أوروبا تشيخ. فمع حلول 2060، يُتوقّع أن يكون أكثر من ربع سكان الاتحاد الأوروبي فوق الـ65 عاماً. وتتسارع الشيخوخة مع تقاعد جيل الطفرة واستمرار متوسّط العمر المأمول في الارتفاع.

وفيما يحتفل معظمنا بأن الناس يعيشون حياة أطول وأكثر صحة، يشعر الديمغرافيون والمسؤولون الماليون بالقلق من الاتجاهات الحالية التي تعني أنّ المزيد منّا يمكن أن يعيشوا تقاعدهم في الفقر. فالمشكلة هي أننا لا ندّخر ما يكفي إذ بحسب شركة التأمين «أفيفا» يحتاج الأوروبيون إلى ادّخار تريليوني دولار إضافية سنوياً لردم الهوة في معاشات التقاعد، أي الفرق بين ما يحتاج الناس إلى ادخاره لتأمين تقاعد مناسب وما يدّخرونه فعلياً.
ومع استمرار اعتماد معظم الناس على معاشات الدولة لتغطية نفقاتهم بعد التقاعد، سيترك السكان المسنّون عواقب وخيمة على الأوضاع المالية للدول الأعضاء. فمع إحالة دافعي الضرائب العاملين إلى التقاعد سيبدأون بأعداد متزايدة بالمطالبة بمعاشات الشيخوخة. وبالتالي، هناك حاجة إلى اتّخاذ إجراءات لضمان أن يكون التقاعد المناسب، مقبول التكلفة ومتاحاً للجميع.
ولكن بالطبع ثمة طريقة صحيحة وأخرى غير صحيحة للقيام بذلك. ففي الوقت الحالي تتجه السياسة المفضلة إلى تقليص معدل اعتماد الناس على معاشات التقاعد من خلال جعلهم يعملون لوقت أطول و/أو التخفيف من سخاء معاشات التقاعد.
ولكن هذا الأمر يواجه مقاومة. ففي كرواتيا مثلاً، نجحت النقابات العمالية في حشد الدعم الشعبي للمطالبة بإجراء استفتاء على خطط الحكومة لرفع سن التقاعد من 65 إلى 67 وتقليص المبلغ الذي يحصل عليه المتقاعدون. ومن المتوقع أن يبلغ العدد النهائي للموقعين على العريضة 700 ألف، أي حوالى 20% من السكان، وهو رقم يفوق كثيراً سقف الـ373 ألف المطلوب لإجراء الاستفتاء. ونجحت النقابات أيضاً من خلال جمع التواقيع في إقناع البرلمان بتثبيت سن التقاعد عند 64 عاماً.
لماذا تسعى بعض الحكومات بشدّة نحو رفع سن التقاعد؟ ولماذا تواجه بالرفض؟

ناشطون سياسياً
قلّة من الناس يحبون عملهم إلى درجة لا يرغبون في التخلّي عنه. ولكن معظم الناس يتطلّعون إلى اليوم الذي يرتاحون فيه، لذلك يستاؤون من سعي الحكومات إلى تأخير هذا اليوم. وهذا الأمر يمثّل مشكلة للإصلاحيين. وتشير العديد من الدراسات إلى أنّ كبار السن ينشطون سياسياً ويصوتون بأعداد أكبر من الشباب. والتوجّهات لجعل الناس يعملون لفترة أطول غذّت الاستياء والغضب وأحياناً العنف ـ من اليونان في سنوات التقشف التي أعقبت الأزمة المالية إلى اضطرابات السترات الصفر في فرنسا. لذلك ليس من المفاجئ أن يتعامل السياسيون مع مسألة سنّ التقاعد المتأخر بخوف وحذر.
ولكن المصالح الاقتصادية لدافعي الضرائب والعاملين الأكبر سناً ليست هي وحدها على المحك. فهناك أيضاً الاعتبارات الأخلاقية والإنصاف. أولاً، قد يكون العاملون الذين يقتربون من التقاعد وضعوا خططاً مالية وشخصية بناءً على التاريخ المتوقع للتقاعد. ويمكن أن يؤدّي تغيير هذا التاريخ إلى إفساد هذه الخطط للأشخاص الذين قد لا يكون لديهم سوى وقت محدود لإجراء تعديلات. كما أنّ التمييز على أساس السن على نطاق واسع في سوق العمل قد يجعل من غير الواقعي بالنسبة إلى الكثير من الناس البقاء في العمل لفترة أطول. فإلى حين معالجة ذلك، قد تعني الحياة العملية الطويلة ببساطة قضاء وقت أطول في الفقر، لأن إعانات البطالة تكون عادة أقل سخاءً من معاشات التقاعد.

يحتاج الأوروبيون إلى ادخار تريليوني دولار إضافية سنوياً لردم الهوة في معاشات التقاعد، أي الفرق بين ما يحتاج الناس إلى ادخاره لتأمين تقاعد مناسب وما يدّخرونه فعلياً.


ثانياً، إن الفئات الأدنى على السلّم الاجتماعي لديها مأمول حياة أدنى، لذلك فهي تتوقع فترة تقاعد أقصر وهذه الفئات قد لا تكون ادّخرت لتغطية نفقات الخروج من العمل. وبالتالي فإن جعل أفراد هذه الفئات ينتظرون أكثر قبل الحصول على معاشات تقاعدية من الدولة لن يكون أمراً عادلاً، لأنه قد تكون لديهم سنوات أقل للاستمتاع بها.
لذلك يميل الإصلاحيون إلى مقاربة مسألة إصلاح معاشات التقاعد بأكثر طريقة مملة وباردة ممكنة. فيدخلون التغييرات ببطء إلى أمور مثل سن التقاعد بشكل يجعلها تحصل في فترة لاحقة جداً وبشكل يشعر معظم الناس أنها لن تطالهم مباشرة وأنها بعيدة إلى درجة تجعلهم لا يأبهون.
تعتمد معظم دول الاتحاد الأوروبي الـ15، الـ65 عاماً سنّاً للتقاعد. ولكن كلّاً من الدنمارك وفرنسا وألمانيا وإسبانيا ستتحوّل من 65 إلى 67 عاماً، بينما يبلغ الهدف المخطط له في المملكة المتحدة وإيرلندا 68 عاماً. ومن المقرر أن تدخل معظم هذه التغييرات حيّز التنفيذ بعد عام 2020. أما في الدول الأحدث انضماماً إلى الاتحاد، فإنّ سن التقاعد أقل بشكل عام ولكن من المتوقع أن ترفع معظم هذه الدول السن إلى المستوى نفسه خلال العقد المقبل. كما أن العديد من الدول أيضاً لديها خطط للتقاعد المبكر تسمح بخروج العامل من القوى العاملة قبل بلوغ سن التقاعد ـ وفي بعض الحالات من دون خصومات على المعاش التقاعدي إذا كانت فترة التأمين طويلة بما فيه الكفاية.

متوسط العمر المأمول
في كرواتيا، استندت النقابات في حملتها المعارضة لرفع سن التقاعد على الحجّة بأن الحكومة تحاول فرض سن تقاعدية على الكراوتيين على النمط الأوروبي الغربي، حيث متوسط العمر المأمول أعلى من المعدّل العام. ولكن في كرواتيا، يعاني المواطنون أكثر من الأمراض ويعملون في ظروف عمل أصعب ومستوى التكنولوجيا لديهم متدنٍّ. لذلك حين طرحت الحكومة رفع السن التقاعدية، اختار الكرواتيون مقاومة خطوة إصلاحية اعتبروا أنها ذهبت بعيداً وبسرعة كبيرة.
من كل ما سبق، يمكن استخراج درس للإصلاحيين: يتوقع المواطنون أن تُدار ماليتهم العامة بحذر. ولكن لا يجب تجاهل المسائل المرتبطة بالإنصاف والمتعلقة باختلاف مستويات الدخل ومتوسط العمر المأمول للشرائح السكانية المتأثرة. لذلك فإن المبدأ التوجيهي الذي يجب أن يحرّك الإصلاحيين هو: سرعة أقل وعدالة أكثر.

* SocialEurope
* ترجمة: لمياء الساحلي

ستيف كولتر هو مسؤول التواصل في معهد الاتحاد الأوروبي للنقابات وزميل زائر في المعهد الأوروبي لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.