الحالة الاقتصادية التي وصلنا إليها ليست مفاجئة، بل هي نتيجة خيارات وسياسات خاطئة وعبثية ومتعمّدة. ليس هدف هذه المقاربة شرح التطوّر التاريخي لتلك الخيارات والسياسات. فمنذ بداية حقبة الطائف تم التحذير من سياسة الاستدانة الحمقاء بفوائد غير معقولة ولآجال قصيرة لا تتناسب مع غرض الاقتراض. وارتفاع الفوائد لم يكن لتثبيت الليرة اللبنانية كما زُعم ولا لجذب الرساميل إلى لبنان والتي لم تُوظّف في قطاعات إنتاجية بل فقط في سندات الخزينة التي كانت تدرّ ريعاً من دون مقابل إنتاجي ومع تحديد سعر الصرف وربطه بالدولار. المهم اليوم هو الإضاءة على بعض الخيارات الممكنة التي تقارب هواجس المتابعين للشأن العام في لبنان.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

الخيارات للخروج من الدين محدودة، بمعنى أن استمرار الدين على ما هو عليه والاستمرار بسياسة الاستدانة فقط لتمويل عجز الدولة في موازنتها العامة أصبح أمراً مستحيل الاستمرار. الغريب كان استسهال الحكومات المتعاقبة عدم مقاربة الدين وسياسة الاستدانة، وكأنها من قدر البلاد ومن المسلّمات التي لا داعي لمناقشتها.

معالجة الدين
بعيداً عن ذلك السجال نستطيع أن نبدي الملاحظات الآتية:
ــ أولاً: إعادة النظر في الدين، أي حجمه، ومدّته، وكلفته، أصبحت ضرورة حيوية لبقاء الدولة فالكيان. لم يعد ممكناً تجاهل هذه الحقيقة، كما لم يعد ممكناً الاكتفاء بتسديد الأقساط المتوجّبة على حساب المهام الأخرى التي تقع على الدولة. لم يعد ممكناً تحمّل عبء خدمة الدين الذي وصل إلى أكثر من 50% من واردات الدولة والتي يضعها في حالة عجز دائم ومتجدّد. فالتداعيات وجوديّة وليس فقط سياسيّة أو اقتصاديّة أو اجتماعيّة.
ــ ثانياً: وسائل معالجة الدين العام موجودة ومطروحة. الأسلوب الأنسب يكون بالتراضي بين الأطراف المعنية، أي الدولة، والقطاع المصرفي بشقّيه الرسمي والخاص. من أجل حفظ حقوق جميع الأطراف. وهذا يستدعي حواراً هدفه تحفيف عبء الدين على الموازنة كي لا تتجاوز خدمته، أي قسط الرأس المال والفوائد المترتبة، نسبة مئوية مقبولة من إجمالي الموازنة. ما يعني ضرورة خفض الفوائد لمستويات تتماهى مع الفوائد الدولية مع زيادة نقطة أو نقطتين عليها. كما أن المطلوب توحيد الآجال وجعلها طويلة المدى أي لمدة 25 أو 30 سنة. أما عدم الوصول إلى اتّفاق فيعني انهيار النظام المصرفي إذا تعثّرت الدولة في خدمة الدين. كما أن الدين يجب أن يكون بالليرة اللبنانية لأن مبرّرات الاستدانة بعملات أجنبية غير متوفرة ولا ضرورة لها. والحلّ بالتراضي يستبعد أيّ دور للمؤسسات الدولية التي لم يكن سجلّها في مسائل مشابهة مشجّعاً سواء لمصلحة الاقتصاد الوطني أو لمصلحة الشعوب التي تتحمّل دائماً عبء حلول تلك المؤسّسات. فمعالجة المشكلة الداخلية ضمن البيت الداخلي أفضل بكثير من دعوة الخارج لـ«المساعدة» التي نادراً ما تكون كذلك!
بالتزامن مع الحلّ التفاوضي لا بدّ للحكومة المقبلة من مراجعة الموازنة للوصول إلى توازن بين الواردات والنفقات. في هذا الإطار لا نحبّذ رفع الضرائب غير المباشرة التي تتحمّل عبئها الطبقات المتوسّطة والفقيرة وأصحاب الدخل المحدود. فالزيادة لن تجبي المزيد من الواردات حيث ستؤثّر على الاستهلاك بشكل عام وبالتالي تقلّص قاعدة الواردات. المطلوب هو عمل جدّي لوقف الهدر والنفقات غير المبرّرة وترشيد المناقصات عبر تطبيق القوانين الموجودة. فلا داعي لقوانين جديدة بل احترام والعمل بالقوانين الموجودة. لا نفهم سياسة استئجار البنايات لبعض المرافق العامة بأسعار خيالية، كما لا نفهم تصرّف شركات الخليوي بمداخيلها التي هي واردات الدولة. القائمة طويلة لمصادر الهدر التي تساهم في تفاقم العجز في الموازنة. ولا نأتي بجديد عندما نطالب بترشيد الإنفاق في مصلحة كهرباء لبنان. استطاعت الحكومات المتعاقبة على المستحيل، أي إغراق مؤسسة كهرباء لبنان في الدين والعجز وعدم تأمين الكهرباء، وذلك لمدة ثلاثين عاماً!
ــ ثالثاً: إعادة النظر في مستحقّات الدين العام وخدمته شرط ضروري ولكن ليس كافياً. فالمطلوب تحديد سياسات اقتصادية ومالية تحول دون الوقوع مرّة أخرى في مطبّات الدين العام الذي شلّ بفوائده المرتفعة العجلة الاقتصادية سواء على صعيد الدولة أو على صعيد القطاع الخاص. سياسة الاستدانة المتّبعة كانت لتكريس التحوّل من اقتصاد إنتاجي وخدماتي إلى اقتصاد ريعي بامتياز واقتصاد خدماتي يمكّن الاقتصاد الريعي. فسياسة الفوائد المرتفعة تنسف إمكانية تفعيل العجلة الاقتصادية حيث المردود للنشاط الإنتاجي قد يقلّ عن المردود الربوي المضمون عبر الفوائد المرتفعة. فلا مبرّر اقتصادياً لرفع الفوائد على الأقل طيلة الفترة الممتدة منذ 1993 حتى الساعة. من جهة أخرى يجب مقاربة بعض مكوّنات الدين العام كالعجز في كهرباء لبنان ما يستدعي معالجة فورية تؤمّن الكهرباء وبشكل مستدام وبأسعار معقولة لا تتجاوز كلفة الكيلووات بضعة سنتات (5-10) بينما الحال هو أقرب لـ 25 سنتاً.

خيارات استراتيجية
من جهة ثانية، ما هي السياسات الاقتصادية المطلوبة لتقليص العجز في الميزان التجاري بما يعالج الخلل في ميزان المدفوعات، وبالتالي الطلب على العملة الأجنبية.
هذه السياسات تسبقها خيارات استراتيجية في بنية الاقتصاد وفي توجّهاته. في ما يتعلّق بالبنية فهو التحوّل إلى اقتصاد منتج وعدم الاستمرار باقتصاد ريعي. هذا يتطلّب إجراءات اليوم، ولكن مفعولها قد يكون في المستقبل، وذلك لدعم ما يمكن اتّخاذه من إجراءات فوريّة لا تشتري الوقت فحسب بل تؤسّس لثقافة اقتصادية جديدة تخفّف من الأعباء الاقتصادية.
هناك إصرار على ربط الليرة بالدولار رغم أن التبادل التجاري الخارجي مع أميركا يأتي ثالثاً بعد الصين وأوروبا


الضغط على الليرة اللبنانية يعود، من بين الأسباب، إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري لدى ميزان المدفوعات. أي بمعنى آخر هناك ضرورة لخفض الاستيراد الجنوني الذي كبّل الاقتصاد الوطني وزاد الضغط على الليرة اللبنانية. فما هي إذاً العوامل التي أدّت إلى ارتفاع الاستيراد، وخاصة في الكماليات؟ بطبيعة الحال الفوائد المرتفعة لدى سندات الخزينة التي كانت تدرّ ريعاً مرتفعاً من دون مقابل أو مجهود. خفض الفوائد يخفّف من الأرباح الناتجة لحاملي السندات. كما أن النمط الاستهلاكي المفرط هو أحد المسبّبات لزيادة الاستيراد. فالضريبة المرتفعة على الكماليات وضبط الحركة الجمركية ومنع التسيّب والهدر فيها تسهم في تخفيف ذلك الاستيراد.
كما أن سياسة الاستيراد للمواد الأساسية كالمحروقات، على سبيل المثال، تتمّ عبر وسطاء مقرّبين من مراكز القرار والنفوذ، وبالتالي هناك ربح غير مشروع يحقّقه الوسطاء. الدولة تستطيع أن تستورد مباشرة من جهات مستعدّة لتقديم تسهيلات في الدفع وربما حتى بالعملة الوطنية، ما يخفّف ضغط الطلب على عملات أجنبية بشكل عام والدولار بشكل خاص.
هذه إجراءات فوريّة مع نتائج سريعة بالنسبة للضغط على سعر صرف العملة. هناك مروحة من المواد يمكن للدولة استيرادها خارج دائرة الوسطاء ــ السماسرة الذي يفرضون الأسعار التي يريدونها ويزيدون العجز في الميزان التجاري والضغط على سعر صرف العملة.

شرقاً درْ
النقطة السابقة تفتح باب النقاش حول الوسائل التقليدية في لبنان لتأمين الحاجات من الخارج. لسنا دعاة اقتصاد ذاتي وإن كان ذلك يستحق نقاشاً بالعمق بعيداً عن التسلّط الفكري الاقتصادي في الغرب الذي حرّم مفهوم الاقتصاد الذاتي على حساب «انفتاح» على التجارة بناء على نظرية ومفهوم التمايز التفضيلي أو التفوّق النسبي. وما يهمّنا في الوقت الحاضر هو البحث عن الجهات الاقتصادية التي يمكن التعاون معها سواء على صعيد الكلفة الاقتصادية والمالية أو على صعيد الكلفة السياسية. رأينا في هذا الموضوع واضح وهو التوجّه إلى الشرق. فالأخير هو الذي ينتج السلع بأسعار مخفّضة وهو الذي يستطيع مساعدة لبنان في إعادة تأهيل بنيته التحتية التي أهملت خلال العقود الثلاثة الماضية بل حتى العقود الخمسة الماضية إذا ما حسبنا حقبة الحرب الأهلية. كما أن الشرق لن يفرض الشروط القسريّة التي تقيّد حرّية التحرّك وتقوّد السيادة الوطنية. الشرق هو شطر التوجّه وليس الغرب. وليس ضرورياً قطع العلاقة مع الأخير، إلّا أنه لم يعد يستطيع أن يقدّم أيّ شيء يذكر لا على الصعيد الاقتصادي والمالي ولا على الصعيد السياسي. هذا موضوع ستناقشه الحكومة الجديدة التي ستتولّى مهام الإنقاذ. السفير الأميركي السابق للبنان جيفري فلتمان يعي أن الولايات المتحدة على وشك أن تخسر موقعها في لبنان إذا ما استمرّ الضغط العبثي على لبنان الذي سيضطر إلى تغيير وجهة قبلته السياسية والاقتصادية.
من ناحية أخرى، يمكن زيادة الصادرات التي تدرّ بالعملة الأجنبية على الاقتصاد اللبناني. تشجيع الصادرات الزراعية والصناعية يتطلب سياسات تشجيعية في خفض كلفة الطاقة والتواصل، كما يتطلب فتح الأسواق الخارجية. في هذا السياق، السوق الطبيعية للصادرات اللبنانية هي سوق المشرق العربي، أي سوريا والعراق والأردن. هذا يعني التفاهم مع الدولة السورية بغضّ النظر عن الرأي في سياسات الحكم فيها، للاستفادة من فتح الطريق بين سورية والعراق. وهذا الأخير قد يستوعب المنتجات اللبنانية بشكل كبير كما كان سابقاً. إذاً، موضوع توفير النقد الأجنبي مسألة قد تأخذ بعض الوقت ولكن تطول.
من جهة أخرى هناك ما يوازي ملياري دولار سنوياً تخرج من لبنان هي عبارة عن تحويلات للعمالة الأجنبية. هنا يجب درس الموضوع والتخفيف من تلك التحويلات، وخاصة العائدة للخدمات المنزلية. هذا يعنى تغييراً في نمط الحياة للأسرة اللبنانية وقد يأخذ بعض الوقت للتأقلم مع الواقع الجديد.
لكن هناك مسألة أهم وهي ربط الليرة بالدولار والإصرار على تثبيت سعر الليرة تجاه الدولار من دون أي مبرر اقتصادي، خصوصاً أن معظم التجارة الخارجية اللبنانية (أي الاستيراد) هو مع الصين بالدرجة الأولى ومنطقة اليورو بالدرجة الثانية. الدولار يأتي في المرتبة الثالثة. إن دولرة الاقتصاد اللبناني تضّر وتفقد لبنان قراره السيادي ومردوده الاقتصادي محدود. هذا بحث منفصل يفوق إطار هذه المقاربة ولكن ذكره ضروري. المهم هنا هو الإقرار بأن لا ضرورة للمواطن اللبناني أن يحمل الدولار وأن يكون وسيلته للتعاملات اليومية. فواتير الخليوي، فواتير السوبر ماركت، أقساط المدارس والجامعات، فواتير المطاعم وسواها... جميعها يجب أن تُدفع بالليرة اللبنانية وتغريم الجهات التي تتعامل بالدولار بدلاً من الليرة اللبنانية.

* اقتصادي وأستاذ جامعي سابق