تصلنا هذا الأسبوع أولى التقارير حول أرباح الشركات للفصل الثاني من العام 2019. ولكن يبدو أنها ستظهر أول تراجع متتالي في إجمالي الأرباح منذ الركود المصغّر في العام 2016. ومن المتوقّع للشركات المدرجة على مؤشر S&P 500 أن تسجّل انخفاضاً في متوسّط الأرباح بنسبة 2.8% في الفصل الثاني، وفقاً لمنصّة البيانات FactSet، إثر تراجع بنسبة 0.3% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

الجزء الأكبر من الأرباح سجّلته الشركات التكنولوجية العملاقة، التي تعرف اختصاراً بـFAANGS والمتمثّلة بفايسبوك وأمازون وآبل ونتفليكس وغوغل، ولكن هذا يخفي حقيقة وضع غالبية الشركات الأميركية. فالشركات التي تراوح قيمتها السوقية بين 300 مليون دولار وتريليوني دولار ستشهد انخفاضاً في الأرباح بنسبة 12% في هذا الوقت من السنة، بعد انخفاض بنسبة 17% في الفصل الأول من العام 2019. وبالتالي فإن الشركات الصغيرة إلى المتوسّطة ستعاني انخفاضاً حادّاً في الأرباح.

بالأرقام

16%
نسبة الانخفاض المتوقّعة في أرباح شركات المواد الخام الأميركية التي ستتراجع إيراداتها أيضاً بنسبة 14.9%

11.9%
نسبة الانخفاض المتوقّعة في أرباح قطاع التكنولوجيا الأميركي و11% نسبة الانخفاض المتوقّعة في إيراداته

83%
من الاكتتابات العامة جاءت إلى السوق بأرباح سلبية وهي نسبة أعلى من تلك التي شهدناها في ذروة فقّاعة التكنولوجي


حتّى بالنسبة إلى الشركات الأكبر، لا تبدو الأرباح جيّدة كما يتم تصويرها. فأرباح الأسهم عزّزتها إعادة شراء الشركات الكبيرة لأسهمها (الأرباح نفسها ولكن مع عدد أقل من الأسهم المتوافرة). ومن المتوقّع أن يسهم صافي عمليات إعادة شراء الأسهم بنسبة 2.1% في نمو ربحية السهم في الفصل الثاني، وفقاً لمحلّلين في بنك الائتمان السويسري Credit Suisse. فالشركات الأميركية استعادت العام الماضي أكثر من تريليون دولار من أسهمها، وهو رقم قياسي، مدفوع بالإجراءات الضريبية التي اتخذها ترامب.
ويكمن السبب وراء هذا الانخفاض في الأرباح في ارتفاع تكاليف الأجور، حيث يُجبر التوظيف الكامل الشركات على السماح بزيادة الأجور للمحافظة على العمّال الماهرين ــ والأمر مختلف مع العمّال الأقل مهارة خارج قطاع التكنولوجيا. كما أن تكاليف المساهمات الأخرى غير العمالة (الطاقة، المواد الخام ، إلخ) آخذة في الارتفاع. لذلك تتراجع هوامش الربح (الأرباح لكل وحدة إنتاج). ويتوقّع المحللون أن تعلن الشركات غير المالية عن هوامش ربح صافية قدرها 10.8% في الفصل الثاني، في انخفاض عن 11.5% في الفصل قبل عام، وفقاً لأرقام محلّلي «بنك أوف أميركا». ويضيف هؤلاء «نحن نسلّط الضوء على المخاطر التي تتعرّض لها الهوامش بسبب ارتفاع تكاليف مدخلات الشركات التي ليس لديها قوة تسعير، وكذلك للشركات والقطاعات التي تتطلّب عمالة كثيفة وسط ارتفاع الأجور، ونتوقّع أن تتقلّص الهوامش الصافية السنوية إلى 11.2% في العام 2019 من 11.7% في العام 2018».
وتعني قوة الدولار الأميركي أيضاً أن شركات التصدير الأميركية تواجه صعوبة أكبر في المحافظة على نموّ المبيعات. ومن المتوقّع أن تعلن شركات مؤشر S&P 500 عن زيادة بنسبة 3.7% في إيراداتها، وهو ما سيشكّل أضعف نموّ منذ الفصل الثالث من العام 2016.

رأس المال الأميركي في ورطة؟
من المتوقّع أن تواجه شركات المواد الخام، القطاع الأكثر حساسية تجاه الصين وتداعيات الحرب التجارية الجارية بين واشنطن وبيجينغ، الوقت الأصعب في الفصل الثاني. ومن المتوقّع أن تكون «دوبونت» DuPont و«فريبورت ماكموران» Freeport-McMoRan أكبر المساهمين في تراجع أرباح القطاع، وفقاً لـ«فاكت ست». ومن المتوقّع أن يسجّل القطاع انخفاضاً في الأرباح بنسبة 16% على أساس سنوي وتراجعاً في الإيرادات بنسبة 14.9%.
والأهم من ذلك، إنّ قطاع التكنولوجيا سيشهد انخفاضاً بنسبة 11.9% في الأرباح وانخفاضاً بنسبة 1.1% في الإيرادات. وهذا أمر مهمّ، لأن هذا القطاع هو الذي دفع نموّ الأرباح في الشركات الأميركية طيلة فترة الكساد الكبير. فإذا أظهرت FAANGS أيضاً انخفاضاً في الأرباح، فهذا يعني أن رأس المال الأميركي في ورطة.
وكما أشار جيمس مونتييه، الاقتصادي ما بعد الكينزي لدى «جي إم أو» (GMO Grantham Mayo Van Otterloo) لإدارة الأموال، فإن نموّ الأرباح الحقيقية في قطاع الشركات أدنى من معدّل نموّ الناتج المحلّي الإجمالي حتى بعد الدفعة الكبيرة التي قدّمتها الهندسة المالية من إعادة شراء الأسهم. ووفقاً لمونتييه، حين تنقّب في السوق ستجد أن نسبة 25 ـ 30% من الشركات تتكبّد خسائر.






برأي مونتييه، «تشهد الولايات المتحدة ولادة «الاقتصاد المزدوج» ـ حيث نمو الإنتاجية معقول في بعض القطاعات وغائب تماماً في قطاعات أخرى. وحتى في القطاعات التي تشهد نمواً جيّداً في الإنتاجية، فإن الأجور الحقيقية متخلفة (حيث يتمّ قمع الأجور). وكل هذا النموّ في التوظيف الذي نشهده يأتي من قطاعات الإنتاجية المنخفضة. كما أنّ المكاسب الضئيلة في الدخل التي يتمّ تحقيقها ستصل جميعها إلى 10%. وهذا ليس ما يجب أن يكون عليه الاقتصاد المزدهر».

شركات «زومبي»
يمكن القول إن الاقتصاد الأميركي مقسّم إلى قطاعات ذات نموّ إنتاجي معقول وأخرى لا تحقّق نموّاً للإنتاجية على الإطلاق. والمحرّك المنفرد الأكبر للإنتاجية هو الصناعة، ويسجّل قطاع المعلومات وتجارة الجملة أداءً جيّداً. أمّا على الجانب الأقل إنتاجية، فهناك قطاع النقل والسكن والتعليم والرعاية الصحّية. أمّا في المجموعة المتأخّرة، فيسير غياب النموّ في الإنتاجية جنباً إلى جنب مع انعدام نموّ الأجور الحقيقية.
ولكن انعدام الربحية التاريخي هذا لم يمنع المستثمرين من السعي وراء المزيد من الفرص الخاسرة. ووفقاً لمونتييه، إن نحو 83% من الاكتتابات العامّة (إصدارات الأسهم الجديدة) هذا العام جاءت إلى السوق بأرباح سلبية. ويؤكّد أن «هذه نسبة أعلى حتى من تلك التي شهدناها في ذروة فقّاعة التكنولوجيا!».
وبالتالي، فإن سوق الأسهم يتّجه صعوداً نحو المزيد من المستويات القياسية، حيث يتمّ تعويمه بتوقّع المزيد من الأموال من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بكلفة ضئيلة أو قريبة من الصفر. ولكن وراء كل هذا، فإن الحقيقة هي أن أرباح العديد من الشركات الأميركية تتناقص، وأكثر من ربعها يتكبّد خسائر. في الواقع هذه الشركات هي الآن كالأموات الأحياء (زومبي).
يتكرّر السيناريو نفسه في أوروبا واليابان. فإذا أصبح انهيار الأرباح حقيقة واقعة واستمر خلال العام الحالي، فسوف يتبعه انخفاض حادّ في الاستثمار، وفي نهاية المطاف في العمالة والإنفاق، وذلك على الرغم من طفرة سوق الأوراق المالية ــ وبالتالي نحن متجهون نحو ركود اقتصادي جديد.

* Michael Robert's blog
* ترجمة: لمياء الساحلي