«الإجراءات الإنقاذية للأشهر الستة المقبلة»، التي أعدّها مكتب رئيس مجلس الوزراء، تضمّنت اقتراحات لخصخصة وبيع أصول الدولة. هذه الاقتراحات هي بمثابة انتحار اقتصادي للمرّة الثالثة. المرّة الأولى عندما فشلت الدولة على مدى 30 سنة في بناء مؤسّسات عامّة تعطي المواطن أبسط حقوقه الحياتية مقابل الضرائب التي يدفعها. المرة الثانية عندما سمحت الدولة لهذا الفشل أن يتحوّل إلى دَيْن بقيمة ٣٥ مليار دولار بسبب أزمة الكهرباء، وتفشّي مرض السرطان بشكل خطير بين الناس بسبب الفشل في إدارة المياه والصرف الصحّي والنفايات. أمّا المرّة الثالثة، فهي الآن، عندما يجري طرح بيع أصول الدولة بسرعة رهيبة في أوقات عصيبة، أي بأسعار متدنية بحجّة الإنقاذ، بينما كان لدى الدولة عقود من الزمن للانتقال من بنية تحتية ومؤسّسات عامّة مهترئة إلى دولة عصرية تملك مؤسّسات تدرّ مليارات من الدولارات سنوياً.

لا أدري إذا كان المستشارون الذين كتبوا هذه الورقة بسطاء إلى درجة أنهم يظنّون أن هذا هو الحلّ الذكي، أو بسطاء إلى درجة أنهم يظنّون أن مثل هذا الاقتراح سيمرّ مرور الكرام.

أبعد ما يكون عن الحقيقة
جاء في ورقة مكتب رئيس مجلس الوزراء أن «أبرز المرافق الممكن المباشرة في خصخصتها كلّياً أو جزئياً هي شركتا الخلوي وليبان تلكوم وشركة طيران الشرق الأوسط وشركة الشرق الأوسط لخدمة المطارات وكازينو لبنان وإدارة حصر التبغ والتنباك ومرفأ بيروت وباقي المرافئ»، كما اقترحت «إجراء جردة بكامل العقارات المملوكة من الدولة والبدء بعملية بيع أو استثمار هذه العقارات». ما يعني أن نبيع جميع الشركات المربحة للدولة وأي عقارات يمكن أن تدرّ أموالاً، وذلك بأسرع وقت بحجّة أن ذلك سيُنقذنا من الإفلاس. وهذا أبعد ما يكون عن حقيقة المشكلة وعن كيفية حلّها. هذا هو الإنكار بذاته.
في الاقتصادات النامية، الفاسدة مثل لبنان، تفشل الدولة في إدارة فعّالة للشركات والمؤسّسات العامّة، فتؤدّي مَهمّتها بجودة منخفضة وبتكلفة عالية. تكون هذه المؤسّسات العامّة إجمالاً محميّة من المنافسة، تعاني من تخمة في الموظّفين وتحدّد الأسعار دون الكلفة، ما يؤدّي إلى خسائر مالية. تتطلّب تغطية هذه الخسائر تحويلات مالية من الخزينة من خلال زيادة الضرائب وتقليص الإنفاق العام في مجالات أخرى ومن خلال الدَّيْن. تؤدّي هذه الخسائر المتراكمة إلى استدانة كبيرة من النظام المصرفي، إضافة إلى استدانة المصرف المركزي للدفاع عن العملة إذا كانت مثبتة، ما يحدّ من وصول القطاع الخاص إلى القروض، وبالتالي يهدّد ذلك القطاع المالي بأكمله.
في حالة لبنان، كان الإنفاق على الكهرباء سبباً من أسباب تراكم دَيْن الدولة بالدولار، فهذا الدَّيْن هو بشكل غير مباشر تراكم لأرباح مافيات الفيول، وأصحاب المولّدات، وطبعاً أصحاب الأموال التي جرت هندستها مرّات عدّة وجنوا أرباحاً طائلة هم ومصارفهم. إذاً، ما يحصل في قطاع الكهرباء هو نقل ثروة (Transfer of Wealth) من عامّة الشعب إلى البعض. وهناك صلة وثيقة بين أزمة قطاع الكهرباء وأزمة النظام المالي والليرة اللبنانية. طبعاً الفساد وغياب السياسات العامّة في جميع المجالات الأخرى يزيدان هذا الواقع ويسبّبان تراجعاً كبيراً في جودة الحياة في لبنان (Quality of Life).

أي خصخصة مطروحة؟
إذاً، المطروح في الورقة هو بيع الشركات المملوكة من الدولة والتي تدرّ أرباحاً لتغطية الفشل في قطاع آخر. وهذا طرح سيّئ بمعزل إذا كانت الخصخصة نفسها سيّئة أم لا.
تُطرح الخصخصة عادة بهدف جعل المؤسّسات والشركات المملوكة من الدولة فعّالة، أي تؤدّي الخدمة التي أنشئت من أجلها بمستوى عالي الجودة، وتصل إلى جميع المواطنين، وتؤمّن حماية الفقراء، وتدرّ أرباحاً.
أهمّ مبدأ لبيع الأصول (Mergers, Acquisitions, and Divestitures) هو التماس البيع عندما يكون السعر الممكن الحصول عليه في مستوى عال، لأن خلاف ذلك تكون عملية البيع متعثّرة، أي تدرّ أقل ممّا يمكن بسبب الحاجة إلى المال (Distressed Sale). فتصبح الدولة مثل المُقامر الذي يبيع بيته بربع سعره لكي ينقذ نفسه من المُرابين. أهذا ما نريده للشركات التي هي ملك كل مواطن لبناني؟
كذلك يجب أن يُدرس كلّ قطاع بقطاعه للتأكّد من منافع خصخصته. ثمّ يجب صون الرقابة الفعّالة على القطاع المعني ووضع السياسات العامّة التي تحمي القطاع والشركات والمستخدمين. هذا يعني تعيين مجالس الإدارة وهيئات الرقابة وإثبات فاعلية أعضائها ونزاهتهم قبل أي خصخصة.

أهمّ مبدأ لبيع الأصول هو التماس البيع عندما يكون السعر الممكن الحصول عليه عالياً، أما خلاف ذلك فيعني أن الدولة أصبحت مثل المُقامر الذي يبيع بيته بربع سعره لكي ينقذ نفسه من المُرابين


الخصخصة التي اعتُمدت من قبل البلدان التي تعاني من عجز كبير في الميزانية والديون الخارجية المرتفعة والاعتماد الكبير على البنك الدولي وصندوق النقد الدولي انتهت بالفشل، وخصوصاً في البلدان التي يشبه تصنيفها الائتماني تصنيف لبنان، مثل زامبيا والأرجنتين.
خصخصة أي قطاع أو شركة يجب أن يخضع لدراسة معمّقة، تنشر دراستها مع تفاصيل الخطوات الرقابية والمالية والإدارية اللازمة لتحقيق خصخصة ناجحة. هكذا تكون الشفافية ورقابة الرأي العام هي المعيار أو تنتهي هذه الشركات كما انتهت سوكلين ودير عمار والكسّارات وشركتا الخلوي سابقاً والشواطئ؛ ينتج عنها مليارديرات يغتصبون الشعب والمالية العامّة عند كل فرصة.

هل فات الأوان؟
الإجراءت الإنقاذية المطروحة للأشهر المقبلة تضمّنت لائحة طويلة من أمور طال عليها الزمن وبحاجة إلى وقت طويل لتنفيذها ورؤية نتائجها، مثل إعداد وإقرار قانون الضريبة الموحّدة على الدخل، وضع نظام موحّد للتقديمات الاجتماعية، إصلاح نظام التقاعد، تحسين الجباية ورفع مستوى الالتزام الضريبي، تسريع تلزيم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص. وتضمّنت أيضاً أموراً قد تكون للأسف صعبة المنال من الآن وصاعداً، مثل الاستمرار في سياسة استقرار سعر الصرف، الحصول من الدول الصديقة على ودائع طويلة الأمد في مصرف لبنان، والبدء بتنفيذ برنامج الإنفاق الاستثماري (سيدر).
الإجراءات الوحيدة المقترحة والمضمون إقرارها هي زيادة الضرائب على الشعب، ولكن لا ضمانة لتحصيل هذه الضرائب في وضع اقتصادي مُثير للشفقة.
تنتقل الأزمة في لبنان من الاقتصاد إلى المالية العامّة إلى النقد. ولكن العمل فوراً على بناء معامل الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع قد يبعث بعض الأمل أو الثقة لوقف الانهيار.
لقد بنت جمهورية مصر العربية في عام 2015 طاقة إنتاجية كهربائية بقدرة 16.4 غيغاوات من خلال شركة سيمنز (Siemens)، أي أربع مرّات حاجة لبنان من الكهرباء، وذلك في خلال سنتين وبكلفة 9 مليارات دولار. تكلّف لبنان أكثر من 11 مليار دولار خسائر في الكهرباء منذ عام 2013، وبدأ وعوده بالخطّة الكهربائية العظيمة منذ مؤتمر «سيدر» في نيسان/ أبريل 2018. ما يعني أنه كان يمكن أن ننتهي من هذه المشكلة بمساعدة سيمنز وجنرال إلكتريك أو غيرهما خلال هذه السنة.
هذا ما يجب التفكير فيه في مواجهة الأزمة في لبنان: التحرّك لوقف النزف المالي وإرسال إشارة إلى وجود استعداد لإحداث إصلاحات جدّية لا عرض أصول الدولة للبيع بالرخص، فيستفيد منها أوليغارشيون جدد كما في السابق على حساب الشعب، فتنتهي في مكان أسوأ من الذي ابتدأت منه.

* باحث اقتصادي