عشية الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي المُقرّرة بين 14 و20 تشرين الأوّل/ أكتوبر الحالي، نشرت «حملة يوبيل الديون» (Jubilee Debt Campaign)، المموّلة من الاتحاد الأوروبي، تقريراً بعنوان «منع أزمات الديون السيادية وحلّها: توقّفوا عن إنقاذ المُقرضين المتهوِّرين». تتّهم الحملة الصندوق بـ«خرق سياساته الخاصّة التي تحظّر إقراض أي بلد في وضعية ديون غير مُستدانة ما لم يقم بإعادة هيكلة ديونه أو توفير التمويل الميسّر»، مشيرة إلى أن «هذا النهج بات سائداً داخل الصندوق، وهو يُخرِج الدَّائنين من مأزقهم ويؤدّي إلى الدخول في دورة من أزمات الديون المُتتالية، بحيث يحوّل إقراض البلدان المُثقلة بالديون إلى عملية إنقاذ للدائنين السابقين والمتهوّرين، ما حفّزهم على الاستمرار في إقراض هذه البلدان من دون خوف من المخاطر التي قد تنجم عن تخلّفها عن السداد، لأنهم كانوا يعلمون مُسبقاً بأن الصندوق سيقوم بإقراض هذه البلدان لتستمرّ في تسديد مستحقّات ديونها المترتبة لصالحهم، وهو ما يُعفيهم من تحمّل مسؤوليّاتهم في ضمان منع حدوث أزمات ديون لا ينتج عنها سوى المزيد من الأعباء الثقيلة التي تُلقى على مواطني البلدان المدينة».
أنقر على الرسم البياني لتكبيره


قروض برامج صندوق النقد
في البلدان المنخفضة الدخل والشريحة الدنيا من البلدان المتوسّطة الدخل، استحوذ الدائنون من القطاع الخاصّ على نحو 44% من مدفوعات الديون الخارجية (أصل وفائدة) بين عامي 2010 و2017، في مقابل 26% للحكومات الأخرى، و29% للمؤسّسات المتعدّدة الأطراف. أمّا الشريحة العليا من البلدان المتوسّطة الدخل فقد استحوذ الدائنون من القطاع الخاصّ على 74% من مدفوعات الديون الخارجية فيها، فيما حصلت المؤسّسات المتعدّدة الأطراف على 17%، والحكومات الأخرى على 9%. وهي بغالبيتها قروض حصلت عليها البلدان لخدمة ديونها ودفع مستحقّات الدَّائنين.

74 %

من مدفوعات الدَّيْن الخارجي في الشريحة العليا من البلدان المتوسّطة الدخل ذهبت إلى الدَّائنين من القطاع الخاصّ بين عامي 2010 و2017


يقسّم صندوق النقد الدولي البلدان إلى مجموعتين؛ المجموعة الأولى تضمّ البلدان المؤهّلة للاقتراض من الصندوق الائتماني للنموّ والحدّ من الفقر (PRGT)، وعددها 68 بلداً تشكّل كلّ البلدان المنخفضة الدخل وبعض البلدان المنتمية إلى الشريحة العليا أو الدنيا من البلدان المتوسّطة الدخل. يجري الصندوق بالتعاون مع البنك الدولي تقييماً لاستدامة الديون في هذه البلدان، لتحديد قدرة هذه البلدان على تحمّل ديونها، ويضع تصنيفاً لمخاطر التخلّف عن سداد الديون الخارجية لكلّ بلد. أمّا المجموعة الثانية فتضمّ جميع البلدان الأخرى والتي تقترض من حساب الموارد العامّة (GRA) بأسعار فائدة أعلى. تخضع هذه البلدان أيضاً لتقييم لاستدامة الديون ولكن من دون وضع تصنيفات لمخاطر التخلّف عن السداد، علماً أن هذه التحاليل تقدّم معلومات عن حالة ديون البلد المعنيّ أقل بكثير من تلك التي تقدّم حول ديون بلدان المجموعة الأولى.
منذ عام 2015، خضعت 8 بلدان تنتمي إلى المجموعة الأولى لبرامج إقراض صندوق النقد الدولي وبلغت قيمة القروض التي حصلت عليها نحو 2.389 مليار دولار. لكن لم تقم 5 بلدان من أصل 8 بأي إعادة هيكلة لديونها وهي أفغانستان والكاميرون وغانا وموريتانيا وسيراليون، علماً أن القروض التي حصلت عليها شكّلت نحو 82% من مجمل الديون (1.958 مليار دولار) . أمّا البلدان الثلاثة الأخرى فقد أجرت إعادة هيكلة لديونها وقد بلغت قروضها نحو 431 مليون دولار، إلّا أن ذلك لم يؤدِّ إلى تحسين تصنيف المخاطر لديها ورفعه إلى مستوى معتدل، بحيث ظلّت جمهورية أفريقيا الوسطى في خطر كبير ومعرَّضة لأزمة ديون، فيما ساء وضع ساوتومي وبرينسيب إذ دخلت في أزمة ديون بعد أن كانت معرّضة لها بشكل كبير، أمّا تشاد فهي الدولة الوحيدة التي شهدت تحسّناً بعد قيامها بإعادة هيكلة لديونها، إلّا أن ذلك لم يؤدِّ سوى لانتقالها من تصنيف «في أزمة ديون» إلى تصنيف «درجة عالية من المخاطر»، وبالتالي لم تصل إلى تصنيف «معتدل» وهو المطلوب للتأكيد على قدرتها على الوفاء باستحقاقات ديونها، إذ من المتوقّع أن تنخفض حصّة الفرد من الإنفاق العام بنحو 37%، من 123 إلى 78 يورو، بين عامي 2015 و2022.
في المقابل، حصل 14 بلداً ينتمي إلى المجموعة الثانية على قروض بقيمة 92.906 مليار دولار، إلّا أن بلداً واحداً فقط أعاد هيكلة ديونه، وهو بربادوس الذي حصل على قرض بقيمة 287 مليون دولار وهو ما يشكّل 0.3% من مجمل القروض الممنوحة لهذه المجموعة من البلدان، علماً أن إعادة هيكلة ديونه الخارجية لم تكتمل بعد لمعرفة حجم أعباء خدمة الدَّيْن التي سيتم تخفيضها.

5 % فقط من برامج صندوق النقد الدولي المنفّذة نجحت من دون إعادة هيكلة الديون

فيما حصلت البلدان الـ13 الأخرى على 92.619 مليار دولار (99.7% من مجمل القروض) إنّما من دون إعادة هيكلة ديونها، وهي: أوكرانيا، التي على الرغم من خضوعها لإعادة هيكلة بموجب برنامج قروض سابق بقيت خدمة دَيْنها الخارجي عالية وكذلك مخاطر التعثّر، وحصلت 6 بلدان أخرى (أنغولا والأرجنتين والإكوادور ومصر وباكستان وسريلانكا) على قروض من دون إعادة هيكلة ديونها على الرغم من أن خدمة الدَّيْن الخارجي فاقت مستويات بلدان المجموعة الأولى (أكثر من 23% من الإيرادات و21% من الصادرات)، أيضاً مُنحت ثلاث دول أخرى (الأردن ومنغوليا وتونس) قروضاً من دون إعادة هيكلة على الرغم من أن خدمة الدَّيْن الخارجي كنسبة من الإيرادات أو الصادرات تجاوزت مستويات بلدان المجموعة الأولى، فيما المؤشّر الآخر كان قريباً من هذه المستويات. أمّا الغابون وجورجيا والبوسنة، التي كانت خدمة الدَّيْن الخارجي فيها أقل من مستويات بلدان المجموعة الأولى، فقد حصلت على قروض إنّما من دون أن تترافق مع إعادة هيكلة لوضع ديونها على مسار الاستدامة.

إعادة الهيكلة لا تحلّ معضلة الديون
يستند تقرير الحملة إلى دراسة صادرة عن صندوق النقد في أيار/ مايو الماضي، للدلالة على أنه «من غير المرجّح أن تعيد برامج صندوق النقد الاستقرار في ميزان المدفوعات وفي الاقتصاد الكلّي، إذ تنطوي على احتمالات فشل كبيرة، فضلاً عن أن نجاحها غالباً ما يكون مؤقّتاً»، بحيث تشير دراسة الصندوق إلى أن «برامجه في البلدان المُثقلة بالديون تحقّق نجاحاً أكبر في حال جرت إعادة هيكلة الديون في البداية، بحيث ينجح نحو 45% منها بالكامل، فيما ينجح 40% منها جزئياً، ويفشل 15%. في المقابل، فإن 5% فقط من البرامج المنفّذة من دون إعادة هيكلة تنجح، و45% منها تنجح جزئياً، و50% منها تفشل».

ما يقوم به صندوق النقد الدولي فعلياً هو إقراض البلدان لإنقاذ الدَّائنين السابقين


وتعيد الحملة الأسباب إلى كون «الصندوق لا ينظر إلى الاستدامة كمفهوم أوسع يشمل القدرة على الوفاء بالتزامات حقوق الإنسان وأولويات التنمية وقدرة أي بلد على تحمّل صدمات اقتصادية جديدة من دون التخلّف عن السداد مرّة أخرى، بدليل أنه خلال السنوات العشرين الماضية هناك 7 حالات فقط خفّض فيها الدَّيْن بشكل كبير ومستدام، وإنّما كنتيجة لصدمات اقتصادية خارجية أتت إيجابية على هذه البلدان». وتشير الحملة إلى أن الصندوق يعمل وفقاً لآليات غير واضحة بحيث «لا يضع تعريفاً واضحاً للديون غير المُستدامة، وغالباً ما تكون المعايير المعتمدة في برامج القروض غير كافية والمعلومات المُرتبطة بها ناقصة، فضلاً عن أن عمليات إعادة الهيكلة، في حال أجريت، تأتي متأخّرة أو غالباً ما تكون غير كافية، ما يؤدّي إلى فشل إعادة قدرة البلدان على تحمّل ديونها».
«ما يقوم به الصندوق فعلياً هو إقراض البلدان لإنقاذ الدَّائنين السابقين، ودفع هذه البلدان للاستعانة بالمال العام لتخفيف أعباء الديون، أي فرض سياسات تقشّفية غير عادلة وغير ناجحة تلقي عبء الأزمات على السكّان المقيمين بدلاً من إشراك الدائنين في تحمّل تكاليف الأزمات. وبذلك لا ينفع التقشّف بل يضر الاقتصاد المحلّي، ويتسبّب بتخفيض الإيرادات الضريبية واستمرار الأزمة الاقتصادية وتفاقمها ويزداد احتمال التخلّف عن السداد»، وفق ما خلص إليه تقرير «حملة يوبيل الديون».