مخزون بقيمة 63.7 مليار دولار

بلغ مخزون الاستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان، في نهاية عام 2017، نحو 63.7 مليار دولار أميركي، وهو يشكّل 121% من الناتج المحلّي الإجمالي، ويضع لبنان في المرتبة الثالثة الأعلى بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفقاً لإحصاءات منظّمة الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD). وتعدّ هذه المستويات ذات أداء جيّد، خصوصاً بالنسبة إلى بلد خارج من حرب أهلية، واقتصاده نامٍ، ويعيش فيه 6 ملايين شخص، من ضمنهم 1.5 مليون لاجئ، ويمتلك موارد طبيعية محدودة، وتمثّل فيه الصناعات المحلّية أقل من 10% من مجمل الناتج المحلّي.
في خلال العقدين الأخيرين، كوّن لبنان مخزوناً كبيراً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وعلى الرغم من كلّ الأزمات المالية العالمية والخضّات السياسية في محيطه، حافظ على استمرارية تدفّق هذه الاستثمارات بمعدّلات أعلى من معدّل المنطقة، لكنّه في المقابل لم ينجح في بناء اقتصاد يقيه الصدمات الخارجية وارتداداتها، ويواجه راهناً تحدّيات جدّية في ظلّ التراجع المستمرّ بتدفّق هذه الاستثمارات عالمياً بالتوازي مع بروز عوامل محلّية طاردة للاستثمارات. إذ يعاني لبنان من مديونية عامّة مرتفعة جدّاً (152% من الناتج المحلّي)، ومن عجوزات مالية وتجارية متزايدة باطراد، ومن ارتفاع معدّل البطالة بين الشباب إلى 35% وهجرة نصف حاملي الشهادات الجامعية نتيجة عجزه عن توليد الوظائف، فيما تتركّز الوظائف المُتاحة بنسبة 61% في القطاع التجاري، و33% في القطاعات المتدنية الإنتاجية و10% في قطاع البناء.
تصنّف الاستثمارات الأجنبية المباشرة من ضمن مصادر التمويل المهمّة التي تسعى البلدان إلى اجتذابها، وهي شكّلت المفتاح الأساسي لنموّ العديد من الاقتصادات الناشئة الناجحة. فوفقاً للتعريف الشائع «تختلف هذه التدفّقات عن الاستثمار في سندات الدَّين غير المُنتجة، وهي أكثر أهمّية من القروض والتحويلات والمساعدات المالية، كونها عبارة عن رساميل أجنبية تتدفّق من الخارج للاستثمار في قطاعات ومشاريع اقتصادية مولّدة للأصول المُنتجة والأساسية لدعم النموّ الاقتصادي وزيادة الثروة الوطنية، فهي تؤسّس المشاريع وتشارك في عمليات التطوير الصناعي، وتخلق فرص عمل وتحسّن الأجور، وتزيد إيرادات الخزينة من الصادرات والعوائد الضريبية، وتسهم في تنمية الكفاءات وبناء المهارات وإدخال التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في عمليات الإنتاج».


تعدّ حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الظواهر الحديثة في الاقتصاد اللبناني، وهي نتجت عن مرحلة إعادة الإعمار التي ترافقت بدورها مع بروز العولمة والتوسّع الرأسمالي منذ بداية التسعينيات. عام 1972 بلغت نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة 0.03% من الناتج المحلّي، وفقاً لـUNCTAD، وكانت مساهمتها سلبية في تكوين رأس المال الثابت (-0.03%) ولا تشكّل سوى 0.2% من مجمل قيمة الصادرات. على مدار السنوات التالية، اتسمت هذه الاستثمارات بالتطوّر البطيء، إلى حين شهدت عام 1997 قفزتها الأولى وباتت تشكّل 11.54% من الناتج المحلّي الإجمالي، و38.77% من تكوين رأس المال، و280% من مجمل قيمة الصادرات. وبلغت مستوياتها الأعلى في النصف الأوّل من الألفية الثانية، بحيث وصلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 15.5% من الناتج المحلّي الإجمالي عام 2005، وشكّلت 73.55% من مجمل تكوين رأس المال عام 2003. وعلى الرغم من استمراره في جذب معدّلات أعلى من الاستثمارات مقارنة مع البلدان الشبيهة له في المنطقة، إلّا أن لبنان ليس بمنأى عن التطوّرات الاقتصادية الحاصلة في العالم منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، والتي يعبّر عنها بتراجع الاستثمارات، إذ بحلول عام 2017 انخفضت حصّة الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الناتج المحلّي نحو 3 أضعاف وباتت تشكّل 4.9% منه، فيما بلغت مساهمتها من مجمل تكوين رأس المال الثابت نحو 22%.
حصل لبنان على موارد كثيرة لتطوير اقتصاده، إلّا أنه لم يستفد منها، وأضاع فرصة أخرى من ضمن فرص عديدة توافرت له. هذا ما يبيّنه تقرير «سياسة الاستثمار في لبنان» الصادر عن الـUNCTAD، إذ يشير إلى أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة «لعبت دوراً رئيسياً في تطوير القطاعات الخدمية وجعلتها أكثر ديناميكية، في حين لم تجتذب القطاعات الأخرى سوى القليل منها، فضلاً عن أن عدداً قليلاً من بلدان المنطقة شكّل مصدر الحصّة الأكبر من الاستثمارات الواردة. وهو ما أدّى إلى زيادة مخاطر تعرّض لبنان للصدمات الخارجية». إلى ذلك، يحذّر التقرير من عوامل عديدة «تعيق عملية تنويع الاستثمار الأجنبي المباشر، من ضمنها مجموعة من التحدّيات المتعلّقة بالسياسات الاقتصادية المحلّية، وتأثيراتها على البنية التحتية القائمة، والاقتصاد الكلّي الهشّ، والأعداد الكبيرة من اللاجئين، وارتفاع معدّلات البطالة وهجرة الأدمغة، ونقص إمدادات الطاقة... وتضاف إلى ذلك عوائق تنظيمية تؤثّر على مناخ الاستثمار الأجنبي والعمليات التجارية، وهي تتناقض في جوهرها مع الأهداف المُعلنة للحكومة، وتتمثّل، على سبيل المثال، في عدم إقرار قانون المنافسة لضمان الأسس المتكافئة والمنافسة في الأسواق، وعدم التصديق على اتفاقية منظّمة العمل الدولية (ILO) حول الحرّية النقابية وحماية حقّ التنظيم، وعدم وجود قوانين وآليات للحدّ من الفساد ومنعه. وهي من الأمور الأساسية التي تهمّ القطاع الخاصّ». بمعنى آخر، يعبّر التوصيف الذي يتبنّاه التقرير عن المشكلات البنيوية للاقتصاد اللبناني والسياسات التي تعيقه، وتترجم بافتقاره إلى قطاعات إنتاجية قوية وقادرة على تحفيز النموّ الاقتصادي والحراك الاجتماعي، ومواجهة التحدّيات المالية والاقتصادية ومخاطرها، والتحوّل نحو اقتصاد المستقبل، أي الاقتصاد الرقمي، وأكثر من ذلك، تهدّد هذه المشكلات ثقة المستثمرين وتلقي المزيد من العقبات أمام إمكانية جذب المزيد من الاستثمارات.


المراحل الأربعة لنموّ الاستثمارات الأجنبية
بدءاً من العام 1997، استقطب لبنان مستويات عالية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وبقيمة تخطّت ملياري دولار سنوياً منذ عام 2003، ووصلت إلى مستوى قياسي بقيمة 4.4 مليارات دولار عام 2009. في السنوات الأخيرة، تراجع مستوى هذه التدفّقات، إلّا أن لبنان بقي يستقطب استثمارات أجنبية مباشرة بمعدّل 2.9 مليار دولار سنوياً، وهي تشكّل المستوى الأعلى بالمقارنة مع اقتصادات المنطقة المشابهة له (مصر، الأردن، المغرب، تونس) لناحية نسبتها من الناتج المحلّي الإجمالي وإجمالي تكوين رأس المال.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

هناك أربع مراحل للاستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان:
1) المرحلة التي تسبق عام 1997. في خلالها كان لبنان خارجٌ من حرب أهلية استمرّت لنحو ربع قرن (1975-1990)، وبالتالي كان خارج فلك اهتمام المستثمرين الأجانب. بلغ المعدّل السنوي للاستثمارات الأجنبية المباشرة بين عامي 1990 و1996 نحو 24.4 مليون دولار.
2) بدءاً من عام 1997، دخل لبنان مرحلة جديدة مع بدء تدفّق الاستثمارات الأجنبية بشكل متزايد، وبمعدّل سنوي بقيمة 1.4 مليار دولار، تقودها المشاريع العقارية في مرحلة إعادة الإعمار، وخصخصة البريد، وإزالة الولايات المتّحدة للحظر الذي فرضته على مواطنيها وشركاتها بالسفر إلى لبنان، وتثبيت سعر صرف الليرة وربطها بالدولار وخفض التضخّم، بالإضافة إلى إقرار سلسلة من التخفيضات الضريبية من خلال مؤسّسة إيدال وتعديل قانون تملّك الأجانب بما سمح بزيادة استثماراتهم في القطاع العقاري.
3) امتدّت المرحلة الثالثة بين عامي 2003 و2009، حيث بلغت الاستثمارات الأجنبية مستوياتها الأعلى تاريخياً، بمعدّل سنوي بقيمة 3.4 مليارات دولار (4.4 مليارات عام 2009 وهو المستوى الأعلى على الإطلاق)، ويقودها الاستقطاب السياحي، وتوقيع عقود تشغيل وصيانة شبكتي الخليوي مع شركتين أجنبيتين، بالإضافة إلى التحفيزات الضريبية التي مُنحت لشركات الأوف شور.
4) بدأت المرحلة الرابعة عام 2010 ولا تزال مستمرّة حتى اليوم، وهي تتّسم بتحدّيات عديدة مدفوعة بالأزمة المالية العالمية وحروب المنطقة وانخفاض أسعار الفيول التي أثّرت على البلدان المصدّرة للاستثمارات نحو لبنان، بالإضافة إلى تدفّق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين. وبنتيجتها انخفض المعدّل الوسطي السنوي لتدفّق الاستثمارات الأجنبية إلى 2.9 مليار دولار.


عقارات وتجارة وخدمات مالية
على الرغم من جهود مؤسّسة «إيدال» لتتبع حركة الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلّا أن البيانات المتوافرة حول مصادرها وكيفيّة توزّعها على القطاعات ليست مفهومة بشكل جيّد وفقاً لـUNCTAD، بحيث تستند المنظّمة إلى مصادر عديدة لتحديد القطاعات التي وظّفت فيها هذه الاستثمارات ومصادرها.
فوفقاً للمديرية العامّة للشؤون العقاريّة، بلغت قيمة الاستملاكات العقارية من الأجانب نحو 555 مليون دولار عام 2016، وهي مستقرّة عند هذا المستوى منذ عام 2010. أمّا بيانات «المؤسّسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات» حول المشاريع الخضراء المنفّذة بين عامي 2003 و2015، فتبيّن أهمّية القطاع العقاري، خصوصاً أن 49% من قيمة المشاريع الخضراء المنفّذة (7.1 مليارات دولار) كانت عبر مشاريع عقارية، ونحو 30% منها (4.5 مليارات دولار) في السياحة والفنادق.

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

أمّا أحدث البيانات المُتاحة من مصرف لبنان، فتبيّن أنه خلال الفترة المُمتدة بين عامي 2011 و2014، بلغ المعدّل الوسطي للاستثمارات الأجنبية في القطاع المالي (مصارف وشركات تأمين وخدمات مالية) نحو 130 مليون دولار سنوياً. إلى ذلك، تشير بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة بشأن الشركات الأجنبية ومكاتبها التمثيلية لعام 2016، إلى أن هذه الشركات تتركّز في القطاعات الخدمية بنسبة 41% (بما فيها الخدمات المالية)، وبنسبة 14% في القطاع العقاري، في الإعلام بنسبة 11%، وقطاع الأدوية والتجارة والبيع بالتجزئة بنسبة 8%، والصناعة وتكنولوجيا المعلومات (5%)، والاتصالات والسياحة والنقل (3%). وبالحصيلة، يتبيّن أن معظم الاستثمارات الأجنبية المباشرة ضخّت في القطاعات التي حقّقت معدّلات النموّ الأكبر، وأبرزها التجارة والخدمات المالية التي نمت بنحو ثلاث أضعاف بين عامي 2004 و2015، والعقارات والإنشاءات والفنادق التي نمت نحو الضعفين خلال الفترة نفسها.
بحثاً عن المعدّلات الضريبية المنخفضة
بين عامي 2003 و2015، كان معظم الاستثمارات وافداً من بلدان المنطقة، وتبيّن إحصاءات «المؤسّسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات» أن 50% منها مصدره الإمارات، و14% الكويت، و13% السعودية. فهناك العديد من فروع المصارف العربية في لبنان، علماً بأن بيانات مصرف لبنان تشير إلى أن 43% من الاستثمارات الموجّهة نحو القطاع المالي بين عامي 2011 و2014 أتت من لوكسمبورغ، و9.8% من الجزر البريطانية العذراء، و9.3% من الإمارات العربية. بالإضافة إلى ذلك، ووفقاً لمؤسّسة «إيدال»، حلّت بريطانيا في صدارة البلدان المصدّرة للاستثمارات الأجنبية إلى لبنان عام 2016، باستحواذها على 27% من مجمل الشركات الأجنبية الجديدة العاملة فيه، وهو ما يعود إلى بحث بريطانيا عن فرص استثمارية جديدة في الشرق الأوسط بعد «بريكست»، ويعدّ لبنان الأنسب لذلك، نظراً إلى المعدّلات الضريبية المنخفضة فيه.