تتصدّر الأزمة المالية في لبنان غيرها من المشكلات، بوصفها الأزمة الأكبر في تاريخه والمُهدّدة بالانفجار. في هذا الإطار، كثرت التقارير المحلّية والدولية والتصريحات التي تحذّر من الوضع الراهن، وتقول بأننا وصلنا إلى شفير انهيار ما. برأيك، أين نحن اليوم؟ وهل وصلنا فعلاً إلى شفير الانهيار؟

يوجد إجماع محلّي وخارجي، وعلى مستويات عالية، بأننا دخلنا في دوّامة أزمة فعلية، والخروج منها ينطوي على تحدٍ كبير. هناك عوامل عدّة تؤثّر في هذه الأزمة، ترتبط باستقرار المنطقة الذي لا يشجّع على أي استثمار، وكذلك بمواجهة المسؤولين السياسيين صعوبات كبرى في اتخاذ أي قرار. فكيف الأمر باتخاذ قرارات صعبة لمواجهة أزمة داهمة؟ نحن نعيش في أزمة خطيرة، قد تكون تداعيات انفجارها كبيرة، لكنّنا لم نصل الى الانهيار بعد. وقد يكون الانهيار قريباً أو نسير بسرعة أكبر نحوه، لكنني لا أظن ذلك، إذ لا تزال الفرص متاحة لمنع حدوث هذا الانهيار الذي لا يريده أحد.

ماذا نعني بالانهيار؟ وما هو الشكل الذي قد يأخذه؟
يتمثّل الانهيار بتوقّف الدولة اللبنانية عن تسديد خدمة ديونها ودفع نفقاتها في حال لم تتمكّن من تمويل عجز الميزانية. ما يعني أن أي انهيار لن يأتي إلّا كنتيجة لتراجع قدرة الدولة على الاستدانة، أو تراجع قدرة الدائنين على إقراضها. هذا الأمر لا يزال مُستبعداً لليوم، لأن انهيار الدولة لا يصبّ في مصلحة أحد، ولا سيّما القطاع المصرفي الذي يُعدّ الدائن الأول للدولة اللبنانية، باعتبار أن عدم قدرتها على الاستدانة يعني توقّفها عن تسديد التزاماتها، ويعني أيضاً خسارة القطاع المصرفي للأموال الموظّفة لديه. هناك ترابط بين الدولة والقطاع المصرفي.

هل القصّة هي بهذه السهولة، بمعنى هل الترابط بين أصحاب رأس المال والقطاع المصرفي والدولة يدعو الى الارتياح فعلاً؟ ألا توجد كلفة مترتبة عن كلّ هذا السياق أو تداعيات ناجمة عنه؟
الدولة اللبنانية هي كجسم مريض. على مدار سنوات طويلة، راكمت مديونية عالية تفوق قدرة الناتج المحلّي على تحمّلها، ويُعبَّر عن ذلك بنسبة الدَّيْن العام إلى الناتج المحلّي التي تتخطّى الـ155%. هذه المديونية وخدمتها تزداد سنوياً، وفي الوقت نفسه تعاني الدولة من عجز مستمرّ في تخفيض نفقاتها وزيادة إيراداتها.
من المعروف أن كلّ دول العالم تستدين لتمويل ميزانيتها، لكن في لبنان وصلت نسبة الدَّيْن العام إلى الناتج المحلّي إلى أكثر من 155%، وهي من الأهمّ في العالم، ولن تكون الأسواق على استعداد لتمويلها في هذه الحال، كما حصل في دولة اليونان التي انهارت. لكن لبنان يموّل عجزه من الداخل، أي من السوق اللبنانية التي كان لديها الإمكانيات المالية، ولكن يمكن لهذه الإمكانيات أن تنضب ولا تعود كافية، وخصوصاً في حال استمرار عجز الميزانية بهذا الحجم.
أمام هذا الوضع، يصبح الهدف الرئيس شفاء المريض من مرضه، وتصبح كلّ الأهداف الأخرى تحوم حول هذا الهدف. لأن في واقعنا الراهن، المريض، أي الدولة، هو أكبر لاعب اقتصادي ويشغّل الجزء الأكبر من اليد العاملة المحلّية، وترتبط به كلّ القطاعات الاقتصادية الأخرى، ولا سيّما القطاع المصرفي، وبالتالي إن لم يشفَ المريض من مرضه، فلا يمكن القيام بأي شي آخر.
طبعاً، المسألة ليست سهلة. يتطلّب الشفاء القيام بأمرين متساويين: أوّلاً، سيطرة الدولة على نفقاتها ومداخيلها، وهو ما يفترض مراقبة العجز السنوي وتخفيف خدمة الدَّيْن العام وخفض عجز الكهرباء ومعالجة كلّ مكوّنات الهدر والإسراف في النفقات وإعادة النظر بالبنود الضريبية. وثانياً، تخفيف نسبة ديونها وهو ما يعني زيادة النموّ لخفض نسبة الدَّيْن من الناتج المحلّي، إلّا أن ذلك يتطلّب وقتاً، وهو مرتبط بالأوضاع الأمنية في المنطقة بوصفها عاملاً أساسياً لجذب الاستثمارات، ويرتبط أيضاً بتوافر الثقة بالدولة وإرادتها على معالجة مرضها وإدارة أزمتها. وهو أمر غير مُتاح راهناً، أولاً لأننا نعيش في بركان في المنطقة لا ندري متى الخروج منه، وثانياً لأن معدّلات الفائدة المحلّية وصلت إلى مستويات عالية تقتل الاقتصاد وتحول دون تحقيق أي نموّ، علماً بأن هذه المعدّلات العالية، ولو ضرورية في وضعنا الراهن، تسهم في استقطاب الرساميل وتمويل الدولة. هذا الواقع يجعلنا ندور في حلقة مُفرغة، قد يكون الخروج منها مُمكناً عبر تأمين مداخيل استثنائية من خلال بيع موجودات للدولة أو موارد مُتاحة لتخفيض الدَّيْن كالغاز على سبيل المثال.

هل العيش في هذه الدوّامة أمر حتمي ومستدام؟ ألا يمكن الخروج منها؟ وما الذي يتطلّبه ذلك؟
لا شكّ أن كلفة منع الانهيار مرتفعة جدّاً، سواء على الاقتصاد أو المجتمع، وهو ما يتمثّل بوصول أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة جدّاً لاستقطاب الرساميل. إلّا أن الانهيار أيضاً مكلفٌ، ومكلفٌ جدّاً، ويمكن أن يؤدّي إلى انقسام لبنان.
في الواقع، تسير الدولة اللبنانية في المسار الذي يقودها إلى حافة الهاوية منذ زمن طويل، وفي طريقها تجرّ الاقتصاد معها. إلّا أننا اليوم على مسافة أقرب من هذه الحافة ونسير بسرعة أكبر باتجاهها بدليل ارتفاع معدّلات الفائدة وزيادة العجز.
في حال استمرار الوضع على حاله سنصل إلى الانهيار الذي قد يتمثّل، ربّما، بحالة من الفوضى قد يصعب التحكّم بها، بحيث تستمرّ حدّتها بالتصاعد. ونظرياً، يفصلنا عن هذا الانهيار نحو سنتين إلى ثلاث سنوات، ذلك إذ استندنا إلى قيمة الموجودات لدى مصرف لبنان والمصارف لتمويل الدولة.

الخروج من الأزمة مُمكن عبر تأمين مداخيل استثنائية من خلال بيع الغاز


لكن في الواقع، هناك إشارات عدّة صدرت عن المجتمع الدولي تبيّن دعمه للبنان للحؤول دون انهياره، الإشارة الأولى تمثّلت بالمساعدات التي قدّمتها الأجهزة الأمنية الأجنبية للجيش والأجهزة اللبنانية لمنع دخول داعش إلى الأراضي اللبنانية إبّان الحرب السورية وعرسال مثال على ذلك، والإشارة الثانية كانت بقبول الولايات المتّحدة بتنفيذ العقوبات على حزب الله بطريقة مُحدّدة وهادفة وبالتنسيق الوثيق مع المصرف المركزي للحؤول دون التأثير على النظام ككلّ، وقد تبعها إشارة ثالثة تمثّلت بالضغوط الدولية التي مورست على اللاعبين المؤثّرين في السياسة اللبنانية لانتخاب رئيس للجمهورية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الفراغ، أمّا الإشارة الرابعة فكانت بتدخّل الأميركيين والفرنسيين إبّان أزمة الرئيس الحريري في السعودية، والإشارة الأخيرة يعبّر عنها مؤتمر «سيدر» واستعداد المجتمع الدولي لتمويل مشاريع بقيمة 11.5 مليار دولار، وهي حاجة قصوى للبنان.
لقد أكسبنا المجتمع الدولي الكثير من الوقت لمواجهة الزلزال العظيم التي تعيشه المنطقة، لكن في الوقت الجديد المُتاح لنا، يجب التركيز على شفاء المريض والخروج من هذا الوضع بأسرع ما يمكن، عبر إدارة الأزمة واتخاذ القرارات المناسبة والصعبة.

ما هي هذه القرارات الصعبة؟
إن تراكم الدَّيْن وسياسة الفوائد العالية هما سمتان طبعتا النموذج اللبناني منذ زمن طويل، وناجمتان عن السياسة التي تدير البلاد. لقد اقتربنا من استحقاقات حاسمة. لا شكّ أن كلفة عدم الانهيار كبيرة وسيتحمّلها اللبنانيون جميعاً، إلّا أن كلفة الانهيار أكبر بكثير. وبالتالي هناك ضرورة للقيام بإجراءات جذرية تصيب الهيكلية القائمة.
الحكم هو فنّ بذاته، إلّا أنه أصعب في أوقات الأزمات، لأنه يتطلّب معرفة واسعة بكيفية تحديد الأولويات وتنفيذها تباعاً، وهناك مجموعة من الأولويات التي يفترض العمل عليها. خفض عجز الكهرباء أحدها وكذلك خفض معدّلات الفائدة. إلّا أن ذلك يتطلّب حكمة وفنّاً ومصارحة للرأي العام. فعند إدارة الأزمات الكبرى، يجب تحديد الأولويات بحيث لا يتمّ الخلط بين التدابير الأساسية وتلك الثانوية. على سبيل المثال، لدى حدوث حريق في الطبقة الأولى من أحد المباني، يجب أن تكون الأولوية لإخماد الحريق وإنقاذ المبنى وسكّانه وليس لمناقشة سبب الحريق أو كيفية إعادة بناء مبنى جديد، أو اجتماع لجنة وطلب الاجتماع مع المتعهّدين لتحضير دفتر الشروط، لأنه في حينها يكون المبنى قد احترق بكامله وانهار على سكّانه. وتماماً لا يمكن الحديث عن خفض العجز في الكهرباء فيما يتمّ التلهّي بتركيب العدّادات. كذلك لا يمكن خفض معدّلات الفائدة قبل القيام بإجراءات أخرى.
العملية معقّدة وتحتاج إلى من يقول أنا أتحمّل هذه المسؤولية. وفي لبنان، الأولوية هي في معالجة الأزمة السياسية، لأنه في غياب حلّ هذه الأزمة لا يمكن اتخاذ أي قرار.



«باغيرا» المصرفي
موريس صحناوي، هو أحد أبناء الأسر البورجوازية التقليدية، ممّن واكبوا مسار تطوّر الاقتصاد اللبناني منذ عام 1967، عندما تخرّج في جامعة القديس يوسف وبدأ نشاطه الاقتصادي الخاصّ في مجال التصنيع الغذائي. إلّا أن اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975 أسفر عن إقفال مصنعه، فانتقل للعمل المصرفي مع أسرته، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة ــــ المدير العام لـ«بنك سوسيته جنرال لبنان» بين عامي 1982 و2005، ليغادر بعد ذلك إثر خلافات داخل الأسرة ومع الشركاء الفرنسيين. تولّى حقيبة وزارة الطاقة والمياه بين عامي 2004 و2005 في حكومة الرئيس الراحل عمر كرامي في عهد رئيس الجمهورية إميل لحود. وفي عام 2008، دخل في شراكة مع المصرفيين عدنان وعادل القصّار لتملّك «البنك اللبناني للتجارة»، وشغل منصب رئيس مجلس الإدارة ــــ المدير العام فيه حتّى عام 2018، ليغادر مجدّداً منصبه ولكن إلى قبرص هذه المرّة، حيث تملّك حصّة في «بنك أسترو» وتولّى منصب نائب رئيس مجلس الإدارة فيه حتّى الآن. لا تقتصر شهرة موريس صحناوي في المجال المصرفي، فهو عُرف أيضاً في سباقات السيّارات تحت اسم مستعار هو «باغيرا»، إذ لمع نجمه بين عامي 1985 و2000 من دون أن يكون معروفاً أنه هو نفسه المصرفي المشهور أيضاً.