يتكلّم صندوق النقد الدولي، عادة، مستخدماً معجماً معروفاً من التعابير والوصفات فيصوغها بأشكال ديبلوماسية لا تحول، لمن يعرف كيفية عمله، دون فهم المقصود منها. طالما اختلفنا على سياسات هذه المؤسّسة وبينّا انحيازها إلى نظام الهيمنة العالمي ودورها في إخضاع الشعوب لرغبات الحلقة المالية في رأس المال العالمي. لكن ذلك كلّه لا يلغي أن العاملين في الصندوق ليسوا جهلة. والجهل أسوأ من خصومة الأخصام، وهو مستفحل في بلادنا.

من هنا يكتسب تقرير بعثة الموظّفين الأخير عن لبنان أهمّيته. واللافت أنه أتى مختلفاً عن النمط المألوف في تقارير الصندوق. تجدر الإشارة إلى أن التقرير النهائي السابق لم ينشر، على الأرجح لأن الحكومة اللبنانية طلبت عدم نشره، فالتقرير النهائي يصدر بعد مناقشته في مجلس إدارة الصندوق، حيث تتمثّل الدول، بحسب مراتبها طبعاً. وقد يكون بين الدول من يرغب في أن نصل إلى الهاوية ليسهل ابتزازنا وفق صفقات القرن. وقد لا ينشر التقرير النهائي هذه المرة أيضاً، وربّما تتضاعف الضغوط السياسية على بعثات الصندوق أكثر.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

ما يقوله التقرير أننا لم نعد في مرحلة الارتياب، بل أصبحنا في قلب الأزمة. فالمشكلة في لبنان ليست في عجز المالية العامّة فقط، بل هي أعمق من ذلك كثير. إنها أزمة عجز في ميزان مدفوعات، ناتجة من انخفاض التدفّقات المالية من الخارج، تلك التدفقات التي أدّت إلى توليد النمط الاقتصادي بمساوئه الاجتماعية والسياسية، والتي سمحت باستمراره ومفاقمة مضاره. وهذا ما استتبع انخفاض موجودات مصرف لبنان والمصارف، الفعلية، أي الصافية، من العملات الأجنبية. ومن هنا يركّز التقرير على أن التصحيح المالي يجب أن يتعامل مع العجز تجاه الخارج، فيحذّر من الارتفاع الكبير في سعر الصرف الفعلي الحقيقي، ما يعني ضرورة التهيؤ لانخفاض الأسعار الداخلية قياساً على أسعار الخارج، علماً بأن هذا الخفض في قيم الموجودات يحصل إمّا من خلال انهيار سعر الصرف، وإمّا، في حال الإبقاء على سعر الصرف ثابتاً، وهو أمر مستبعد، من خلال انكماش الطلب. وهو ما يؤدّي، في الحالتين، إلى سلب الناس مداخيلهم ومدّخراتهم عشوائياً، مع ما قد يتبع ذلك من تفليسات في مجمل الحسابات الدائنة والمدينة، وإن بأشكال مختلفة، أخذاً بالاعتبار لحجم مديونية الأسر والمؤسّسات والمصارف والدولة، وخصوصاً بالعملات الأجنبية، وبشكل متزايد، لدائنين أجانب.
ومن هذا المنطلق يطرح «صندوق النقد الدولي» ملاحظات رئيسية في بيانه، تندرج تحت عنوان واحد: تحضّروا لإدارة «التفليسة»! 
يأتي هذا الطرح عبر ثلاث رسائل:

رسالة إلى مصرف لبنان
الرسالة إلى مصرف لبنان تتعلّق بحساباته وحسابات المصارف التي باتت مُدمجة في حساباته، وكلتا فئتي الحسابات باتت بحالة مزرية. هذه الرسالة، للمرّة الأولى، أتت بوضوح شديد. فهو يدعو المركزي إلى وقف هندساته المالية، محذّراً من مقولة الاكتتاب بسندات الـ1% المُدرجة في مشروع الموازنة، لأنه سيؤدّي، في حال اكتتب بها مصرف لبنان، إلى زيادة الخلل في حساباته وإلى تحميل البلاد خسائر إضافية وإن اجتهد المركزي في إخفائها، وفي حال اكتتبت بها المصارف، إلى ضرب قدرتها على استقطاب ودائع جديدة، وإنّما أيضاً على استبقاء الودائع الموجودة، إلّا إذا واكبها المركزي بهندسات مالية جديدة، أين منها هندسات سنة 2016، فيكون الأمر أسوأ.
عملياً، يدعو الصندوق مصرف لبنان إلى البدء باتخاذ الإجراءات اللازمة لتحصين مناعة القطاع المالي وتقوية ميزانياته، لأن المخاطر ارتفعت بشكل كبير، كنتيجة لتحويل ثقل الدَّيْن الحكومي من المصارف إلى مصرف لبنان بنيّة إخفائه، ولسياسة الفوائد العالية التي يمنحها للمصارف لقاء الدولارات التي تضعها لديه، ولأن 69% من موجودات المصارف، أي، في المقابل، من ودائع الناس، باتت معرّضة للمالية العامّة: 14% دَيْناً على الدولة، و55% ديوناً على مصرف لبنان. ما يعني أن تخلّف الدولة عن السداد أو انخفاض قيمة الدَّيْن العام أو تعثّر البنك المركزي ستؤدّي إلى خسارة المودعين لمدّخراتهم بعد خسارة المصارف لكلّ رساميلها.
تخلّف الدولة عن السداد أو انخفاض قيمة الدَّيْن العام أو تعثّر البنك المركزي ستؤدّي إلى خسارة المودعين لمدّخراتهم بعد خسارة المصارف لكلّ رساميلها


وللمفارقة، إن هذه الرسالة أتت قبل ساعات من إصدار مصرف لبنان تعميمه الأخير الذي يطلب فيه من المصارف استقطاب الدولارات من الخارج بفائدة 14.33% ووضعها لديه، في مقابل السماح لها بتسجيل الأرباح الناتجة من هذه العمليات فوراً في حساباتها وقبل تحقيقها لنفخ رساميلها، من دون السماح لها بتوزيع الأرباح، لكي تتمكّن المصارف من تشكيل مؤونات دفترية لتغطية أي خسائر مُحتملة من الدَّين العام، وهو ما يعني أنّ مخاطر التخلّف عن السداد ارتفعت إلى حدّ دفع المركزي إلى إصدار التعميم المذكور الذي يسمح بنفخ ميزانيّات المصارف والإيحاء بأنها تملك الرساميل الكافية لاستقطاب ودائع، إلّا أنها رساميل وهمية ودفترية.

رسالة إلى السلطة الحاكمة
ينبّه صندوق النقد الدولي السلطة الحاكمة إلى عدم جدوى التهليل لما تسمّيه «موازنة سنة 2019»، والتلهّي بإنجازات وهميّة في معرضها، ويدعوها، على طريقته، إلى الكفّ عن الضحك على الناس. لكنّه لم يدعُها إلى وقف عمليّات قتلهم وبثّ الخوف والعصبيات بينهم، على الأرجح لأن تقريره سبق أفعالها في هذا المجال.
فهو يقول إن نسبة العجز المُعلنة من قِبَل الحكومة في مشروع الموازنة (7.59% نسبة إلى الناتج) أضحوكة، أوّلاً لكون «الموازنة» لا تتضمّن نفقات أساسية مترتبة على الدولة، مثل مستحقّات المستشفيات والضمان الاجتماعي وغيرها. وحتى من دون ذلك، يقول إن نسبة العجز لن تكون، في أحسن تقدير، أقل من 9.75% من الناتج المحلّي. ويدعو من يرغب في السعي إلى تثبيت حجم الدَّيْن العام إلى الناتج، مغفلاً أساس المشكلة، إلى إجراءات مالية تسمح بتحقيق الفوائض الأولية التي يتطلّبها ذلك، من خلال زيادة الضريبة على القيمة المضافة، وفرض ضريبة على المحروقات وإزالة دعم الكهرباء وتخفيض العاملين في القطاع العام. لكنّه يعرف، وإن لم يعترف بذلك أن تحقيق هذه الغاية «في ظل سياسة التثبيت النقدي» بعيدة المنال، ويدرك أن مخاطرها الاجتماعية والسياسية بالغة. ويعتبر أن الجدوى من الاستدانة الإضافية والإنفاق تحت عنوان «سيدر»، في حال حصولهما، تتركّز في تلطيف عبء هذه الإجراءات القاسية جزئياً على اللبنانيين وعلى السوريين المقيمين في لبنان.

رسالة إلى المسؤولين، إن وُجدوا
إنّما الرسالة الأهمّ والأخطر التي يوجّهها الصندوق، تتعلّق ببدء تحضير الأرضية اللازمة لإدارة «التفليسة»، وذلك من خلال حماية الودائع الصغيرة عبر رفع سقف قيمة هذه الحماية إلى أكثر مما هو مُحدّد بالقانون اللبناني (5 ملايين ليرة)، وعبر تحصين الموجودات التي تجعل هذه الحماية فعليّة. ويدعو كذلك إلى تحديد تراتبية الدَّائنين (على المصارف والمصرف المركزي) وفقاً لأنظمة إدارة تفليسات المصارف، بمعنى تحديد من هم المودعون (أفراد ومؤسّسات وصناديق تعاضد...)، الذين يجدر إعطاؤهم الأولوية على غيرهم في توزيع ما يبقى من أموال عند حصول الإفلاس. ويدعو أيضاً المصرف المركزي ولجنة الرقابة على المصارف إلى تحديد المؤسّسات النظامية التي تتولّى وظائف حيوية (اقتصادياً واجتماعياً) والتي يجب توفير الحماية لها في حالة الإفلاس (خدمات صحّية واجتماعية ومؤسّسات قادرة على توفير العمل والتصدير) كي توضع الوسائل الكفيلة بتأمين هذه الحماية.
هذه الرسالة تعني دعوة صريحة لتحضير الأرضية اللازمة لإدارة «التفليسة»، وهذا ما حذّرت من الوصول إليه حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» منذ تسعة أشهر، عندما قالت بضرورة القيام بتوزيع عادل وهادف للخسائر المتحقّقة من باب تحمّل المسؤولية، وهي خسائر لا ينفع التشاطر وهدر الوقت والقليل الباقي من المقدرات إلّا في تكبيرها، كما حصل منذ ذلك الحين، فخسر البلد 9 مليارات دولار.
السؤال الأساس: هل بين المُمسكين بالسلطة من يدرك المسؤولية؟
موقفنا أن العجز يكمن أصلاً في فقدان أهليّة السلطة الحاكمة، معرفة وجرأة وشعوراً بالمسؤولية.
ملاحظة توضيحية لمن يتساءل، عن جهل أو عن خبث، كيف حصل أن تلاقى تقرير موظّفي صندوق النقد مع مقولات حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»، أقلّه في التشخيص: ليس هناك أي عضو من حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» ضمن فريق «صندوق النقد الدولي»، فلعلّ «صندوق النقد الدولي» قد تكشّف كونه منظّمة يسارية خشبيّة.
عن السلطة الحاكمة وعن صندوق النقد، وبمرارة، نكرّر القول إن الجهل والتآمر، متى التقيا، أسوأ من خصومة الأخصام.

* أمين عام حركة «مواطنون ومواطنات في دولة»