يعدّ أمن الطاقة من الهواجس الرئيسية التي تسيطر راهناً على سياسات الطاقة في العالم. إذ تعمد بلدان كثيرة إلى تنويع مصادر الطاقة المُستخدمة فيها، لتكوين مناعة ذاتية تجاه تقلّبات أسعار البترول والحدّ من تأثيراتها، ولتأمين حاجاتها من الطاقة من كل المصادر المُتاحة لديها بأقل كلفة مُمكنة. يوم الجمعة الماضي، نشرت صحيفة The Guardian البريطانية تقريراً عن «استثمارات بقيمة 14 مليار دولار في الطاقة المُتجدّدة يجريها الصندوق السيادي النروجي، الذي يعدّ من أكبر الصناديق السيادية ويصل حجمه إلى 1 تريليون دولار، في مقابل تخلّيه عن استثمارات أخرى بقيمة 8 مليارات دولار في 134 شركة تعمل في التنقيب عن النفط والغاز، وذلك بهدف تنويع مصادر الطاقة لديه»، ووفقاً للخبراء فإن «البلدان التي جمعت ثرواتها من النفط ترى المستقبل في الطاقة الخضراء».

لكن في لبنان تختلف الأمور كثيراً! فالبحث في سياسات الطاقة في لبنان تتحكّم به مصالح خاصّة، ولا تحيد الخطط والاستراتيجيات الموضوعة عنها، بحيث تتمّ المحافظة على أرباح مستوردي وتجّار النفط، في بلد يعاني من عجز في ميزان المدفوعات بلغ 6 مليارات دولار في نهاية 2018، يقوده عجز في الميزان التجاري إذ تتجاوز فاتورة الاستيراد سبع مرّات قيمة الصادرات وتستحوذ الواردات المعدنية (بما فيها البنزين والغاز والمازوت) على 21% من مجمل قيمتها، ووفقاً لإحصاءات الجمارك اللبنانية تجاوزت قيمتها 4 مليارات دولار في عام 2018. وكذلك يتمّ الحرص على وضع آليات لإجراء المناقصات من خارج الأطر القانونية من خلال استحداث لجان كما يحصل راهناً. وأيضاً، توزيع مشاريع الطاقة على المستثمرين والمناطق وفقاً للتحاصص الحزبي والطائفي... وحتى عندما تمّ التفكير بإدخال تقنيات الطاقة المُتجدّدة، لم يجرِ الابتعاد ولو قليلاً عن السياق نفسه، فكانت غالبية المشاريع (96%) عبارة عن مشاريع فردية وخاصّة لمساكن ومراكز تجارية ومستشفيات ومصانع، استفادت من القروض المدعومة التي منحها مصرف لبنان بموجب برنامج NEERA، ووفقاً للـUNDP وصلت قيمتها التراكمية إلى 42 مليون دولار بين عامي 2010 و2017.

3.8 %

هي النسبة التي تستحوذ عليها الطاقة المُتجددة ضمن مزيج الطاقة في لبنان وتصل قدرتها الإنتاجية إلى 133 ميغاواط، 88 ميغاواط من المياه و45 ميغاواط من الشمس، فيما يستحوذ الفيول على 96.2% من مزيج الطاقة ويستخدم لإنتاج 3233 ميغاواط


هذا الواقع، أدّى إلى مرور أكثر من عقدين بانتظار تنفيذ وعود «الـ24/24»، وبالتالي استمرار معاناة الكهرباء اليومية، وتزايد الأضرار الناجمة عن تبعات هذه الأزمة المستمرّة، ليس فقط على ميزانية الأسر بسبب فاتورة الكهرباء المرتفعة، وإنّما أيضاً على الاقتصاد وإمكانيات نموّه وزيادة تنافسيته فيما كلفة الإنتاج التي تعدّ فاتورة الطاقة جزءاً أساسياً منها باهظة جدّاً.
أمّا الأسوأ فهو أن كلّ ذلك يحصل فيما يمتلك لبنان إمكانات كبيرة لإنتاج الطاقة الشمسية، تقدّرها دراسة حديثة بنحو 3 آلاف ميغاواط في أراضٍ مشاعية، وهي قدرة إنتاجية كافية لاستبدال معملَين على الأقل من المعامل الستة المنوي إنشاؤها، وبكلفة أقل بنحو 2 إلى 4 مرّات بالمقارنة مع أسعار الإنتاج الحالية. إلّا أن هذه الطاقة الإضافية غير مُدرجة في خطّة الكهرباء الجديدة التي تطرح إنتاج ما لا يزيد عن 480 ميغاواط فقط من الطاقة الشمسية.
أعدّ هذه الدراسة «المركز الوطني للاستشعار عن بعد» التابع «للمجلس الوطني للبحوث العلمية» بالتعاون مع «برنامج الطاقة والأمن في معهد عصام فارس للشؤون العامة والسياسات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت» وبدعم من الجمعية اللبنانية لتجديد الطاقة، من المفترض نشرها قريباً. ترصد الدراسة الأراضي اللبنانية التي تمتلك إمكانات مهمّة لإنشاء مزارع للطاقة الشمسية وقد اعتمدت على الخرائط الطوبوغرافية والصور الجوّية التي تنجزها مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني لاختيار الأراضي، على أن تكون غير مُعرّضة للمخاطر الطبيعية (حرائق وانزلاقات وفياضانات)، وفي الوقت نفسه مسطّحة أو ذات تعرّجات خفيفة تسمح ببناء مزارع للطاقة الشمسية، ومواجهة للشمس من جهة الشمال، وبعيدة عن الشاطئ والمناطق المدنية والزراعية.
في الحصيلة، بلغ مجمل مساحة الأراضي التي تنطبق عليها هذه المواصفات نحو 148 كلم مربّع، أي ما يشكّل 1.4% من مجمل الأراضي اللبنانية، وهي تتوزّع بين محافظات بعلبك – الهرمل والبقاع والنبطية والجنوب، إلّا أن المرحلة الأولى من الدراسة ركّزت فقط على محافظة بعلبك – الهرمل التي تستحوذ على القسم الأكبر منها، كونها مُصنّفة من الأملاك العمومية (مشاعات) وتبلغ مساحتها 110.85 كلم مربّع، على عكس المحافظات الأخرى حيث تتداخل العقارات الخاصّة مع الأراضي العامّة.
إلى ذلك، تبيّن دراسة أخرى موازية وصادرة أيضاً عن «برنامج الطاقة والأمن في معهد عصام فارس للشؤون العامة والسياسات الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت» أن 30 كلم مربّعاً من مجمل هذه الأراضي صالحة لإنشاء محطّات طاقة شمسية، بقدرة 3 آلاف ميغاواط قد تصل في حدودها القصوى إلى 4 آلاف ميغاواط، وبكلفة إنتاجية تقدّر بنحو 4 إلى 5 سنتات لكل كيلواط/ساعة. تتميّز هذه الأراضي بقربها النسبي من خطوط التوزيع (220 و66 KV)، ما يسهّل عملية وصل الطاقة المُنتجة فيها بالشبكة وتوزيعها على المشتركين، فضلاً عن أن هذه القدرة الإنتاجية العالية تسمح بالاستغناء عن 600-800 ميغاواط من الطاقة المُنتجة من معامل الغاز المفترض إنشاؤها، باعتبار أن كلّ 5 ميغاواط من الطاقة الشمسية تعادل ميغاواط واحداً مُنتجاً في معامل الغاز أو الفيول، وهو ما يعني عملياً الاستغناء عن بناء معملَين من المعامل الستة المُدرجة ضمن خطّة وزارة الطاقة، ومن بينها معمل سلعاتا الإشكالي نظراً إلى وقوعه ضمن منطقة محمية مائية وأراضٍ ذات أهمّية أثرية كما يرد في تقرير شركة Mott Macdonalds الاستشارية والذي أُعدّ لصالح وزارة الطاقة.
تبيّن هذه الدراسة مكامن حول قدرات لبنان من الطاقة الشمسية، غير ملحوظة في خطّة وزارة الطاقة والمياه، إذ تعالج إشكاليات أساسية في سياسات الطاقة الحالية وهي:
1- التكلفة المُرتفعة التي تعود بالأساس إلى مقارنة أسعار اتفاقيات شراء الطاقة، سواء من المنتجين المحلّيين أو البواخر العائمة، بأسعار إنتاج الطاقة من قِبل مؤسّسة كهرباء لبنان، والتي تصل إلى 21 سنتاً للكيلواط/ ساعة في بعض المعامل القديمة مثل صور، ذلك بدلاً من قياس فعاليتها من خلال مقارنتها مع أسعار اتفاقيات شراء الطاقة عالمياً وإقليمياً مع الأخذ في الاعتبار المخاطر وإجراءات الحدّ منها. فالمعدّل الوسطي لسعر الطاقة الشمسية يتراوح بين 3.6-4.4 سنت لكل كيلواط/ ساعة مقارنة مع 4.1-7.4 سنت للكيلواط/ ساعة للطاقة المُنتجة من الغاز، و14-21 سنتاً للكليواط/ ساعة المنتجة حالياً في مؤسّسة كهرباء لبنان.


2- الاعتماد على مصادر مؤقّتة مثل البواخر العائمة التي تستنزف موارد مالية تقدّر بنحو 700 مليون دولار سنوياً، أي 2.8 مليار دولار خلال 4 سنوات، وهو مبلغ كافٍ لبناء محطّات طاقة شمسية خلال سنة واحدة، بقوّة 2500 ميغاواط وبقدرة تشغيلية تصل إلى 25 سنة، وكذلك بكلفة إنتاج متدنية جدّاً وتنافسية (4 سنتات للكيلواط/ساعة) كون الأرض التي تشكّل جزءاً أساسياً من سعر كلفة الإنتاج هي من الأملاك العمومية.
3- التخطيط لسياسات في الطاقة المُتجدّدة أكثر فعالية وذات جدوى اقتصادية واجتماعية وتنموية وغير مُرتبطة بمصالح خاصّة، خصوصاً أنها تقوم على أراضي عامّة وقريبة من خطوط التوزيع بدلاً من أراضي خاصّة تتطلّب مدّ شبكات خاصّة بها، ويمكن توزيعها على المشتركين بدلاً من تركيزها في منطقة أو مصالح مُحدّدة.
4- التنويع في مصادر الطاقة وخفض الاعتماد على الفيول الذي يشكّل حالياً 88% من مزيج الطاقة في لبنان في مقابل 12% للطاقة الكهرومائية، وهو ما يؤدّي إلى خفض فاتورة الاستيراد بالدولار وبالتالي تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، وكذلك تعزيز أمن الطاقة، وتخفيض قيمة الفاتورتين البيئية والصحية.
5- إشراك سياسات الطاقة في عملية التنمية الاقتصادية، إذ إن تنفيذ هذه المشاريع في المناطق الأكثر حرماناً في لبنان ينعكس على الاقتصاد المحلّي لمنطقة بعلبك – الهرمل، ويسهم في توفير طاقة على مدار الساعة، ويخلق فرص عمل بمعدّل 134.8 ساعة عمل لكلّ ميغاواط (120 ساعة للتصنيع، 14 للهندسة والبناء، و0.8 للتشغيل والصيانة).


مزيج الطاقة
يعمد الكثير من البلدان إلى تكوين نموذج لمزيج الطاقة (Energy Mix) خاصّ فيها، مؤلّف من كلّ مصادر الطاقة المتوافرة لديها في كلّ ساعة من ساعات النهار لتأمين الطاقة بالكلفة الأدنى. وهو يبدأ بالاعتماد الكامل على القدرة الإنتاجية المُتاحة من مصدر الطاقة الأقل كلفة في كلّ ساعة من ساعات النهار، ومن ثمّ يُسدّ النقص الباقي بالقدرة الإنتاجية المتوافرة من ثاني أرخص مصادر الطاقة المتوافرة في كلّ ساعة من ساعات النهار، وهكذا دواليك، وصولاً إلى تأمين الطاقة على مدار الساعة طوال النهار.