ما الذي تغيّر بين السبعينات واليوم؟

هناك وجه شبه يجمع بين مرحلة السبعينات واليوم ويتمثّل بالنظرة إلى القانون والحق، إلّا أن ما اختلف هو درجة احترام القانون والحق. في السابق، كانت السلطة السياسية لا تتشدّد ولا تتزمّت في حكم القانون، إنّما ضمن حدود معيّنة. لقد كان هناك «خوشبوشية» بين السياسيين والقانون. لكن بعد الحرب، باتت هناك ندرة في احترام القانون والحق، سواء كان حقّاً عاماً أو حقّاً خاصاً، لا بل بات هناك غياب كامل لحكم القانون ولاحترام الحقوق. وهذا يظهر في عمل السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية، وصولاً إلى المجتمع المدني ومؤسّسات الرقابة المدنية كالصحافة والإعلام والأحزاب السياسية وقوى المجتمع المدني.
الحقّ، وهو مرادف للمسؤولية، لم يعد همّاً لبنانياً لا على المستوى الرسمي ولا على المستوى الشعبي. وبالتالي ما كان استثناءً خجولاً قبل الحرب بات اليوم قاعدة سائدة. على سبيل المثال، في فترة ما قبل الحرب، كانت الرشوة عبارة عن «شوفة خاطر» أو «ثمن فنجان قهوة»، حتى كبار القوم كانت رشوتهم متواضعة جدّاً. فأنا لم أعرف سياسياً أثرى من العمل في الشأن العام قبل الحرب. أمّا اليوم، فالمشكلة لا تتمثّل بالطبقة السياسية فقط، إنّما بوحدة الحال القائمة بين طبقة رجال الأعمال ورجال السياسة.

لماذا تفشل قوى النظام في القيام بأي إصلاح؟ لماذا لم تنجح «ثورة من فوق» ولم تحصل «ثورة من تحت»؟
لقد كانت لدينا محاولات إصلاحية عدّة من فوق، سواء في حكومة الشباب التي تألّفت في عهد الرئيس سليمان فرنجية بين عامي 1970 و1972، وكنت فيها وزيراً للمالية. وكذلك في عام 2004، عندما وضعنا برنامجاً إصلاحياً، حين كنت وزيراً للمالية في حكومة الرئيس عمر كرامي. ولكنهما فشلتا لأن هناك قوة اقتصادية تتحكّم بالقرار السياسي في لبنان، ولا سيّما في المجال الاقتصادي والاجتماعي، وهي سمة طاغية منذ ما قبل الحرب ومستمرّة حتّى اليوم ولكن بشكل فاقع وأكثر فجوراً.
قبل الحرب كانت القوّة الاقتصادية متمثّلة بالتّجار الذين كانوا «حيتان المال» في تلك المرحلة. أذكر في 15 أيلول/سبتمبر من عام 1971 عندما أصدرت المرسوم 1943 الذي يقضي برفع الرسوم الجمركية على 545 سلعة كمالية ولها بديل منتج محلياً، إلّا أن هؤلاء نفّذوا إضراباً وأقفلوا البلد كلّه لمدّة 9 أيّام. ولم يكتفوا بالإضراب، بل ضغطوا على النواب الذين وقّعوا عريضة بثلثي أعضاء المجلس النيابي لفتح دورة استثنائية لإلغاء المرسوم، إلّا أن الرئيس صائب سلام لم يحضر، لم يتجرّأ على مواجهة الناس ولا التجّار وهرب من اتخاذ القرار. قبل أن يجتمع لاحقاً مجلس الوزراء ويلغي المرسوم، الذي صوّت معه 9 من أصل 12 وزيراً، ولم يعارض إلغاءه سوى وزير الصحّة أميل بيطار ووزير الكهرباء جعفر شرف الدين وأنا. كان يمكن للرئيس فرنجية أن يقرّر وحده في حينها لإبقاء المرسوم، إلّا أنه ترك القرار لمجلس الوزراء، فقدّمت استقالتي التي لم يقبلها الرئيس. اليوم القوّة الاقتصادية، أو «حيتان المال»، باتت ممثلة بمن بقي من السياسيين التقليديين والميليشيات ومن حقّقوا أموالهم من الصحراء، الذين يتحكّمون بالقرار السياسي على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ويغلّبون مصالحهم ويفرضونها على المجتمع اللبناني.
أيضاً كانت هناك محاولات إصلاحية من تحت، وهناك تحرّكات قائمة منذ فترة سواء بالمظاهرات أو الإضرابات، ولكنّها محدودة كون تمثيلها ضعيف فيما التغيير يحتاج إلى قوة. الإصلاح من فوق يقوم به من هو في الحكم، وحالياً من هم في الحكم لا يريدون الإصلاح وهم يمثّلون قوى الفساد. والإصلاح من تحت يقوده الشعب ونحن فعلياً شعوب ومفهوم الدولة مغيّب لدى الغالبية. باختصار لبنان عصي على الإصلاح. لأن اللبنانيين كمجموعة سياسية الأولوية عندهم هي للعائلة والطائفة والمنطقة والحزب والزعيم، ولا يكترثون للدولة. فكر الدولة غير موجود وهم ليسوا أبناء دولة.

هل يؤدّي فشل «الإصلاح من فوق»، كما حصل في مطلع السبعينات، إلى إعادة إنتاج الظروف التي كانت قائمة عشية الحرب؟
لم يشهد لبنان منذ عام 1943 وحتى عشية الحرب الأهلية (1975-1990) وضعاً اقتصادياً ومعيشياً صعباً مثل الذي نعيشه اليوم.
بين عامي 1943 و1975، كان الاقتصاد اللبناني يشكو من مشكلات عدّة، بنيوية بغالبيتها، وأبرزها طغيان قطاع الخدمات على الزراعة والصناعة، وطغيان القطاع الخارجي على الاقتصاد بمستويات عالية لا نجدها في دول أخرى، وهذا خلل بنيوي يجعل لبنان منكشفاً على الخارج بنسبة كبيرة، فضلاً عن تركّز الدخل والثروة في بيروت وبعض ضواحيها في جبل لبنان. كنا قبل اندلاع الحرب نطالب بضرورة تصحيح هذه المشكلات البنيوية.
خلقت الحرب مشكلاتها الخاصة التي أضيفت إلى المشكلات البنيوية الأساسية، وتمثّلت بنزوح الناس وبروز الاقتصاد الموازي وتفتّت الأسواق اللبنانية وهجرة اليد العاملة الماهرة. كان يفترض بالحكومة الأولى (التي ترأسها الرئيس رفيق الحريري) بعد تعديل الدستور في الطائف في عام 1989، وإجراء أول انتخابات نيابية في عام 1992، أن تعالج مشكلات ما قبل الحرب ومشكلات الحرب. إلّا أن الرئيس الحريري أتى بعقليّة «متعهّد خليجي»، فأطلق عملية الصرف غير المحدود مراهناً على الأموال التي ستأتي بمجرّد حصول «السلام مع إسرائيل». إلّا أن أيّاً من ذلك لم يحدث، لكننا استمررنا بالسياسة نفسها، وتحوّل كلّ عضو في الطبقة الحاكمة إلى «ميني» حريري.

طالما سعر الصرف مُجمّد واقتصاد البلد منكمش لا توجد إمكانية لجلب الدولارات إلّا بالهندسات المالية التي يدفع ثمنها الناس


في النتيجة، تفاقمت المشكلات التي ورثناها من فترة ما قبل الحرب وخلالها، وأضيفت إليها مشكلات جديدة تهدّد المجتمع والاقتصاد، أبرزها التفاوت الكبير في الدخل والثروة بين الأفراد والمناطق، والانكماش الاقتصادي المخيف، والتفاوت بين كلفة المعيشة والدخل، وغياب الخدمات العامّة، أمّا المشكلة الأهمّ فهي دولرة الاقتصاد التي نتجت عن ربط الليرة بالدولار وتثبيت سعر الصرف على 1507.5 ليرة، وزيادة الدَّيْن بالدولار.
على مرّ السنوات، لم نقم بأي شيء لمعالجة كل هذه المشكلات، باستثناء الهروب إلى الأمام وانتظار منفذ ما. اليوم ننتظر أموال «سيدر»، وهي فعلياً ليست إلّا عملية وضع يد على البلد من قبل المجموعة الأوروبية في مقابل بيع موجوداته، وكذلك نراهن على إيرادات الغاز الذي من الأفضل أن يبقى في البحر طالما هذه السلطة موجودة.

هل سياسة الهروب إلى الأمام ما زالت تُجدي؟ وما هي المخاطر؟
كما ذكرت سابقاً، هناك مشكلات عدّة نعاني منها، إلّا أن الخطر الأكبر يأتي من دولرة اقتصاد ينفق أكثر مما ينتج. نحن نتصرّف تماماً كما تتصرّف الولايات المتحدة، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تبيع بأقل ممّا تشتري وتنفق وتدفع وتسدّد عجزها بعملتها التي ألزمت العالم كلّه بالتعامل بها. الفارق الوحيد والجوهري بين لبنان وأميركا، هو أن هذه الأخيرة تطبع دولاراتها، أما نحن من أين نحصل على هذه الدولارات لتسديد فاتورة الإنفاق والاستيراد والدَّيْن بالعملات الأجنبية ولإعادة أموال الناس المودعة بالمصارف بالدولار؟ لا توجد لدينا مطبعة لطبع الدولارات، ولو كانت كلّ هذه النفقات بالليرة، كان بإمكاننا في أسوأ الحالات أن نطبع ليرات ونتسبّب بالتضخّم، في حين أن الحاجة إلى الدولار هي التي تدفعنا إلى المؤسّسات الدولية. وهذه أكبر جريمة ارتكبت بحق لبنان، وهي من أهم الأخطار التي يواجهها، بدليل أننا لا نخاف من شيء سوى من مؤسّسات التصنيف الدولية، وكلّما قال مسؤول كلمة عن الوضع النقدي والمالي، يتراجع عنها في اليوم التالي خوفاً من مؤسّسات التصنيف، وهذا حصل مع وزير المالية منذ أشهر ومع رئيس الجمهورية منذ أقل من شهر.

نحن لدينا اقتصاد حرّ ولكن آليتي التصحيح الخاصّتين به معطّلتان، فماذا يبقى؟ الكارثة التي نعيش فيها


هناك أمر فاقع عبّر عنه كلّ من وزير المالية ورئيس الحكومة في مداخلتيهما خلال جلسات الموازنة، وهو فقدان لبنان سلطته على قراره الاقتصادي. لبنان منذ نيله الاستقلال لم يحظَ يوماً بسلطة على قراره الخارجي وسياسته الدفاعية وتمثّل غياب هذه السلطة بالمقولة الشهيرة للمارونية السياسية «قوة لبنان في ضعفه»، إلّا أنه بقي محافظاً على سلطته على قراره الاقتصادي التي تتحكّم به القوة الاقتصادية في البلاد والتي كانت ممثّلة بالتجّار، أمّا اليوم فهو فقد هذه السلطة وفقد كلّ مقدراته المالية والاقتصادية وبتنا مرتهنين للخارج. نحن اليوم نخاف من صندوق النقد ومن التصنيف، لأن دَيْن الدولة بالدولار، وهو نتج عن سيطرة «حيتان المال» والمصارف على السلطة وتحكّمهم بالقرار الاقتصادي لتغليب مصالحهم. وهو ما وضعنا على طاولة المؤسّسات الدولية لنستدين بشروطهم. ما هو «سيدر»؟ ليس إلّا عملية لوضع اليد على البلد وإيفاء دَيْن الدولة من خلال بيع موجودات البلد.
من هنا، كلّ السياسات التقشّفية التي تقوم بها الحكومة ليست في مكانها، وحالياً الهندسات المالية ضرورية لاستقطاب الدولارات طالما لا يريدون القيام بأي شيء آخر للحصول على حاجاتنا من الدولارات وإصلاح الوضع. بمعنى آخر، طالما سعر الصرف مُجمّد واقتصاد البلد منكمش لا يوجد أي إمكانية لجلب الدولارات سوى بالهندسات المالية التي يدفع ثمنها الناس.

هل أصبحنا رهائن لسعر صرف الليرة؟
أكبر جريمة ارتكبت بحقّ اللبنانيين كانت في صيف عام 1997، عندما تمّ اتباع سياسة سعر الصرف الثابت. هذا التثبيت قاتل ولا يمكن الخروج منه من دون إجراءات إصلاحية لا يريد أحد القيام بها وإلّا سيتسبّب ذلك بكوارث اجتماعية، لذلك سنبقى رهائن لسعر الصرف طالما هذا الطقم موجود.
لا يوجد بلد في العالم اقتصاده يتراجع ونسبة النموّ فيه تنخفض والبطالة ترتفع والمؤسّسات تقفل وميزان مدفوعاته سلبي فيما سعر الصرف ثابت. نحن لا نتبع سياسة تثبيت سعر الصرف بل نحن جمّدنا سعر الصرف منذ نهاية عام 1997 وحتى اليوم على سعر 1507.5. ففي تلك الفترة، كانت هناك مجموعة من الأفراد أقرضت الدولة بالليرة بفائدة وصلت إلى 40% ولم يكن من مصلحتها أن يتغيّر سعر الصرف، لتتمكّن من التحويل إلى الدولار من دون أي مخاطر.

الإصلاح من فوق يقوم به من هو في الحكم، وحالياً من هم في الحكم يمثّلون قوى الفساد، أمّا الإصلاح من تحت فيقوده الشعب ونحن فعلياً شعوب يغيب عنها مفهوم الدولة


في أي نظام اقتصادي حرّ، هناك آليات تصحيح أوتوماتيكية. لبنان اقتصاده حرّ، وهو يعاني من عجز في ميزان المدفوعات بمعنى أنه يشتري من الخارج أكثر مما يبيعه. وهو ما يسبّب طلباً على الدولار على حساب الليرة، في هذه الحالة وفي آليات الاقتصاد الحرّ، ترتفع قيمة العملة الأجنبية مقابل العملة المحلّية ويحصل التصحيح. نحن عطّلنا هذه الآلية عندما جمّدنا سعر الصرف. لكن هناك آلية أخرى للتصحيح وهي سعر الفائدة. إذا كان هناك عجز تجاه الخارج، نرفع سعر الفائدة لنستقطب الودائع، لكن إذا كان الاقتصاد في وضع انكماشي، كما هو الآن يجب خفض سعر الفائدة، لكن لو حصل ذلك لن نتمكّن من استقطاب الودائع، عندها يجب فلت سعر الصرف أي العودة إلى الآلية الأولى، وهي آلية معطّلة كما ذكرنا. إذاً نحن لدينا اقتصاد حرّ ولكن آليتي التصحيح الخاصّتين به معطّلتان. ماذا يبقى؟ الكارثة التي نعيش فيها. وهذا هو الغباء بذاته.



الودائع مأممة لدى مصرف لبنان
يقول وزير المال السابق الياس سابا إنه لا يمكن للمصارف أن تنهار، لسبب بسيط وهو أنه لم يعد هناك مصارف بل مصرف مركزي تعمل لديه كلّ هذه المصارف. في عام 1991 صدر قانون لتنقية القطاع المصرفي على أن تستمرّ مفاعيله لمدة خمس سنوات فقط، وخلال هذه الفترة قام المصرف المركزي ببيع المصارف التي تعاني من أوضاع صعبة لمصارف وضعها أفضل مع إعطاء هذه الأخيرة سندات خزينة بفوائد مجزية. المفارقة أن العمل بهذا القانون لا يزال قائماً حتى اليوم، بحيث لم ينهَر أي مصرف، باستثناء «بنك المدينة» الذي لم يخسر مودعوه ليرة واحدة من ودائعهم ودفعها المصرف المركزي كلّها. في لبنان لا يمكن لأي مصرف أن يخسر أو ينهار كون المصرف المركزي يضمن الجميع، وبالتالي إمّا أن تنهار كلّها أو لا ينهار أحد، ذلك لأن الودائع مأممة لدى مصرف لبنان ويمنحه فوائد عالية عليها، ونحن، أي الشعب، ندفع ثمن لصوصية وزعرنات كل مصرف. يصبح السؤال في هذه الحالة، إلى متى يستطيع المصرف المركزي أن يضمن كل المصارف؟ الإحصاءات المعلنة من المصرف المركزي تبيّن وجود 34 مليار دولار في احتياطاته، علماً أن هذا الرقم ليس الصافي. وبالتالي في حال فكّر الناس بطلب ودائعهم أو في حال نضبت هذه الموجودات يحصل الانهيار، وعندها سيكون الوضع مأساوياً على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، لأننا لا نقوم بأي عمل لتصحيح الوضع. كل ما نفعله هو تأجيل الانهيار بشكل مستمرّ من دون تصحيح الاختلالات الموجودة.


نبذة
يعدّ الياس سابا من «الإصلاحيين» الذين لعبوا أدواراً سياسية بارزة منذ السبعينات في القرن الماضي. تولّى حقيبة وزارة المال مرّتين، الأولى في «حكومة الشباب» برئاسة صائب سلام في أول عهد الرئيس سليمان فرنجية قبل الحرب (1970-1972)، التي حاولت القيام بثورة من فوق وفشلت، والثانية في حكومة عمر كرامي (2004-2005) التي انتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري ودخول البلد في أزمة مستفحلة حتى الآن.
في التجربتين، حاول سابا القيام ببعض الإصلاحات، ففي تجربة السبعينات طرح رزمة إصلاحات ضريبية وحمائية للصناعة، إلّا أنها ألغيت كلّها تحت ضغط التجّار وإضرابهم. وفي التجربة الثانية طرح مجموعة إصلاحات مالية لتوحيد حسابات الدولة وإصلاحات اجتماعية لوضع نظام تقاعد وحماية اجتماعية، إلّا أن هذه التجربة انتهت إلى الفشل كما سابقتها.