للبنان الحق في الحصول على حصته الكاملة في مياه نهر الحاصباني/ الوزاني، وهذا ما تؤكده الاتفاقيات الدولية وقواعد الاستعمال المنصف والمعقول ومتطلبات التنمية.

يضمّ حوض النهر دولاً عربية عدة، من بينها لبنان، تعاني فقراً مائياً، وتراجعاً في المساحات المزروعة، ونقصاً في الأمن الغذائي، وتصحّراً وتلوّثاً وشحّاً في تمويل قطاعات الإنتاج. يفرض هذا الواقع العمل على تثبيت حق لبنان السيادي والسياسي والاقتصادي والإنمائي والقانوني في الموارد المائية لحوض الأردن، ويفرض أيضاً تطوير الاستفادة من نهر الحاصباني/ الوزاني، بالتكامل والتوازي مع مشروع الليطاني، لإنماء المناطق اللبنانية التي عانت من وجود الاحتلال لمُدد طويلة. بتاريخ 24 و25 تموز 2019، نظّم المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي، مؤتمراً بعنوان: «نهر الحاصباني/ الوزاني: الحاجات والحقوق في ضوء متطلبات التنمية والاتفاقيات الدوليّة»، شارك فيه عدد من الخبراء وممثلي المؤسسات والهيئات المعنيّة بالمشروع، وفاعلون في مجال التنمية المحلية. عُرضت في المؤتمر أربع وعشرون ورقة عمل ومداخلة رئيسيّة، وذلك في ثلاث جلسات عُقدت في بيروت في اليوم الأول، وطاولة مستديرة نظّمت في اليوم الثاني في بلدة الخيام. وقد ناقش المشاركون الموضوعات والقضايا المطروحة في إطار متعدد الأبعاد، يستحضر في آنٍ واحد قضايا الصراع مع العدو الإسرائيلي، والتأخر التنموي، ومشاكل البيئة والتحولات المناخية. وتطرّق المؤتمر إلى الواقع الحالي لنهر الحاصباني من النواحي الطبيعيّة والفنيّة والقانونيّة والإنمائيّة. كذلك عُرضت في المؤتمر المطامع الإسرائيلية في نهر الأردن الذي تنبع روافده من كل من لبنان وسوريا والأردن، وأُجيب عن أهم الأسئلة المتعلقة بالإجراءات العاجلة التي ينبغي اتخاذها، مع التركيز على مقاربة حاجات لبنان من المياه في منطقة الحوض، التي تفوق كثيراً حجم الاستفادة الحالية، والمتوقع تضاعفها في السنوات المقبلة.
عبّر المشاركون عن اعتقادهم بأنّ مناقشة مسألة المياه وسياساتها العامة في المنطقة، بما فيها مياه حوض الأردن وروافده، لا بد أن تلحظ عوامل عدة أهمّها:
• العامل الطبيعي، المتمثل بشحّ المياه المتزايد في المنطقة، بحيث وصلت حصة الفرد العربي من المياه إلى 29.2 م3 سنوياً، وإلى أقل من 76.6 م3 في لبنان، وإلى نحو 7.6 م3 و8.1 م3 في الأردن وفلسطين المحتلة، مقارنةً بالمعدل العالمي البالغ 590 م3.
• العامل الجيوسياسي، الذي يخضع تقاسم المياه لموازين القوى أكثر منه للقوانين والاتفاقيات الدولية.
• العامل الاقتصادي، الذي يعبّر عن حجم الموارد المخصصة للمياه وكفاءة الاستراتيجيات والبرامج.
• العامل السياسي، الذي يكشف عن نظرة السلطات والمؤسسات والدول إلى المياه، بوصفها سلعة حيوية تُدار وفق مبادئ المصلحة العامة ومقتضيات التنمية، لا سلعة اقتصادية توزّع وفق مبادئ السوق.

لماذا حوض الحاصباني مهم جدّاً للبنان

ينبع نهر الحاصباني/ الوزاني من الأراضي اللبنانية ويخترق الحدود إلى فلسطين جنوباً، ويعدّ واحداً من أربعة روافد رئيسيّة لنهر الأردن، هي، بالإضافة إليه: نهر القاضي في شمال فلسطين (المسمى نهر الدان)، ونهر بانياس ونهر اليرموك. وبعد انضمام نهر الزرقاء وبعض الروافد الصغيرة إليه، كان نهر الأردن يدخل إلى البحر الميت بطاقة 1317 مليون م3 سنوياً، يأتي أكثر من ثلاثة أرباعها من الدول العربية الثلاث (77%)، فيما يأتي أقل من ربعها (23%) من فلسطين المحتلة، ومع ذلك يستولي العدو على نصف موارد هذا النهر وروافده.
ويجري الحاصباني في الأراضي اللبنانيّة نحو 24 كلم، أما الوزاني فيجري فيها نحو 5 كلم، ملتقياً مع الحاصباني قبل الدخول إلى فلسطين المحتلة.


تُقدّر مساحة حوض الحاصباني/ الوزاني في لبنان بنحو 529 كلم2، بحسب صور الأقمار الصناعيّة، لكنها تصل إلى 698 كلم2 إجمالاً في كل الدول المحيطة، منها نحو 170 كلم2 في فلسطين المحتلة. تُقدّر كميات المياه في الحوض كله (سطحياً وجوفياً) بنحو 476 مليون م3 سنوياً (الجدول رقم 1).
يُغطي الثلج أعلى هذا الحوض، حيث يبدو أنه ينتشر على 32% من مساحته أغلب أيام السنة، لذا فإنه يسرّب كميات ضخمة من المياه. إضافة إلى ذلك، إن 74% من مساحة حوض الحاصباني هي كارستيّة متشققة، وهذا سبب التأثير في تسرّب المياه خاصة إلى فلسطين المحتلة.
تُظهر التقديرات من داخل فلسطين المحتلة أن متوسط كميات المياه الواصلة إلى الأراضي المحتلة من الحاصباني بلغ 123 مليون م3 بين عامَي 1969–2004 (هناك تقديرات أخرى تشير إلى أنها بحدود 138 مليون م3)، إضافة إلى 114 مليون م3 من بانياس و241 مليون م3 من القاضي (17% منها تدفّق سطحي و83% تدفق عبر الأحواض). ولا يقلّ مجموع الانسيابات من الخزانات الجوفية المشتركة خارج الحوض والمتصلة بفلسطين عن 194.9 مليون م3 في أربعة قطاعات حدودية كما بينّت الدراسات الهيدرولوجية، وهذا فضلاً عن المتساقطات التي تنساب من لبنان إلى فلسطين لتغذي نهر القاضي (الدان) بعشرات ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنوياً.
تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في حوض الحاصياني نحو 22 ألف هكتار، وتحتاج إلى أكثر من 150 مليون م3 سنوياً من مياه الري


حوض الحاصباني مهم جداً للبنان، ولا سيما أنه يشمل محافظتين وثلاثة أقضية وستين بلدة، يقيم فيها نحو 80 ألف نسمة، ويتوقع أن ترتفع أعدادهم في المستقبل إلى 200 ألف نسمة إذا ما ازدهرت المنطقة. وقد بينّت الدراسات المقدمة للمؤتمر أن مساحة الأراضي الصالحة من حيث المبدأ للزراعة في منطقة الحوض هي نحو 22 ألف هكتار، ما يعني وجود حاجة إلى أكثر من 150 مليون م3 سنوياً من مياه الري.


نصيب غير عادل من المياه

لم تعط مخططات توزيع نهر الأردن وروافده لبنان أدنى حقوقه، ومنها «مشروع كوتون» الذي خصص له 35 مليون م3 فقط في مقابل 132 مليون م3 لسورية، و 720 مليون م3 للأردن، و394 مليون م3 لفلسطين المحتلة. واتفق المشاركون على أن حصة لبنان المذكورة ومقدار استفادته من مياه الحوض تقلّ كثيراً عن نصيبه العادل، وخصوصاً إذا أخذنا بالاعتبار المياه الجوفية وكميات الثلج والمتساقطات التي تغذي المخزون المائي للحوض ومياهه السطحية.


يعزّز هذا الرأي وجود اتفاقيات حاكمة لتقاسم المياه بين لبنان وفلسطين، من بينها:
‌أ- الاتفاقيّة البريطانيّة - الفرنسيّة لعام 1920، التي تنصّ مادتها الثامنة على الآتي:
«سيقوم معاً خبراء تعيّنهم كل من الإدارتين السوريّة والفلسطينيّة، في مهلة ستة أشهر تلي توقيع الاتفاق الحالي، بدراسة استخدام مياه الأردن الأعلى واليرموك لغايات الري وإنتاج الطاقة الهيدروكهربائيّة، بعد سدّ حاجات الأراضي الواقعة تحت الانتداب الفرنسي».
وقّعت الاتفاقيّة بتاريخ 3/2/1922، وأُودِع الاتفاق الفرنسي – البريطاني المذكور آنفاً، في عصبة الأمم كوثيقة رسميّة دوليّة، وذلك بتاريخ 6/2/1924، وسُجِّلَت يومها تحت الرقم 565.
‌ب- اتفاقيّة حُسن الجوار لعام 1926 الخاصّة بالحدود بين لبنان وفلسطين: وتنصّ هذه الاتفاقيّة في المادة 2/3 على الآتي: «تبقى مكتسبة في الظروف الحاليّة كل الحقوق التي كرّستها النصوص والأعراف المحليّة لاستعمال مياه الأنهار والقنوات والبحيرات للريّ وتزويد السكان بالماء، وتبقى سارية المفعول حقوق القرى على ممتلكاتها القرويّة (Communaux)».
‌ج- اتفاقيّة نيويورك لعام 1997، بما هي اتفاقيّة احتياطيّة تتضمن أعرافاً في هذا المجال، وهي اتفاقيّة انضم إليها بعض الدول العربيّة كلبنان وفلسطين وسوريا. أما الأردن و«إسرائيل» والولايات المتحدة، فلم تنضم إليها، إلا أن مضمون هذه الاتفاقية، بما هو تقنين للأعراف، يُلزم جميع الدول، سواء وافقت على الاتفاقية أو لم توافق.
إذا كانت بعض بنود هذه الاتفاقيات غير قابلة للتطبيق حالياً بسبب الاحتلال الصهيوني، فإن ما يبقى من محتواها، أن للبنان الحق بالاستفادة من مياه الحاصباني/ الوزاني بقدر ما يحتاج، على أن يترك الباقي يسيل إلى الأرض الفلسطينيّة. وما يحتاجه لبنان لا يقتصر على ما كان يستخدمه عام 1920، بل ما يمكن أن يلزمه في أي وقت، سواء في مجال الخدمة المنزليّة التي تعطى الأولويّة على أي استخدام آخر، لكونها من حقوق الإنسان الأساسيّة، أو في المجالات الصناعيّة ومجال الريّ لكل الأرض الصالحة للزراعة أو القابلة للاستصلاح في حوض النهر. ذلك أن العدو استخدم كل ما أمكنه من المياه بواسطة قنوات لريّ أراضٍ خارج حوض نهر الأردن على مسافة 200 كلم من نقطة تحويلها، مستولياً على حصص الدول الأخرى بالقوة.
وما ينطبق على المياه الجارية ينطبق على المياه الجوفيّة، بمعنى أن أيّ خزّان مياه يمتد تحت أرض الدولة يمنحها حصة في مياهه، ما يعطي لبنان حصة في المياه الجوفيّة التي تغذي نهر القاضي (دان) في فلسطين وبانياس في سوريا، نظراً لكون هذه المياه الجوفيّة تمتد بين الدول الثلاث. ومع أنّ العدو يتذرع بمسألتين: أولاً، أنه لا يوافق على الاتفاقيتين المذكورتين أعلاه، وثانياً، أنه أول من استخدم فائض المياه الذي كان يجري إلى البحر الميت. إلا أن الرأي القانوني الذي ناقشه المؤتمر وتبنّاه يدحض هاتين الذريعتين، ويشدد على حقوق لبنان الكاملة، إذ لا يستطيع العدو التنكر للاتفاقيات، لأن الأمر محكوم بمبدأ توالي الدول الذي يُلزم الدولة الجديدة بموجبات الدولة القديمة. كذلك إن الاغتصاب لا يُولّد حقوقاً للمغتصب، فيبقى أن المياه التي استخدمها دون وجه حق، ملك مشترك لدول الحوض، وللجميع أن يستفيد منها.
التوصيات: التخلي عن المقاربات الحذرة

أكّد المشاركون في المؤتمر أهميّة تنفيذ المشاريع المائيّة التي توفّر الاستفادة التدريجيّة من كافة الكميات المكفولة للبنان بالقانون، وهي كميات أكبر بكثير من تلك المستخدمة في الوقت الحالي، وشدّدوا على ضرورة أن تُواكَب الأعمال في المنطقة بخطة اقتصاديّة - زراعيّة - إنمائيّة تستفيد من كل المقوّمات الطبيعيّة في المنطقة من جهة، وتأخذ بالاعتبار كل التحديات المحيطة، ولا سيما التلوث وغياب تصنيف الأراضي. وقد وجد المشاركون أن تثبيت الحقوق السيادية في المياه وغيرها لا بد أن يستفيد من التوازنات الجديدة التي أرستها المقاومة، والتي مكّنت لبنان، أكثر من أي وقت مضى، من حماية حقوقه المائية والجغرافية والحدودية وثرواته الطبيعية كافة، وهذا ما يسمح لنا بالتخلي عن المقاربات الحذرة والمترددة، تلك التي قلّصت القدرة العربية على المبادرة والفعل في معظم القضايا النزاعية مع العدو، وفسحت في المجال أمام انتهاكاته المتمادية.
واقترح المشاركون التوصيات الآتية:
أولاً: على صعيد حصة لبنان وحقوقه في مياه الحوض:
1. وجد المشاركون أنّ تحديد هذه الحصة لا بد أن ينطلق من الحاجات التي تقرّها اتفاقيات 1920 و1926 و1997، ومن مساهمة لبنان في تغذية الحوض بالمياه الجوفية والسطحية، مع الأخذ بالاعتبار تطلعات السكان ومتطلبات تنمية مناطقهم، وهذا يقتضي الأخذ بالأمور والحقائق الآتية:
أ. الحقوق الإضافية المترتبة على وجود خزان جوفي مشترك عابر للحدود اللبنانية الفلسطينية يغذي في ما يغذيه نهر القاضي (الدان) في شمال فلسطين المحتلة، وفيما يستفيد العدو من هذا الخزان في مشاريعه الزراعية والخدماتية، تقتصر استفادة لبنان منه على بضع آبار جوفية وعشرات معدودة من الهكتارات المروية.
ب. حاجات لبنان التي حالت ظروف الاحتلال الطويل للمنطقة الحدودية دون تلبيتها، ما سبّب نقصاً تراكمياً في مستويات التنمية. ووفق منظمة الفاو، تقدّر حاجات لبنان من المياه لأغراض الري وحده، التي لم يستطع أن يلبيها بسبب الاحتلال، بما لا يقلّ عن 48 - 60 مليون م3 سنوياً في منطقة الحوض. وستصل الكمية المطلوبة إلى 150 مليون م3 لتأمين احتياجات مخططات التنمية الزراعية الشاملة في المنطقة، وهذا دون احتساب الاستخدام المنزلي وحاجات القطاعات الاقتصادية الأخرى، ولا سيما السياحة والصناعة.

29.2

م3 حصّة الفرد العربي من المياه سنوياً بالمقارنة مع معدل عالمي بنحو 590 م3 تبلغ حصّة الفرد في لبنان 76.6 م3 في مقابل 7.6 م3 في الأردن و8.1 م3 في فلسطين


ج. إنجاز الدراسات التقنية والفنية والإنمائية اللازمة، والكيول الدائمة والمستمرة، من أجل أن تُحدد بدقة كميات المياه التي تنساب من لبنان إلى فلسطين، وهذا يشمل تصريف النهر السطحي، وحجم الحوض الجوفي وكميّة المياه المتسربة من أحواض القاضي (دان) وبانياس (انظر خريطة رقم: 2-)، فضلاً عن كميات مياه الثلج في مرتفعات جبل الشيخ. على أن يترافق ذلك مع دراسة التشكيل الجوراسي وتطوره شرق راشيا، وبخاصة في المناطق المنخفضة.
2. أجمع المشاركون في المؤتمر على ضرورة أن يُراعى في تثبيت حقوق لبنان المائية وتحصيلها أمور أساسية، من بينها:
‌أ- عدم إخضاع حقوق لبنان المائية لأي شكل من أشكال المساومة أو التفاوض مع العدو، وتجاهل تهديداته والتصدي لأطماعه، والذهاب حتى النهاية في استرجاع الحقوق المهدورة.
‌ب- إطلاق حملة دولية حقوقية تتمحور حول العدالة المائية، وتسلّط الضوء على انتهاكات العدو لحقوق الدول المحيطة بفلسطين، ولا سيما لبنان.
‌ج- التواصل مع الدول العربية الواقعة في نطاق حوض نهر الأردن وروافده، للاتفاق معها على سُبل تنظيم الاستفادة من مياه الحوض وتعظيمها على نحو عادل ومتكامل، وانتزاع المبادرة في هذا الشأن من يد العدو.
ثانياً: على صعيد السياسات العامة:
1. وضع استراتيجية وطنية للمياه تقوم على الاستفادة من كل الموارد المائية المتاحة في لبنان، بما في ذلك الاستخدام الأمثل والأقصى لمياه حوض الحاصباني/ الوزاني الذي تتيحه اتفاقيتا 1920 و1926، من دون التفاوض مع العدو أو انتظار موافقته، وذلك في إطار سياسة عامة تقوم على تخفيف الضغط عن المياه الداخلية في لبنان، والحصول على مياه ذات جودة عالية، بما يساهم في توازن الميزان المائي في كل لبنان على المدى الطويل.
2. تشكيل لجنة عُليا تضم الوزارات والإدارات والمؤسسات المعنية، مهمتها رسم سياسات وطنية تحفظ حقوق لبنان في مياه الحاصباني/ الوزاني، وحوض الأردن والخزانات الجوفية العابرة للحدود مع فلسطين، على أن تؤخذ بالاعتبار المقررات والتوصيات التي خلصت إليها اللجنة المكلفة دراسة «موضوع الأمن المائي وسرقة إسرائيل للمياه»، التي شُكلت بقرار من رئيس مجلس الوزراء رقم 66/2016 بتاريخ 16/4/2016.
3. مراجعة السياسة المائية وتصويب نظرتنا إلى المياه، حتى لا نذهب بعيداً في إخضاعها لمنطق السوق، وهذا ما يجب أخذه بالحسبان في تعديل قانون المياه 77/2018، مع اعتماد التعرفات المتعددة لاستخدامات المياه، بما يتناسب مع كون المياه حقاً للجميع من جهة، ويوازن بين الكلفة والحاجة من ناحية ثانية.
4. إجراء دراسات للكشف عن التشققات والكهوف الموجودة بما يسمح بتطوير الاستفادة من المياه الجوفيّة في هذا الحوض، بالاعتماد على الدراسات المتوافرة حالياً التي تحتاج إلى مراجعة لوضع الأمور في نصابها من الزاوية اللبنانيّة (علماً أن مؤسسة مياه لبنان الجنوبي أعربت عن استعدادها للقيام بكل ما يلزم لتحقيق ذلك).
5. الاستثمار المتوازي للموارد السطحية والجوفية في منطقة الحدود مع فلسطين عموماً، وفي منطقة الحوض على نحو خاص. وهذا يدعو من ناحية إلى تنفيذ المشاريع اللازمة والمخطط لها لتأمين مياه الري والشفة من المصادر السطحية، لكونها أقل كلفة بكثير من غيرها، وتشجيع المزارعين على الاستفادة منها. ويشدد من ناحية ثانية على تشجيع حفر الآبار في الحوض الأعلى في المناطق التي لا تؤثر بتصريف الوزاني، وتحديداً في المناطق الكاريستيّة حيث المياه تتجه إلى الحدود، وذلك في إطار سياسات ومعايير مرنة تسهّل الاستفادة من المياه الجوفية في المناطق المذكورة.
6. إنشاء لجنة مشتركة من المزارعين والبلديّات تُسهم في تحديد نسبة الحاجة الضرورية من المياه، وتعالج مشكلة فوضى تقاسم المياه بين المزارعين، وتراقب أوضاع النهر في مختلف جوانبه.



ثالثًا: على صعيد التنمية والخدمات:
1. وضع خطة زراعية وإنمائية تتكامل مع مشروع الليطاني للاستفادة من مياه النهر في إنماء المنطقة، وتأمين الموارد المالية اللازمة لتنفيذ المشاريع التي يتضمنها، مع إعطائها ما تستحقه من أولوية في برامج الاستثمار الوطني. وفي هذا السياق لا بد من إعداد دراسة ماليّة لمنطقة الحوض بالتوازي والتكامل مع الدراسات القانونيّة والفنيّة، من أجل تحديد مصادر التمويل اللازمة لتنفيذ الخطط والمشاريع المقترحة. مع التركيز في منطقة الحوض على الآتي:
‌أ- زيادة الدولة في المدى القريب للمساحات المزروعة من 1000 هكتار إلى 4250 هكتاراً يمكن استصلاحها فوراً، ثم إلى 23 ألف هكتار يحتاج استصلاحها إلى بعض الوقت. والاستفادة من جهود المؤسسات الخاصة والتعاونية للقيام باستثمارات إضافية، بما فيها حفر آبار ارتوازية وريّ وتطوير أراضٍ جديدة، وصولاً في المدى المتوسط والبعيد، إلى ري كامل الأراضي الصالحة للزراعة في منطقة الحوض.
‌ب- تأمين مياه الشفة والاستخدام المنزلي لما لا يقلّ عن 80 ألف مواطن على المدى القصير والمتوسط، و200 ألف مواطن على المدى البعيد في مناطق الحوض وفي القطاعات الحدودية الأربعة التي تشترك بخزاناتها الجوفية مع فلسطين والمناطق المتاخمة لها.
‌ج- وضع خطة للتنمية الشاملة لمنطقة الحوض، وهذا لا يقتصر على تعظيم الاستفادة من المياه، بل يشمل أيضاً تطوير الاتصالات والمواصلات والخدمات الأساسيّة مع إعطاء المنطقة الأولوية التي تستحقها في الخطط الوطنية في المجالات المذكورة.
2. العمل على تمكين المزارعين من تطوير منتجاتهم والتعامل مع مشكلة تصريفها وتسويقها، وهذا يحتاج إلى سياسات متكاملة تتضمن: إقامة محطة تجارب علميّة لاختبار الأصناف التي يمكن زراعتها ولإجراء التجارب والدراسات على أصناف المبيدات التي تؤثر ببعض المزروعات، فضلاً عن التجارب المتعلقة بزراعة النباتات الطبيّة، ما يرفع قيمة المنتجات، والعمل على التكامل في مجال الإنتاج الزراعي مع سوريا ومساعدة المزارعين على استيفاء المواصفات الدوليّة لتسهيل تصريف الإنتاج في الدول الأوروبيّة.
3. تكثيف عمليات الصيانة وإصلاح المضخات القديمة التي تعرّضت للاهتراء واستبدالها، وتنفيذ مشاريع كبرى ترفع استفادة لبنان من كامل حقوقه. وفي هذا السياق أشاد المشاركون بالجهود التي تبذلها مؤسسة مياه لبنان الجنوبي لرفع قدرة محطة الضخ من مياه الوزاني من 1.9 مليون م3 حالياً إلى 12 مليون م3 وخططها الأولية لإنشاء محطة ضخ بطاقة 36 مليون م3.
الخطة الشاملة لترتيب الأراضي تصنّف منطقة الحاصباني ومحيطها كمناطق زراعية


4. تنفيذ سدّ إبل السقي وتأمين التمويل اللازم له، مع ملاحظة بناء سدود صغيرة (برك جبليّة) للري تضخ بالجاذبيّة، ودراسة إمكانيّة الاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة في عمليّة إدارة المياه، وذلك بهدف خفض كلفة الكهرباء.
5. حماية الأراضي الزراعية في منطقة الحوض من الزحف العمراني، ووضع حد لمشكلة تفتيت الحيازات الذي من شأنه القضاء على إمكانية قيام اقتصاد محلي يعتمد على الزراعات المروية، علماً أنّ الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة عام 2007 كانت قد صنّفت منطقة الحاصباني ومحيطها باعتبارها مناطق ذات غالبيّة زراعيّة.
6. المساهمة في وضع حلول للتلوّث الذي بدأ يصيب مياه النهر، في ظل عدم قدرة محطات التكرير على استيعابها، ووضع حد للإفراط في استخدام الأسمدة، وتنفيذ حلول تؤمن المعالجة العلميّة لمياه الصرف الصحي وتكرير المياه الناتجة من معاصر الزيتون، بما يسمح بإعادة استخدام المياه المعالَجة في منطقة الحاصباني/ الوزاني في عمليّة ريّ الزيتون ريّاً تكميلياً وبما يؤمّن عدم هدر كميات المياه. ويمكن في هذا الصدد ربط حصة المزارع من المياه بنوعية استخدامه ومراعاته لشروط السلامة البيئية، مع العمل على عدم تكرار المشكلة المتمثلة بتوافر الأموال في بعض الأحيان لبناء محطات الصرف الصحي، دون توافر الإمكانات لإدارتها.



حوضا الليطاني والحاصباني غير متصلين، لا في السطح، ولا في الأحواض الجوفية
تفيد الدراسات الجيولوجية الموثقة بما يأتي:
• عدم وجود تداخل بين المناطق الشرقيّة والغربيّة الفاصلة بين حوضي الليطاني والحاصباني، لوجود طبقة كاتمة مانعة في باطن الأرض والسطح تجعلهما حوضين منفصلين لا يلتقيان (خريطة رقم 1).
• تسمح الطبقات الجوراسيّة المتشققة، التي تغطي ما بين 50% و74% من مساحة حوض الحاصباني، بتسرّب كميات كبيرة من المياه نحو الداخل الفلسطيني المحتل. ومع ذلك، لم يطالب لبنان يوماً بحصته من المياه الجوفية المغذّية لنهر الكادر
قاضي (الدان)، ولا من الثلج الذي يملأ هذه الأحواض. وفي المقابل، لم يتورع العدو الإسرائيلي عن سحب كميات هائلة من المياه العربيّة إلى بحيرة طبريا، التي تقدر بنحو 500 مليون م3 سنوياً من المياه النظيفة، مقارنة بمصادر المياه الأخرى التي يستفيد منها وتتسم بالملوحة العالية.
ولفت المؤتمر، على سبيل المقارنة، إلى الجهود التي بذلها الجيولوجيون السوريون، الذين أدّوا دوراً مهماً في دراسة الجزء الغربي من حوض جبل الشيخ (حرمون) وتحديد الصورة المائيّة للمنطقة، ما سمح للدولة السورية بإقامة سلسلة سدود في مناطق القنيطرة المحررة.


الأطماع الإسرائيلية
إنّ مناقشة قضايا المياه في المنطقة، والأزمات المحيطة بها، لا تكتمل دون التذكير بنيات الحركة الصهيونيّة التي خططت قبل أكثر من قرن للاستيلاء على مصادر المياه وأحواض الأنهار، ليس فقط في فلسطين وحدها، بل في الدول المجاورة، تمهيداً لإقامة دولة تستطيع أن تعيل أكبر عدد ممكن من المستوطنين، فشملت أطماعها حوض الليطاني، ومياه جبل الشيخ وغيرهما، وقد مكّنها عدوان حزيران 1967 من احتلال الجولان والاستيلاء على مياهه، ومنها مياه نهري بانياس واليرموك، وسيطرت على مياه الضفة الغربيّة السطحيّة والجوفيّة. وبهذا منعت «إسرائيل» الدول المحيطة بها من التصرف بالنسبة العظمى من مياهها، ولولا دحر الاحتلال عن جنوب لبنان لوضعت يدها أيضاً على مصادر المياه فيه، ومنعت سكانه من الاستفادة منها، وبالخصوص من إمدادات نهر الحاصباني/ الوزاني.