تتراجع حصّة الأجور في العالم مع ارتفاع التفاوت واللامساواة على مدى العقود الماضية. لذلك ثمّة حاجة إلى ارتفاع منسّق يبدأ من أوروبا لتغيير الوضع.

يعيد الاقتصاديون والمنظّمات الدولية تقييم الكثير من «الحقائق» الاقتصادية القديمة. فقد استبدلت أفكار بالية، مثل فكرة أن التوزيع العادل للأجور يهدّد النمو، بقلق متنامٍ من اتساع الفجوات في الأجور وتداعياتها السلبية على أداء الاقتصاد الكلّي والاستقرار السياسي. ويجب أن يكون واضحاً اليوم للجميع أن انعدام المساواة سيئ للشركات ويتحوّل إلى أرض خصبة للشعبويين والحمائيين.
على الرغم من ذلك، لا تزال اللامساواة آخذة في التزايد إلى أن يضع السياسيون والنقابات حدّاً لها. ويصف الاقتصادي السويدي بير مولاندر ذلك في كتابه «التركيب البنيوي للامساواة»: «من دون سياسة توزيع نشطة، يتجه المجتمع بخطى ثابتة نحو حدود اللامساواة (حيث نخبة قليلة تتحكّم بالفائض الاقتصادي كلّه) تماماً كما يستمر حجرٌ في السقوط إن لم يجد مقاومة توقف سقوطه».

دور أساسي للأجور
من الواضح أن الأجور تقوم بدور أساسي في توزيع الدخل. غير أن الدور المُحتمل الذي يمكن أن تقوم به الأجور كمحرّك للنموّ أقل قبولاً، على الأقل بين اقتصاديي التيّار الرئيسي وزعماء الشركات. فالذين يرون الأجور مجرّد كلفة يقلّلون من قيمتها كمصدر للطلب والمبيعات، وبالتالي للإنتاج. لذلك نحتاج أن نتحدّث عن توزيع الدخل بين العمل ورأس المال.
انخفضت الأجور كحصّة من الناتج المحلّي الإجمالي في العالم منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين. ووفق منظّمة العمل الدولية، تراجعت حصّة الأجور في 91 من أصل 133 بلداً، بينها البلدان الأكثر تقدّماً والعديد من البلدان النامية. وارتفعت حصّة الربح في المقابل. وتظهر بيانات منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية وصندوق النقد الدولي اتجاهاً مماثلاً. فقد فُصلت الأجور ببساطة عن نموّ الإنتاجية. وخلال الفترة نفسها، اتسعت هوامش الدخل.
من شأن رفع حصّة الأجور، وفقاً للعديد من الدراسات العملية التي تستخدم نماذج ما بعد كينزية، أن ترفع الطلب المحلّي في العديد من البلدان. وفي معظم البلدان، من شأن هذا التأثير الإيجابي أن يتجاوز التأثيرات السلبية المُحتملة على الاستثمار والصادرات الصافية، وبالتالي يؤدّي إلى نموّ أعلى. وهذا صحيح بشكل خاص بالنسبة للمناطق الاقتصادية الأكبر مثل الاتحاد الأوروبي نظراً إلى أن دوله الأعضاء تتاجر مع بعضها البعض.


بالنسبة لمعظم الأسر، تعتبر الأجور المصدر الوحيد للدخل. والميل إلى الادخار بدلاً من الاستهلاك أعلى من الدخل الرأسمالي منه من الدخل القائم على الأجر. لذلك فإن رفع حصّة الأجور سيكون لها تأثير إيجابي أعلى على الطلب والاستهلاك مقارنة بحصص ربح أعلى تزيد الدخل القائم على رأس المال بالنسبة إلى القلّة، والتي لم تسفر عن زيادات مقابلة في الاستثمار. وفي المقابل، فإن أجوراً حقيقية أعلى تعزّز إنتاجية العمّال. وبالتالي، فإن «الاعتدال» في الأجور يعيق النموّ في معظم الاقتصادات إن لم يكن جميعها. ولكن تلك الاقتصادات التي قد تستفيد من كبح الأجور عبر زيادة صافي الصادرات، تعتمد على الطلب المحلّي للاقتصادات الأخرى. فإذا قام شركاؤها التجاريون أيضاً بقمع الأجور فلن تزيد صافي الصادرات.
مع إقصاء زيادة الأجور كمحرّك للنموّ، ظهرت استراتيجيتان أُخريان للنموّ. الأولى تقودها الديون حيث استهلاك الأسر تحرّكه الديون المتصاعدة، وكذلك الأصول، بما في ذلك العقارات. والثانية تعتمد على التصدير، حيث النموّ يدفعه صافي الصادرات الذي تعزّزه الأجور المكبوتة، ويعتمد على سياسة «التسوّل من الجيران». وتتمثّل العواقب في تزايد الاختلالات العالمية وزيادة مخاطر الأزمات المالية.
قد يحاجج المرء بأن استراتيجيا النموّ التي تقودها الأجور والتي تهدف إلى زيادة الاستهلاك، لا تناسب المعركة ضد الانهيار المناخي. بينما الواقع أنه يجب تكييف إنتاج السلع والخدمات ونقلها، مع أهدافنا المناخية، بغض النظر عن استراتيجيا النمو. ولكننا لا نحمي المناخ من خلال السماح للفجوات في الدخل أن تتوسّع، وبالتالي نخاطر برفع الدعم للحركات الشعبوية، التي غالباً ما تُنكر التغيير المناخي وتريد البقاء خارج التعاون الدولي.

ضعف القدرة على المساومة
تعتبر اقتصاديات التيار السائد أن العولمة والتقدّم التكنولوجي عاملان رئيسيان وراء انخفاض حصّة الأجور، ما يعني أنه لا يمكننا فعل الكثير لتغيير الوضع. ومن هذا المنظور، سيؤدّي استمرار التكامل الدولي والأتمتة إلى زيادة الضغط على حصّة الأجور.
ولكن الدراسات الحديثة التي تستند إلى مقاربة الاقتصاد السياسي، تشير إلى عوامل مؤسسية واجتماعية. فالأجور تحدّد في المفاوضات ولكن قدرة المساومة لدى العمّال أضعفت لأسباب عدّة منذ ثمانينيات القرن العشرين. أوّلاً، تعطي العولمة والتقدّم التكنولوجي والأسواق المالية غير الخاضعة للقيود، أرباب العمل خيارات عدّة تهدّد العمّال. فيمكن للشركات نقل الوظائف إلى البلدان منخفضة التكاليف واستبدال اليد العاملة البديلة برأس المال والاستثمار في الأصول الحقيقية أو المالية على الصعيد الدولي. وثانياً، تقلّل زيادة تركّز الشركات، مدفوعة بزيادة الشركات الكبرى «النجوم»، المنافسة في السوق وتميل إلى خفض حصص الأجور. ﺛﺎﻟﺜﺎً، ﻳﺆدّي ﺗﻘﻠﻴص دولة الرفاه وﺿﻌﻒ أمن الدﺧﻞ إﻟﻰ ﺟﻌﻞ اﻟﻌﻤّﺎل أكثر اﻋﺘﻤﺎداً بشكل ﻣﺒﺎﺷﺮ ﻋﻠﻰ أصحاب العمل وإلى ﺧﻔﺾ الحدّ الأدنى المقبول للأجور. رابعاً، ارتفعت البطالة في العقود الماضية مقارنة بالسبعينيات. وأخيراً، انخفض حضور النقابات في كلّ البلدان تقريباً. لذلك، من الممكن تماماً استعادة حصّة الأجور عبر سياسات صحيحة. والسويد مثال جيد. فالعمّال السويديون ما زالوا في موقف قوي في المساومة على أوضاعهم. فحتى إذا تنامت الفجوات في الدخل أيضاً في السويد، فمرد ذلك ليس تزايد فجوات الأجور. فقد ازدادت الأجور الحقيقية بنسبة 60% على مدى العقدين الماضيين، وهو أمر استفاد منه جميع العمّال. وقد ازدادت حصّة الأجور وإن بشكل متواضع، بعد أن انخفضت في البداية مع الاتجاه العالمي، بينما حافظت على مكانة عالية بين أكثر اقتصادات العالم قدرة على المنافسة. وتوازى ذلك مع معدّل توظيف هو الأعلى في الاتحاد الأوروبي. وهذا أحد الأسباب التي تجعل النقابات السويدية تعتبر العولمة والتقدّم التكنولوجي والتجارة الحرّة فرصاً وليست تهديدات.

إعادة إرساء التوازن
تعكس الإصلاحات الضرورية الأسباب التي أدّت إلى انخفاض حصّة الأجور. فنحن بحاجة إلى إعادة إرساء توازن القوّة بين الشركاء الاجتماعيين. وهذا يعني باختصار:
- حكومات تدعم النقابات العمّالية والتفاوض الجماعي والمفاوضات المنسّقة حول الأجور؛
- رفع الأجور الحقيقية على الأقل بما يتماشى مع نموّ الإنتاجية؛
- رفع الحدّ الأدنى للأجور؛
- جعل التوظيف الشامل وخفض البطالة، الهدف الشامل للسياسة الاقتصادية؛
- تعزيز دولة الرفاه وأمن الدخل لدى العمّال؛
- دعم قدرة العمّال على إيجاد عمل من خلال تدابير تعزيز المهارات؛
- إعادة تنظيم النظام المالي.
إن التأثير الإيجابي على النموّ سيكون أكبر في كلّ بلد إذا ما قامت بلدان عدّة بزيادة حصّة الأجور لديها. فالربح هنا أكبر من الخسارة للجميع إذا ما حصلت زيادة منسّقة لحصص الأجور. ولكن العديد من البلدان تجد نفسها عالقة في معضلة «السجناء» حيث لا أحد يريد الخروج، أوّلاً خوفاً من خسارة التنافسية والاستثمارات لصالح الآخرين.
لذلك، فإن الاقتصادات المتقدّمة الكبرى - يفضّل أن تكون الاتحاد الأوروبي كما حاجج اتحاد النقابات العمّالية الأوروبي - أو البلدان ذات الفائض الكبير في الحساب الجاري، يجب أن تأخذ زمام المبادرة وترفع حصّة الأجور لديها. ويمكن للاقتصادات الصغيرة والمفتوحة أن تحذو حذوها. وهذا يتطلّب حركة نقابية أكثر تنسيقاً على الصعيد الدولي وتنسيقاً للإصلاحات السياسية.
في عالم معولم، يجب أيضاً مناقشة الأجور عبر الحدود. ومن بين المحافل المكرّسة لذلك: «الصفقة العالمية للمبادرة السويدية» التي سلّمت الآن إلى منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تعزّز الحوار الاجتماعي الفعّال. وأهدافها زيادة الإنتاجية والحدّ من عدم المساواة وتمكين الجميع من الاستفادة من العولمة.
قد يبدو التنسيق على الصعيد الدولي حول حصّة الأجور «مهمّة مستحيلة»، غير أنه منذ عقود تتحرّك حصص الأجور بشكل متزامن، حتى لو كان اتجاهها انخفاضاً. ولكن إذا تجنّبنا هذا التحدّي، فهل نحن على استعداد لقبول الوضع الحالي؟

* خبير اقتصادي في اتحاد نقابات العمّال السويدي

* ترجمة: لمياء الساحلي
* Social Europe