طلب لبنان عقد مؤتمر «سيدر» (باريس 4) للحصول على تمويل خارجي لاقتصاده. أُلزِم بتطبيق الشروط التي تطبّقها دول الإتحاد الأوروبي لجهة التقشّف. ودلّت الاجتماعات الوزارية لمناقشة موازنة 2019 (ثمّ إقرارها في جلسة 27 أيار 2019 بعد خفض العجز من 11.5% إلى 7.5% من الناتج المحلّي الاجمالي) على مسارٍ جديد سيتّخذه الإنفاق العام على نحو دائم وسنوي. وهو مسار لا يبشّر بخير لمستقبل لبنان وبقاء أهله فيه.

لا يَعِد برنامج التقشّف الحكومي اللبنانيين إلّا بالمزيد من التقشّف والمزيد من بؤس الحال على مدى السنوات المقبلة. لكن ثمّة بديل في ميدان الإنفاق العام يقع على طرف نقيض من برنامج الحكومة، ينبغي التداول به والتعبئة على أساسه من أجل أن يبقى لبنان ويبقى أهله فيه.
أدّت «برامج التقشّف» الثلاثة التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان منذ 2010 إلى انخفاض الناتج المحلّي الإجمالي في هذا البلد بنسبة 25% بين 2010 و2015. وانخفضت الأجور بنسبة 40%، وهي نسبة انخفاض الإنفاق في قطاعي التعليم والصحّة أيضاً.

أنجل بوليغان - المكسيك

وزاد معدّل البطالة حتى 25% من القوى العاملة. وارتفعت نسبة المديونية الحكومية إلى الناتج من 110% إلى 175% بين عامي 2008 و2017 (سيكاريسيا و آخرون، 2018: 299). وفي حالة دولة متوسّطية أخرى، اشترط صندوق النقد الدولي «تعويم عملة» البلد المَعنِي، أي خفض سعر صرفها للحصول على قروض منه. وقد خُفِّض سعر صرف هذه العملة بأكثر من 100%. وكان الباحثون في البلد المَعنِي قد حذّروا من أنه لن يترتّب عن هذا الخفض رفع للقدرة على التصدير، كما تقول النظرية، وذلك بسبب ضعف مرونة الصادرات. وبيّنوا أنه إذا حصل تحسّن في الميزان الجاري، فسينجم عن الانكماش الاقتصادي الذي يسبِّبه ارتفاع أسعار الواردات. وأدّى خفض سعر العملة في المحصّلة إلى انهيار القدرة الشرائية للمداخيل الوطنية بنسبة 60%. وارتفعت نسبة من هم تحت خطّ الفقر في هذا البلد إلى 45% من السكّان.
ضغطت المؤسّسات الدولية في خريف 2018 لخفض سعر صرف الليرة اللبنانية كوسيلة لخفض الإنفاق المحلّي وخفض عجز ميزان المدفوعات. ولما تعذّر ذلك، وجدت في خفض الإنفاق العام شرطاً بديلاً وضعته مقابل الاستجابة لطلب الحكومة اللبنانية الحصول على المساعدات الدولية المُقرّة في مؤتمر «سيدر».
هل يُبرّر الحصول على مساعدات دولية تحويل غالبية المواطنين، سواء بخفض سعر صرف العملة أو بخفض المرتّبات والتقديمات والأجور، إلى شحّاذين؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى الأساس، أي الأساس النظري الذي قامت عليه وصفات التقشّف والوصفات ضدّها.

الإنفاق العام في النظرية الاقتصادية
ليس المقصود بالنظرية ما يقوله النيو-كلاسيكيون وحدهم، وتعكسه وصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هناك ما تقوله النظرية الكينزية والتيّار الما-بعد كينزي الذي يمثّلها، وتعارض بشدّة هذه الوصفات.
النيو-كلاسيكيون: يُدرّس أساتذة الاقتصاد في الجامعات نماذج الاقتصاد الكلّي النيو-كلاسيكية الأربعة، التي تأخذ بالاعتبار دور الطلب الإجمالي في تحديد معدّل النمو وحجم الناتج الوطني. الأكثر حضوراً كعمل تأسيسي هو نموذج (IS-LM)، الذي اعتُبر خلاصة نيو-كلاسيكية - كينزية. وعبّر عن إعطاء شرعية لدور سياسة الإنفاق العام والسياسة النقدية بعد الحرب العالمية الثانية. وقبل هذا النموذج لم يكن النيو-كلاسيكيون يعترفون بأي دور للإنفاق العام في رفع مستوى الناتج المحلّي، وذلك لأنهم في الأساس ضد تدخّل الدولة في الاقتصاد. وقد استُلهِم هذا النموذج في السياسات الاقتصادية التي اعتُمدت خلال الثلاثين المُظفّرة (1945-1975).
أمّا نموذج العرض والطلب الإجماليّين (AS-AD) الذي جرت بلورته خلال سبعينيات القرن الماضي، فقد أعطى هو الآخر شرعية للإنفاق العام والسياسة النقدية. لكنّه انطوى في الوقت عينه على التخلّي عن الطلب الإجمالي كمُحدّد للنمو وحجم الناتج. وعكس انتقال الاهتمام إلى عناصر الكلفة التي تعوق عرض السلع والخدمات كالأجور وأسعار المحروقات.
يكتسب الإنفاق العام الاستثماري أهمّية خصوصاً حين يتلكّأ المستثمرون من القطاع الخاصّ عن الاستثمار المُنتج


المقصود من استعادة هذين النموذجين النيو-كلاسيكيين، إظهار رفضهما الضمني للإنفاق العام كمحرّك للنمو. يرفض الأول الإنفاق العام لأنه يرفع بالنسبة إليه سعر الفائدة، الأمر الذي يؤدّي إلى طرد الاستثمار الخاص (crowding out). أي إنه إنفاق يحصل على حساب هذا الأخير (دورنبوش وفيشر، 1990: 150-157).
أمّا الثاني، فيرفض الإنفاق العام، لأن له مفعول طرد الاستثمار الخاص نفسه، ولكن من خلال تسبّبه برفع الأسعار الذي يخفّض القيمة الحقيقية للعرض النقدي ويرفع سعر الفائدة (دورنبوش وفيشر، 1990: 237-241).
وقد عكست نماذج السبعينيات ضيق النيو-كلاسيكيين بالإنفاق العام. ولا تقترح النظرية النقدية الدولية النيو-كلاسيكية، التي تعالج المؤثّرات على النموّ ضمن اقتصاد مفتوح، سوى وسيلتين لتحريك الاقتصاد هما: خفض سعر صرف العملة الذي يحفّز الصادرات، والسياسة النقدية التي تقوم على تحريك سعر الفائدة. تُسقط هذه النظرية من حسابها أية إشارة إلى الإنفاق العام كمُحدّد للنموّ والناتج (فيدال، 1999).
الكينزيون: على نقيض موقف النيو-كلاسيكيين من الإنفاق العام، احتلّ هذا الأخير موقعاً أساسياً في فكر كينز وفي الممارسة بعد الحرب العالمية الثانية. هناك 6 مكوّنات للطلب الذي يعول عليه الكينزيون لرفع مستوى النموّ وتحقيق الاستخدام الكامل للقوى العاملة، هذه المكوّنات هي: الاستثمار والاستهلاك والإنفاق العام والتقدّم التقني وتوزيع المداخيل بين المنتجين كأصحاب مشاريع وعاملين بالأجر من جهة، وبين أصحاب الريوع المالية الذين تتكوّن مداخيلهم من الفوائد على ودائعهم من جهة ثانية (داغر، 2017).
وكان مفكّرو المدرسة الكلاسيكية كآدم سميث وديفيد ريكاردو وجان-باتيست ساي من أنصار توازن الموازنة العامّة ومن المعارضين لحصول تفاوت بين إيرادات الحكومة وإنفاقها. وورث النيو-كلاسيكيون الفكرة نفسها التي أصبحت عندهم بمنزلة العقيدة (سيكاريسيا و آخرون، 2018: 288).
ويُرجع المتتبعون لتطوّر فكر كينز قطيعته النهائية مع الأفكار السائدة بشأن الإنفاق العام إلى مطلع حقبة الثلاثينيات، اذ حسم منذ ذلك التاريخ مسألة أسبقية الاستثمار على الادخار، ضارباً عُرض الحائط بالأفكار التي تربط تحقّق الاستثمار بوجود ادّخار مُسبق (سيكاريسيا وآخرون، 2018: 290)، وبيّن أن ما يحفّز الاستثمار ليس توافر الادّخار، بل تفاؤل المُستثمرين وتأكّدهم من أنهم سيحقّقون أرباحاً إذا استثمروا.
يكتسب الإنفاق العام الاستثماري أهمّية خاصّة حين يتلكّأ المستثمرون من القطاع الخاصّ عن الاستثمار، وحين يغيب تفاؤلهم ويمتنعون عن الاستثمار المُنتج كما كان الأمر خلال ثلاثينيات القرن العشرين. وهم يجبرون الدولة على الحلول محلّهم، لأنها لا تستطيع أن تكتّف أيديها وتنتظرهم. وهي تتحوّل في هذه الحالة إلى «المُستثمر الأوّل». وهو ما عبّر عنه مفهوم «تأميم الاستثمار» عند كينز (investment socialization) الذي طرحه في كتابه الشهير لعام 1936. أي إن الإنفاق العام عند كينز، إنفاق استثماري أوّلاً وبشكل رئيسي.
وأصبح موقف كينز أكثر راديكالية في مطلع الأربعينيات، وهو ما عبّرت عنه موافقته في إطار النقاش الدائر آنذاك على أن تتولّى الدولة ثلاثة أرباع الاستثمار. وهو ما حصل بالضبط في فرنسا وإنكلترا في مطلع حقبة ما بعد الحرب من خلال التأميمات التي طاولت القطاع المصرفي والقطاع الصناعي فيهما.
أوضح الما-بعد كينزيون مسألة أغفلتها عملية وضع اليد النيو-كلاسيكية على بعض أفكار كينز، وهي تمييزه بين الموازنة العامّة العادية والموازنة الاستثمارية. ولم يكن كينز ضدّ أن تكون الموازنة العادية المُخصّصة للإنفاق الجاري متوازنة. لكنّه وضع على عاتق الإنفاق الاستثماري للدولة مسؤولية تحقيق النمو الطويل الأجل مع الاستخدام الكامل للقوى العاملة، ولو أدّى ذلك إلى عجز دائم في موازنة الدولة الاستثمارية (سميثين، 1993: 202).

التقشّف
مثّلت حقبة ما بعد 1980 ردّة فعل نيو-كلاسيكية على «كينزية ما بعد الحرب»، التي جسّدها استخدام سياسة الإنفاق العام والسياسة النقدية لحفز الطلب. استخدم المنظِّرون النيو-كلاسيكيون الظرف الاقتصادي الخاصّ لحقبة السبعينيات، الذي تميّز بمعدّلات تضخّم عالية، لاتهام سياسات حفز النموّ بواسطة الطلب بأنها المسؤولة عن التضخّم، والعودة إلى الأفكار الما-قبل كينزية في ميدان السياسة الاقتصادية. وبدءاً من آخر السبعينيات، أصبح الهمّ الوحيد للحكومات الغربية استئصال التضخّم من اقتصاداتها. واعتُمدت طريقة رفع سعر الفائدة لضبط التضخّم التي بلورها كنوت فيكسال في أواخر القرن التاسع عشر (داغر، 2018).
وأرست سياسة رفع سعر الفائدة، مقرونة بالعودة إلى اعتماد مبدأ توازن الموازنة الحكومية، حالة تقشّف (austerity) في عموم البلدان الغربية، وكان أهمّ مظهرين لها هما: توقّف النموّ في هذه الاقتصادات، وبلوغ معدّلات البطالة مستويات قياسية ومُستدامة. وأوضح الباحثون الما-بعد كينزيون كيف سبّبت سياسات الصفر-تضخّم المعمول بها ارتفاعاً دائماً في معدّلات البطالة وحالة كساد كبير أصبحت أكثر حدّة بعد الأزمة المالية الكبرى في 2008. وقد بلغ معدّل البطالة الوسطي لمنطقة الأورو ككلّ 10.8% من القوى العاملة خلال حقبة 2009-2014، وكان معدّل النموّ فيها سالباً ويساوي -0.2% خلال الفترة نفسها (سيكاريسيا وآخرون، 2018: 299).

أرست سياسة رفع سعر الفائدة والعودة إلى اعتماد مبدأ توازن الموازنة الحكومية حالة تقشّف في عموم البلدان الغربية


انتقد الما-بعد كينزيون في محاججتهم للنيو-كلاسيكيين، 3 نقاط تعكس موقف هؤلاء وسياساتهم، وهي: 1) اشتراط توازن الموازنة. و2) تحديد سقف لعجز الموازنة يمثّل نسبة من الناتج الوطني. و3) تغييب أثر الإنفاق العام على الأجور كمُحدّد للطلب الإجمالي والنموّ. وقد رفضوا قاعدة «التمويل السليم» (sound finance) التي تقول بها المدرسة النيو-كلاسيكية وتتجسّد بالتزام مبدأ توازن الموازنة. واقترحوا بديلاً هو قاعدة «التمويل الوظيفي» (functional finance) التي بلورها أبّا ليرنر عام 1943 (سيكاريسيا وآخرون، 2018: 293؛ ليرنر، 1943). وإذا كان مبدأ «التمويل السليم» هو ألّا يتخطّى الإنفاق الحكومي إيرادات الموازنة، فإن مفهوم «التمويل الوظيفي» يعني أن الحاجة للتمويل تتحدّد وفقاً لمتطلّبات تصريف الإنتاج الوطني، وبحيث يتسنّى شراء ما أُنتِج في البلد المعنِي (ليرنر، 1943: 39).
إذا كان التقشّف في الإنفاق العام قد أصبح سمة عامّة في الغرب، فذلك بسبب اعتماد الدولة مبدأ توازن الموازنة مع الاضطرار إلى تسديد أقساط مديونية هائلة رتّبها رفع أسعار الفائدة. وقد أوضح بازينتي أن المديونية الحكومية الكبيرة لحقبة الثمانينيات والعبء الضريبي الكبير الذي وضعته هذه المديونية على عاتق المُكلّفين لم ينوجدا إلّا بسبب رفع أسعار الفائدة (بازينتي، 1986). وانتقد بازينتي وضع الأوروبيين في معاهدة ماستريتش سقفاً لعجز الموازنة يمثل 3% من قيمة الناتج. ولم يجد سبباً لذلك سوى أن هذه النسبة هي التي كان معمولاً بها آنذاك في فرنسا وألمانيا (بازينتي، 1998).
وأوضح المفكّر الأميركي الكبير هايمن مينسكي الحاجة إلى إنفاق عام عالي المستوى (big government)، أخذاً بمنطق أن الدولة هي التي ينبغي أن تتولّى مسؤولية الإنفاق الاستثماري. واقترح أن تمثّل الموازنة الحكومية ما بين 20% و50% من الناتج، بحيث توازي بذلك الاستثمار الخاصّ (سيكاريسيا وآخرون، 2018: 294). وذلك لكي تعوّض تقلّبات الاستثمار الخاص وتوفر ثباتاً في معدّلات الربح للمؤسّسات.

* أستاذ العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال - الجامعة اللبنانية

يتبع: الإنفاق العام في لبنان والبرنامج البديل عن التقشّف.

المراجع
E. Berr, O. Constantini, M. Llorca, V. Monvoisin, M. Seccareccia, «Politique budgétaire et dette publique: les enjeux de l’intervention de l’Etat», in Eric Berr, Virginie Monvoisin, Jean-François Ponset (dir), L’économie post-keynésienne : Hisoire, Théories et politiques, éditions du Seuil, 2018, 408 pages, pp. 286-306.
Dornbush Rudiger, Stanley Fisher, Macroeconomics, McGraw Hill, fifth edition, 1990, pp. 150 – 157.
Vedel Claude, Théorie Monétaire Internationale, Economica, Paris, 2ème édition, 1999.
Smithin John, «La composition des dépenses publiques et l’efficacité de la politique budgétaire », in P. Paquette, M. Seccareccia (dir.), Les pièges de l’austérité, Presse de l’Univ. de Montréal, P.U.G., 1993, pp. 201-217.
Lerner Abba, «Functional Finance and the Federal Debt», Social Research, Vol. 10, n. 1, 1943, pp. 38-51.
Pasinetti Luigi, «The social “burden” of high interest rates», in Arestis Ph., Palma G., Sawyer M. (eds.), Capital Controversy, Post-Keynesian Economics and the History of Economic Thought: Essays in honour of Geoff Harcourt, Routledge, 1986, pp. 161-168.
Pasinetti Luigi, «The Myth (or Folly) of the 3% Deficit/GDP Maastricht Parameter», Cambridge Journal of Economics, Volume 22, Issue 1, January 1998, pp. 103–116.
ألبر داغر، «فكر كينز مصدراً لبرنامج وطني للإصلاح»، الأخبار، 4/7/2017، أعيد نشره تحت العنوان نفسه في مجلّة «دراسات مستقبلية»، العدد 3، كانون الثاني 2018، ص. 109-120.
ألبر داغر، «كينز: السياسة الاقتصادية البديلة»، الأخبار – ملحق رأس المال، 2 و9/7/2018.