منذ العصور التي كان الملوك يورّطون فيها أنفسهم بالدّين من أجل تنفيذ مغامراتهم الخارجية، ووصولاً إلى عجز الأرجنتين، في السنوات الأخيرة، عن الدّفع لدائنيها، لطالما واجهت الدّول صعوباتٍ في تسديد ما اقترضته. في القرن السادس عشر، أشرف ملك إسبانيا فيليب الثاني على أربعة إفلاسات أشهرها بلده. قامت اليونان والأرجنتين بنقض التزماتهما تجاه مالكي السندات سبع وثماني مرّات على التوالي خلال القرنين الماضيين. معظم الدّول أصابها الإفلاس مرّة على الأقل في تاريخها. ولكن ما الذي يحصل تحديداً حين تتوقف البلدان عن دفع ما تدين به؟

حين يعجز بلدٌ ما عن الدفع لدائنيه في الوقت المحدّد، هو يدخل حالة «التوقف عن الدّفع»، أي ما يوازي الإفلاس على مستوى الدّول. ولكن الإفلاسات السياديّة تختلف عن إفلاس الشركات، لأنه من الأصعب بكثير على الدائنين أن يستملكوا أصول كيانٍ سيادي، من أن يضعوا يدهم على أصول شركةٍ خاصّة (حصل استثناء حين تمّ احتجاز سفينة حربية أرجنتينية في غانا لمدّة عشرة أسابيع عام 2012). في الحالة الأولى، تقوم الدول التي تقع في الإفلاس بالسعي إلى تطمين الأسواق العالمية عبر إعادة هيكلة دين عوضاً عن أن ترفض، ببساطة، دفع أيّ شيءٍ على الإطلاق. ولكن هذه السياسات التي تدعى «قصّ شعر»، حيث يتم خفض القيمة الأصلية لسند الدّين، قد تكون بالغة الأذى بالنسبة إلى حاملي السندات الحكومية.
بعد إفلاسها عام 2001 مع ديونٍ تجاوزت الـ81 مليار دولار، عرضت الأرجنتين على دائنيها أن تدفع ثلث ما يترتّب عليه. في آخر الأمر، تمّت مبادلة 93% من الدين بسندات سائلة عام 2005 و2010. ولكن ما تبقى من ديون الأرجنتين، التي تملكها «صناديق تنقضّ على الفرص» ومستثمرون آخرون، لا تزال في حالة نزاع. هؤلاء «الدائنون الصامدون» يطالبون بـ1.3 مليار دولار إضافة إلى الفوائد.

حين يعجز بلدٌ ما عن الدفع لدائنيه في الوقت المحدّد، هو يدخل حالة «التوقف عن الدّفع»، أي ما يوازي الإفلاس


وحين وقعت اليونان في الإفلاس عام 2012، أُجبر مالكو السندات الحكومية على تحمّل خسارة بلغت حدّ 50% من قيمة سنداتهم الأصلية. في حالاتٍ أقلّ حدّة، من الممكن للحكومات أن تعيد هيكلة دينها عبر طلب المزيد من الوقت للدفع. ينتج عن هذا الفعل خفض قيمة السند - فهو إذاً ليس خالياً من الخسارة بالنسبة إلى المستثمرين. يعتبر البعض أن هذا الخيار هو الأفضل بالنسبة إلى أوكرانيا، فيما هي تصارع لموازنة أولوياتها الداخلية الملحّة مع التزاماتها تجاه حاملي سندات الدّين.
كذلك يمكن أن يكون الإفلاس مؤلماً جدّاً للبلد الذي يقع فيه، خصوصاً إن كان الإفلاس غير متوقع وغير منظّم. سيقوم المدّخرون والمستثمرون المحلّيون، لأنهم يتوقعون هبوط قيمة العملة المحلية، بالهرع لسحب أموالهم من الحسابات المصرفية وتحويلها إلى خارج البلاد. عندها، قد تقوم الحكومة - خوفاً من أن تُغرق المصارف بسحوبات المودعين وتنخفض بالتالي قيمة العملة - بفرض إغلاق المصارف وتقرير قيودٍ على التحويل (capital control). إضافةً إلى ذلك، فإن الأسواق الرأسمالية ستقوم - كعقابٍ على الإفلاس - بفرض معدلات فائدة عقابية على الاقتراض، أو سترفض إقراض البلد المذكور على الإطلاق. كما ستقوم وكالات التصنيف الائتماني بالتحذير من الاستثمار في هذا البلد. ولكن، كما تظهر التجربة التاريخية، فإن الدائنين الباحثين عن فوائد مرتفعة سيقومون، في نهاية الأمر، بإقراض البلد المعني مجدّداً طالما أنه تتم مكافأتهم بشكلٍ عادل على المخاطرة التي يتحملونها. فوق ذلك، إن سندات التأمين ضد التخلّف عن السداد (credit default swaps) - وهي أدوات مالية تقوم مقام التأمين ضدّ إفلاس الدول والشركات - تسمح لحاملي السندات بتقليل مقدار الخطر الذي يتحملونه. ولكن ليست كلّ الإفلاسات متشابهة: قامت الأرجنتين هذه السنة (2014) بالتخلف عن السداد مجدّداً حين رفضت دفع 1.3 مليار دولار - إضافة إلى الفوائد - للدائنين «الصامدين» من عام 2001.
المشكلة الأساس هي أنه لا يوجد قانون دوليّ أو محكمة دولية لحلّ قضايا الإفلاس السيادي، وهذا يفسّر لماذا يختلف مسار هذه الحالات ومدّتها وحدّتها بعضها عن بعض. تمّ اقتراح المزيد من التنظيمات الدولية - بما في ذلك قوانين تمنع أقليّة من حاملي السندات من خطف العملية بأكملها - ولكن هذه الشروط والقواعد تظلّ خاضعةً لإرادة البلد الذي أصدر الديون.
منذ صدور هذه المقترحات الجديدة، تضمّنت إصدارات الدين (التي قامت بها كازاخستان وفييتنام) هذه الشروط؛ وستلحقها دولٌ أخرى. ولكن هذا لن يحلّ مشكلة أكثر من 900 مليار دولار من السندات المستحقة التي تمّ إصدارها وفق القوانين القديمة. كما في حالة الطلاق المعقّد، فإن المفاوضات المطوّلة حول الإفلاس قد تكون مكلفة بالنسبة إلى جميع الأطراف. لهذا السبب، فإن السعي إلى شروطٍ أفضل يتمّ الاتفاق عليها «قبل عقد الزواج» ليست فكرةً سيئة على الإطلاق.

* مقال كتبه س. ن. في إيكونوميست بتاريخ 14 تشرين الأول 2014