النقطة الأولى في مقاربتنا هي أن الدولار المُستند إلى الاقتصاد الأميركي لم يعد مدعوماً بالاقتصاد نفسه الذي كان سائداً في السبعينيات، سواء من حيث الهيمنة والمتانة والتنويع، أمّا الاقتصاد الرقمي والافتراضي فطابعه ريعي بامتياز وقيمته المضافة محدودة بسبب ذلك الطابع الريعي. وبالتالي، الثقة التي أسّست لاعتماد الدولار كعملة احتياط دولية لم تعد قائمة على الأقل بالمستوى نفسه إن لم نقل بكامله. ولم تعد المسألة «إذا» سيفقد الدولار ثقة العالم بل «متى».

النقطة الثانية المرتبطة بالاقتصاد الأميركي وطبيعته وتحوّله إلى اقتصاد استهلاكي هو دور الدَّيْن. وعندما نتكلّم عن الدَّيْن فالمقصود هو الدَّيْن العام أي دَيْن الدولة والدَّيْن الخاص العائد إلى الأسر والأفراد والشركات والمؤسّسات. ذكرنا في الجزء الاول من هذا المقال بعض الأرقام الإجمالية ونضيف في الجزء الثاني بعد الإيضاحات حولها. أصبح الدَّيْن الخاص أكبر من الدَّيْن العام بنحو 5 تريليونات دولار، والمكوّنان الأساسيان له هما الديون العقارية التي توازي 9.24 تريليون دولار وديون الطلّاب التي وصلت إلى 1.5 تريليون دولار. تستند الديون العقارية إلى قيمة العقارات التي تضمنها، وهي لا تزال أعلى من المديونية الفردية لكلّ مالك عقار ولكن بفارق بسيط. والسؤال الذي يمكن طرحه هو: ماذا سيحصل إذا تجدّدت أزمة الديون العقارية كما حصل عام 2008؟ لم تتعلّم المؤسّسات المالية التي أطلقت المشتقّات الورقية بناء على تلك الديون وما زالت تقوم بها، وذلك لأن المسؤولين عن الأزمة في تلك المؤسّسات لم يخضعوا لأي مساءلة أو محاسبة بل العكس تمّت مكافأتهم بأموال ضخمة!

أنجل بوليغان ــ المكسيك

من جهة أخرى، كيف سيسدّد الطلاب الذين اقترضوا ما يوازي 1.5 تريليون دولار لإتمام دروسهم الجامعية؟ وماذا سيحصل للفرد المدين بسبب بطاقات الائتمان التي تجاوزت تريليون دولار وبفوائد مرّكبة (أي ربوية) تصل إلى 17.41 بالمئة سنوياً؟ يُبطئ الدَّيْن الفردي النموّ الاقتصادي بشكل عام، إذ أصبحت كلفة التسديد عائقاً على المدّخرات وبالتالي على الاستثمارات. والتباطؤ بالنموّ يعني تباطؤاً بالتسديد، وهو ما يؤدّي إلى ارتفاع الفوائد على الديون لتستمر الحلقة الحلزونية المفرغة وصولاً إلى الإفلاس العام.
اعتمدت النخب الحاكمة ترويج بطاقات الائتمان كبديل عن رفع الأجور لتأمين الكماليات للمستهلك الأميركي. وتساهم الفوائد الربوية التي تجنيها المؤسّسات المالية الأميركية في تضخيم نموّها وإن كان على حساب الأفراد وحتّى إفلاسهم إذا لزم الأمر. حتّى مطلع السبعينيات لم تكن ثقافة الدَّيْن الفردي متفشّية بل كان المواطن الأميركي يصرف ضمن حدود دخله. ومع انتشار بطاقات الائتمان زاد الاستهلاك الفردي وزادت رفاهيته لكن في المقابل زادت مديونيته. والسؤال المطروح الآن: إلى ماذا سيؤدّي كل ذلك غير الإفلاس العام؟

انكشاف الولايات المتّحدة
كان لا بدّ من التفكير بنظام مالي دولي للمدفوعات لا يرتكز إلى الدولار الذي يشكو من اختلالات بنيوية لا أفق لها غير الخراب والانهيار إذا ما استمرّت الحالة عليه. ويتفاقم ذلك الوضع بالنسبة إلى الدول التي تحمل سندات الخزينة الأميركية كالصين واليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا والمملكة المتّحدة، خصوصاً أن انكشاف الولايات المتّحدة تجاه هذه الدول وهشاشة الدولار، يجعلها أكثر تقبّلاً للاستماع والنظر إلى بدائل عن الدولار. هنا النقطة الثالثةـ وهي المباشرة ببناء بنية تحتية مالية دولية خارج إطار سيطرة الدولار والشرايين المالية كمنظّمة «سويفت».
أقدمت مجموعة دول البريكس منذ تأسيسها في العقد الماضي على التفكير الجدّي بخلق شبكة من المؤسّسات المالية التي لا تخضع للمشيئة الأميركية سواء في الاستثمار التنموي أو في إيجاد السيولة اللازمة لتمويل المشاريع. فأنشئ المصرف الآسيوي للبنية التحتية والمصرف الآسيوي للاستثمار وصندوق التمويل برصيد 100 مليار دولار. إلّا أن التعامل كان وما زال عبر الدولار، وهو ما جعل الولايات المتّحدة لا تكترث لتلك المؤسّسات الجديدة التي التحقت بها المملكة المتّحدة وأستراليا وعدد من الدول الآسيوية. لكن سرعان ما تبيّن لكلّ من الصين وروسيا أن التعامل عبر الدولار يعطي رافعة غير مرغوب بها للولايات المتّحدة للتأثير على المشاريع والصفقات التجارية. كما أن الولايات المتّحدة في حقبة تراجع نفوذها في العالم، اضطرّت إلى التغاضي عن الدبلوماسية، واللجوء إلى القوّة المفرطة عبر سياسة العقوبات والحصار الاقتصادي وفرض التعريفات الجمركية، وإلى التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور للدول الصغيرة التي لا تريد أو لا تستطيع الانصياع الكلّي للمشيئة الأميركية.
لذلك باشرت كلّ من الصين وروسيا بالتعامل بعملاتهما الوطنية في الصفقات التجارية الضخمة في ما بينهما. وكذلك اعتمدت التبادل العيني في السلع كبديل عن استعمال الدولار. إلّا أن كلّ ذلك لم يؤثّر على دور الدولار طالما أن دول العالم تتعامل به. لذا كان الانفتاح على التبادل بالعملات الوطنية لكلّ دولة تتاجر مع الصين وروسيا. ومن هنا نفهم مدى أهمّية الصفقة العملاقة بين روسيا والصين عام 2014، لتأمين الغاز الروسي للصين بقيمة 400 مليار دولار على مدى 30 عاماً وخارج إطار الدولار. يزداد هذا التوجّه يوماً بعد يوم لأنه يعفي الدول من المرور بالدولار والعتبة الأميركية. كما أن الخروج عن الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية في إيران وسلسلة العقوبات الأحادية المفروضة عليها جعلت الدول الحليفة للولايات المتحدة تفكّر بالتحايل على استعمال الدولار والتعاطي مع المصارف الأميركية. ونشير هنا إلى أن التبادل التجاري بين ألمانيا وروسيا ازداد بعد نقض الاتفاق النووي من قِبَل الولايات المتّحدة على الرغم من العقوبات المفروضة على روسيا. كسرت الاستثمارات الألمانية في روسيا أرقاماً قياسية لأكثر من 10 سنوات، عبر استثمار يفوق 1.7 مليار يورو في الربع الأوّل من 2019، وارتفع حجم الاستثمارات الألمانية بنسبة 33 بالمئة. وتعدّ ألمانيا الدولة القائدة في الاتحاد الأوروبي، وتدلّ التطوّرات المذكورة مع روسيا على مدى اتساع الفجوة في العلاقات مع الولايات المتّحدة.
الثقة التي أسّست لاعتماد الدولار عملةَ احتياط دولية لم تعد قائمة على الأقل بالمستوى نفسه إن لم نقل بكامله، ولم تعد المسألة ما إذا سيفقد الدولار ثقة العالم، بل متى سيفقدها؟


لكن التطوّر الأخطر بالنسبة إلى مستقبل الدولار، وهو النقطة الرابعة في أسباب تراجع وأفول الدولار، هو اعتماد بدائل الدولار كقاعدة لتسعير السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز. حاول الرئيس صدّام حسين اعتماد سلّة من العملات لتسعير الدولار، وهو ما شكّل السبب الرئيسي الأميركي لاحتلال العراق والإطاحة به، بالإضافة إلى خدمة الأمن الصهيوني. كذلك حاول الزعيم الليبي معمّر القذّافي خلق عملة أفريقية تتجاوز الفرنك الفرنسي (سي، أف، أ) في أفريقيا الغربية فكان لا بدّ من التخلّص منه. بمعنى آخر، إن قرار التخلّي عن الدولار هو قرار إعلان حرب على الإمبراطورية الأميركية كما التخلّي عن الفرنك الفرنسي هو إعلان حرب على فرنسا. لكن ما تستطيع الولايات المتّحدة القيام به اليوم، ليس نفسه ما كانت قادرة عليه في مطلع الألفية. تدلّ الأحداث في الخليج على عجز في القدرات العسكرية لتكرار ما قامت به عام 2003. كما أن إخفاق العراق وليبيا لا يعني بالضرورة إخفاق جهود الصين وروسيا. فالأحجام السياسية والاقتصادية لها دورها. والدليل على ذلك جنون الإدارة الأميركية في محاولة فرض عقوبات على كلّ من يعترض على قراراتها. وقد أصبحت هذه العقوبات تهدّد الأمن الاقتصادي والمالي العالمي. فيما تكشف ردود فعل الإدارة الأميركية حالة الضعف البنيوي التي تواجهه.

أبعاد تسعير السلع والخدمات بالدولار
لنعي أبعاد تسعير السلع والخدمات التجارية بالدولار، ما علينا إلّا الاطلاع على حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات. ارتفعت قيمة التبادل التجاري في العالم، أي التصدير والاستيراد، إلى نحو 20 تريليون دولار في السلع و6 تريليونات في الخدمات التجارية، أي بإجمالي يوازي 26 تريليون دولار. وهو ما يعني أن الطلب على الدولار لا يمكن أن يقلّ عن 26 تريليون دولار إذا كان التبادل مُسعّراً بالدولار. طبعاً يجب الأخذ في الاعتبار التبادل الذي يحصل باليورو وبعض العملات الأخرى، ولكن يبقى حجم التبادل بالدولار طاغياً على التبادلات الأخرى. من هنا نعي مخاطر التسعير بغير الدولار، الذي سيخفّض الطلب على الدولار، وقد تكون تلك الضربة القاضية. وإذا أضفنا حجم الدَّيْن العالمي المُسعّر أيضاً بالدولار نصل إلى رقم مذهل وهو 247 تريليون دولار حتى نهاية الربع الأوّل من عام 2019 وفقاً لموقع «أكسيوس» أي ما يوازي ثلاثة أضعاف إجمالي الإنتاج العالمي. في هذا السياق تُحتسب خدمة الدَّيْن فقط كعامل في الطلب على الدولار وليس كل الدَّيْن.
من الواضح أن ما طبعته الخزينة الأميركية من دولارات للتداول يصل إلى حجم الدَّيْن الداخلي العام الأميركي، أي نحو 23 تريليون دولار. وإذا أخذنا في الاعتبار رصيد الدولارات المتداولة في الولايات المتّحدة، أي الكتلة النقدية التي تضمّ كلّاً من النقد الورقي والمعدني والودائع القصيرة الأجل، أي أقل من سنة، تصبح الكتلة النقدية وفقاً لإحصاءات الاحتياط المركزي توازي نحو 3.3 تريليون دولار. والسؤال الذي يمكن، ويجب، طرحه هو: ماذا سيحصل إذا كلّ من الصين واليابان ومجموعة الدول التي تحمل سندات الخزينة قرّرت التخلّي عن حملها؟ كيف ستتصرّف الإدارة والمؤسّسات المالية الأميركية أمام سيل السندات المعروضة في الأسواق دون أن يكون هناك من يريد شراءها؟ من الواضح أن العرض سيفوق الطلب وسيؤدّي إلى انهيار أسعار السندات وإلى انهيار سعر صرف الدولار تجاه العملات الدولية. هل تستطيع الولايات المتّحدة مواجهة ذلك الاحتمال؟ بناءً على ما عرضناه من هشاشة البنية الاقتصادية والتحوّلات التي جرت خلال العقود الخمسة الماضية، نعتقد أن الانهيار الشامل هو ما ستواجهه الولايات المتّحدة إذا استمرّت في سياساتها الحالية. وليس هناك في الأفق القريب أو البعيد ما يوحي أن تغيّراً ما قد يحصل. فالمصالح المتحكّمة بمفاصل الحكم في الولايات المتّحدة لا تنظر إلّا إلى مصلحتها المباشرة وليس إلى المصلحة الوطنية الأميركية.

* كاتب وباحث اقتصادي وسياسي
* الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي