرير شحّ الدولارات النقدية في السوق، ادّعت المصارف، أنه تم سحب 3 مليارات دولار نقداً خلال الأشهر الستة الماضية وأنه تم خزنها في المنازل أو عبرت الحدود، متجاهلة أن لديها 110 مليارات دولار من الوادائع بالعملة الأميركية لدى مصرف لبنان، ولو أنها لا تزال تملك احتياطات كافية لكانت استطاعت أن تحرّك 3 مليارات دولارات منها لتمويل شحن كمّية مماثلة من الدولارات نقداً (من الخارج) تعويضاً عما تم سحبه، لكنها عاجزة عن تنفيذ مثل هذه العملية.
إذاً، تظهر أزمة السيولة بجلاء داخل النظام المصرفي: البنك المركزي والمصارف التجارية، وذلك ناتج عن سوء استعمال الودائع وسوء الأمانة، لأن المصرف يوظف أموال الناس وهو مؤتمن على سلامتها. وما زاد حدّة أزمة السيولة، هو نضوب المصادر الخارجية للدولار من تحويلات واستثمارات مباشرة وتراجع الصادرات وقفل شبه كامل لباب الاقتراض الخارجي أمام الخزينة بسبب تصنيفاتها السلبية الأخيرة.
بات واضحاً، أن النظام المصرفي فرّط في أموال الناس بسبب سوء إدارة توظيف الأموال. فالمصارف فتحت باب إقراض القطاع العام على مصراعيه، أي للمصرف المركزي والخزينة اللذين بدورهما فرّطا في هذه الأموال إلى أن باتت قيمة الدين العام هائلة وتفوق 100 مليار دولار، فيما حجم الاقتصاد لا يزال متواضعاً لا يتعدّى 55 مليار دولار، أما ثروة الدولة اللبنانية فقد صارت ناقصة وسلبية، إذ تقدّر بنحو -40 مليار دولار وهو الفرق بين قيمة موجودات الدولة وقيمة مطلوباتها.

أزمة السيولة تظهر بوضوح وهي ناتجة عن سوء استعمال الودائع وسوء الأمانة


هذا الأمر يقود نحو الخلاصة الآتية: إن لبنان حقّق أعلى درجات ازدهاره بسبب حرياته الاقتصادية والمالية والمالية، فيما من الواضح أن هذا النظام لا علاقة له بالمشهد المالي والنقدي والاقتصادي الضبابي. هذا النظام تشوّه كلياً في التطبيق والممارسة. إن الكلام الرامي إلى تشريع القيود المالية (كابيتال كونترول) والخروج من نظامنا الاقتصادي الحرّ كمن يداوي مريضاً بالسمّ. فليتحمل كل فريق كامل مسؤولياته، الجماعة السياسية التي حكمت لبنان منذ عام 1993 لغاية اليوم، والتي لم تحوّل كل ما أنفقته من ضرائب وديونه خلال كل تلك السنوات إلى تنمية بشرية ونموّ اقتصادي مطّرد وإنماء جغرافي متوازن، بل توزّعت غالبيتها منافع وملكيّات، ومصرف لبنان الذي أرسى سياسة ريع وتراكم الديون على الخزينة وقلّص حجم الاقتصاد وفرص العمل وهجّر شباب لبنان، والمصارف التي أغفلت بناء الشراكة الاستراتيجية مع مختلف قطاعات الإنتاج وتمويل الإبداع والإنتاج والتقدم، بدلاً من تمويل جماعة سياسية فاقدة للانضباط المالي.
الخروج من الأزمة يكمن في المساءلة والمحاسبة، لا في إسقاط نظامنا الاقتصادي الحر.
الخروج من الأزمة يكمن في تشكيل حكومة إنقاذ من وزراء قادرين على أن يُنقذوا لبنان ومن رئيس لهم أقدر منهم.
الخروج من الأزمة يكمن في إيجاد الحلول الداخلية للمأزق السياسي، لا ربطه بالإقليمي والدولي.

* دكتور في الاقتصاد