«في طريق تشيلي نحو الاشتراكية، تقضي مهمّتنا أن نبحث ونضع موضع التنفيذ، نموذجاً جديداً للدولة، للاقتصاد وللمجتمع، يدور حول احتياجات الإنسان وطموحاته»
سلفادور ألليندي، الخطاب الأوّل أمام البرلمان بعد تنصيبه رئيساً



صدرت في العام الماضي عن دوريّة التنمية الاقتصادية ورقة بعنوان: «الصدمات المؤسّساتية والنتائج الاقتصادية: انتخاب ألليندي، انقلاب بينوشيه، وبورصة سانتياغو»، أعدّها الباحثان دانيال جيراردي وسامويل بوولز. ولعلّ مصادفة الذكرى 111 لميلاد سلفادور ألليندي في الأسبوع الماضي (ولد في 26 حزيران/ يونيو 1908، وتوفي في 11 أيلول/ سبتمبر 1973) هي فرصة مؤاتية لمراجعة هذه الورقة والإطلالة من خلالها على التجربة القصيرة، إنّما ذات الأهمية العالية، التي بدأت عام 1970 بالوصول الديموقراطي لألليندي إلى سدّة الرئاسة في تشيلي، كصاحب مشروع اشتراكي، وانتهت عام 1973 بانقلاب أوغستو بينوشيه المدعوم من الولايات المتّحدة الأميركية في سيناريو تكرّر في تجارب عدّة في أميركا اللاتينية والعالم.

آريس - كوبا

تتناول هذه الورقة أثر هذين الحدثين (انتخاب ألليندي وانقلاب بينوشيه) على أسعار سوق أسهم العاصمة سانتياغو، كحالة لدراسة أثر «التغيير المؤسّساتي» على الاقتصاد. وتلفت الورقة إلى أن كُلّا من الحدثين لم يكن متوقعاً، خصوصاً في أوساط أثرياء تشيلي، وهذا أمر يساعد على دراسة أثرهما إلى حدّ كبير. فنتائج الانتخابات التشيلية عام 1970 تدلّ على التقارب بين ثلاثة مرشّحين. فقد حصل ألليندي على أعلى نسبة (36.61%) بفارق 1.34% فقط عن ثاني المنافسين، وقد استفاد من أصوات مرشّح الديموقراطيين المسيحيين التي صبّت لصالحه في معركته ضدّ مرشح اليمين خورخي أليساندري في البرلمان التشيلي، الذي كان عليه أن يفصل في النتيجة بعد فشل أي مرشّح بنيل الغالبية الشعبية المطلقة. وكذلك لم يكن انقلاب بينوشيه متوقّعاً في أيلول/ سبتمبر 1973 خصوصاً بعد محاولة انقلاب فاشلة في بداية العام نفسه.
إثر هذين الحدثين، شهدت بورصة سانتياغو تقلّبات جذرية، وهذا يشكّل حقل دراسة خصب لفهم أسباب هذا التغيير وآليّات تحقّقه. ففي أوّل يوم عمل بعد انتخاب ألليندي رئيساً شهدت بورصة سانتياغو أكبر انخفاض مُسجّل فيها لأسعار الأسهم بمقدار 22%. أمّا الأهم واللافت، كان الارتفاع الأعظم تاريخياً، الذي شهدته أسعار البورصة بمقدار 80%، في أوّل يوم عمل بعد انقلاب أوغستو بينوشيه المدعوم أميركياً وإنهائه عهد ألليندي. تدفع هذه المقارنة إلى إعادة النظر بالبداهة لدينا (common sense)، والتي قد تتوقّع «نكسة» في البورصة إثر وصول ماركسي إلى سدّة الحكم، على الرغم من وصوله عبر تداول ديموقراطي وروتيني للسلطة في تشيلي، ولكنّها ستستبعد الازدهار المهول في أسعار الأسهم عقب انقلاب دمويّ أسّس لحكم عسكري في البلاد. ما يدلّ على عمقٍ أكبر للقصّة سرعان ما يتكشّف طابعه الطبقي.

نقد السرديات
يعرض الباحثون في الورقة سرديات عدّة محتملة لشرح ما حدث بعيد انتخاب ألليندي. أوّلاً، إن وصول رئيس يحمل مشروعاً اشتراكياً، ينطوي من وجهة نظر أثرياء تشيلي ورأسمالييها، على نيّة وآليات لإعادة تدوير وتوزيع الثروة في المجتمع، بشكل أساسي، من خلال رفع الأجور وحصّتها من القيمة المُنتجة. وبما أن حصّتَي الأجور ورأس المال تتأرجحان عمودياً على عصا القيمة قبالة بعضهما، فإن ارتفاع الأولى يؤدّي حُكماً إلى انخفاض الثانية، وبالتالي يؤثّر سلباً على التداول والاستثمار بسبب انخفاض العائد على رأس المال. إلّا أن الورقة تستبعد هذا التفسير لغياب تفارق كبير بين القطاعات الاقتصادية في تأثّرها بانخفاض أسعار أسهمها. ما يقصده الباحثون، أنه لو كان توقّع ارتفاع الأجور هو السبب فعلياً، لكان يجب أن نلاحظ أن القطاعات الاقتصادية كثيفة العمالة (أي تلك التي تعتمد على اليد العاملة أكثر من رأس المال كالآلات وغيرها) تتأثّر بشكل أكبر من سواها، وهو ما لا يُلاحظ في الحالة قيد الدرس.
تقضي السردية الثانية، أنه بالنسبة إلى المستثمرين، هناك علاقة خطيّة تربط بين الحكم الاشتراكي وأداء سيئ للاقتصاد، بسبب عدم كفاءة الإدارة الاشتراكية للاقتصاد أو بسبب المواجهة التي ستلقاها الدولة من الرأسماليين أو القوى الخارجية. ويستبعد الباحثون هذه السردية أيضاً، بسبب الاتّساق المُلاحظ بين القطاعات في تأثّر أسعار أسهمها من دون تمايز بين كونها موجّهة للسوق المحلّية أو السوق الخارجية. كذلك تذكر الورقة أن انخفاضاً أكبر في أسعار عدد غير بسيط من الأسهم بُعَيد وصول ألليندي لم يقابله ارتفاعٌ أكبر في أسعارها إثر انقلاب بينوشيه. وهذا يدلّ على أن النتائج لا تُفسَّر فقط بـ«المحسوبية» و«الواسطة» التي تحظى بها شركات معيّنة لدى بينوشيه أو الإمبريالية. بل إن الأمر أعمق من هذا التفسير وشامل أكثر في طبقيّته.
وتؤكّد السرديّة الثالثة على ذلك، وهي التي يعتمدها الباحثون بشكل أساسي، وتفيد أن السبب الرئيس لتقلّبات سوق الأسهم كان فعلياً في التوقّعات ذات الصلة بوضعية حقوق الملكية الخاصّة (والمقصود بها ملكيّة وسائل الإنتاج). فقد كانت الجبهة الشعبية (Unidad Popluar) التي أوصلت ألليندي إلى الرئاسة تجاهر بمشروعها لتأميم وسائل الإنتاج والشركات الكبيرة. وبحلول عام 1973 كانت حكومة ألليندي قد قامت بتأميم جزء كبير من القطاع غير الزراعي وشركات مسؤولة عن أكثر من ثلثي الإنتاج في قطاعات المناجم والخدمات والنقل والاتصالات والقطاع المالي. وقبيل الانقلاب كان 39% من الإنتاج غير الزراعي يُنتج في شركات وقطاعات كان قد جرى تأميمها.

ابتكار «الإنترنت» ووأده
تفرض ملكيّة وسائل الإنتاج قانون القيمة خاصّتها، وهذا القانون، بالنسبة لأي مجتمع، أشبه بـ«المحرّك الأول» الأرسطي. ولذلك كان لتغيير الملكيّة نتائج عديدة، يجدر دوماً التذكير بواحدة منها قد لا تكون أهمّها، فعندما يتمّ الانتقال من اقتصاد السوق و«الملحميّة» التي تميّز عملية الإنتاج فيه، حيث الانتظام فيه نظرياً مستمد من التطهير المستمرّ الذي تمارسه «اليد الخفية» للعرض والطلب بحقّ شركات ورأسماليين، إلى اقتصاد مخطّط بمدير واحد هو الدولة تُقرَّر فيه الأهداف مسبقاً، فإن ذلك بلا شكّ يتطلّب إبداعاً في التكتيك.
لقد أدّى التخطيط في الاتحاد السوفياتي لأن يبتكر ليونايد كانتوروفيتش الأسس الرياضية للوصول للقرارات الأكثر كفاءة؛ أي أفضل نتيجة ممكنة مع احترام شروط معيّنة (Linear Optimization)، أي ببساطة مثلاً الجواب على سؤال أين يمكن أن تقضي يوم الأحد، آخذاً في الاعتبار ميزانيتك ووقتك وذوقك. أمّا في تشيلي في مطلع السبعينيات فقد أدّى التخطيط لأن يتمّ ابتكار الإنترنت بشكله الأولي.
بحلول عام 1973 كانت حكومة ألليندي قد قامت بتأميم جزء كبير من القطاع غير الزراعي وشركات مسؤولة عن أكثر من ثلثي الإنتاج في قطاعات المناجم والخدمات والنقل والاتصالات والقطاع المالي. وقبيل الانقلاب كان 39% من الإنتاج غير الزراعي يُنتج في شركات وقطاعات كان قد جرى تأميمها


للسبب نفسه الذي من أجله ابتكر العالم البريطاني تِيم بيرنرز لي الإنترنت أو الويب، فيما كان يعمل في المعهد الأوروبي للأبحاث النووية (CERN) عام 1989، أي من أجل مشاركة المعلومات والبيانات مع زملائه، أطلقت تشيلي عام 1971 تحت حكم ألليندي مشروع سايبرسين (Project Cybersyn). وقد تطلّب التخطيط في تشيلي ربط المصانع والمنشآت والمرافق العامّة بغرف عمليات تستقبل البيانات وتردّ بالقرارات المناسبة فوراً. وتمّ ذلك عبر وصل أجهزة تلكس وتبادل نحو ألفي رسالة يومياً تنظّم اقتصاد البلاد المتمدِّدة طولياً على شاطئ المحيط الهادئ الذي كان يصعب التواصل فيها حينذاك.

ليس مجرّد «تغيير مؤسّساتي»
لم تكن ذروة انقلاب بينوشيه في قتل ألليندي بل في الهجوم الشامل لثورته المضادة. فمع سيطرة بينوشيه عادت الخصخصة المطلقة، وكنتيجة لذلك مثلاً توقّف العمل بمشروع سايبرسين إنترنت-تشيلي، فلا حاجة له بعد الآن! ومن هنا تعبّر أرقام ارتفاع أسعار أسهم البورصة المهولة عن انتصار الهجمة المرتدة للثورة المضادّة وإعادة عقرب التاريخ إلى الوراء. فارتفاع أسعار الأسهم وزيادة الاستثمار بالأصول يعبّر ويؤدّي إلى تعرّض الطبقة العاملة والأكثريّة لهجوم على صعيدين: أوّلاً، المزيد من مراكمة الثروة بيد القلّة المستفيدة من هذا الارتفاع ما يؤدّي إلى ارتفاع في حدّة اللامساواة في الدخل والثروة. ومشكلة اللامساواة ليست أخلاقية فحسب، بل لها تبعاتها الوخيمة على الاقتصاد. ثانياً، ارتفاع الاستثمار بالأصول المتأتّي من ارتفاع العائد عليها يؤدّي أيضاً إلى تقهقر الاستثمار بالإنتاج الذي يتطلّب العمل (وربّما كان هذا أُسّ الأزمة في لبنان!). وهذا يدفع إلى تشغيل أقلّ للقوّة العاملة أي بطالة أكثر، وانخفاض في حصّة الأجور ما يُضعف الطبقة العاملة في صراعها مع رأس المال. وهو أمر نراه جلياً في تشيلي التي انتقلت من مشروع إلى نقيضه.
لذلك يمكن القول إن وصول ألليندي إلى الحكم ديموقراطياً، وغيره من الاشتراكيين حول العالم، لم يكن مجرّد «تغيير مؤسّساتي»، بل محاولة جرى اختبار صدقيتها في فترة قصيرة جدّاً في الانتصار للطبقة العاملة، عبر وقف نزيف القيمة المنتجة إلى الخارج، والتأسيس لعلاقات إنتاج أكثر تقدّماً، والشروع بالتطوير الضروري للقوى المنتجة.



«اجعلوا الاقتصاد يصرخ»
لا يمكن الحديث عن تشيلي، كما الكثير من التجارب حول العالم، من دون التطرّق إلى التدخّل الأميركي المباشر كقائد للثورة المُضادة. الوثائق التي نُشرت لاحقاً ونقرأها الآن في أرشيف وكالة الأمن القومي الأميركية أو على موقع الـCIA تعرض حجم وكيفية التدخّل الذي سبق حتى انتخاب ألليندي كاحتراز منه. ولهذه الغاية، عُقد اجتماع رباعي قبل أسابيع من الانتخابات التي أوصلت ألليندي إلى الحكم، في المكتب البيضاوي وحضره نيكسون وكيسنجر. وأثيرت فيما بعد أخبار تفيد أن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون توجّه للـCIA بالقول «اجعلوا الاقتصاد يصرخ». كذلك توجّه السفير الأميركي في تشيلي إلى الرئيس السابق إدواردو فراي بالقول: «لن يصل إلى تشيلي تحت حكم ألليندي أي حبّة جوز أو برغيّ، سنبذل ما بوسعنا لوضع تشيلي والتشيليين في أقصى درجات الحرمان والفقر». كانت هذه الأقوال. أمّا الأفعال الأميركية فنجحت في 11 أيلول/ سبتمبر 1973 في الإطاحة بحكم ألليندي.