علم الاقتصاد، من حيث أبعاده وغاياته، هو علم أخلاقي يستهدف الإنسان للارتقاء به مادياً ومعنوياً، له من الشمول والسِعة، بنظرياته وقوانينه وأساليب تحليله، ما يُمكّنه من تحقيق غايات مُستهدفة لا تخرج عن منحى أخلاقيّاته. انطلاقاً من هذا المنظور، تأتي هذه القراءة لتقرير «ماكينزي»، أي انطلاقاً من الانتماء الوطني والأمانة العلمية، وهما يفرضان الموضوعية بكلّ أبعادها، بعيداً من الرأي المُسبق والتزاماً بالحقيقة العلمية. لذلك فإن هذا التعليق، لن يطاول النواحي التقنية البحتة من تقرير «ماكينزي»، على الرغم من أنها وسائل فنّية تساعد المنهج في الوصول إلى المستهدف، وهي «تقنيات» مُشبعة ومُكثّفة في التقرير من دون حامل لها (أي المنهج) كما سأدلّل أدناه، وبالتالي فإن ملاحظاتي ستنصبّ على سياق التقرير منهجاً وقدرة تعليل ومنحى حركة وغائية.


علّة المعضلات الاقتصادية: ما خلا منه التقرير!
في بداياته يشير التقرير إلى المعضلات المُفرزة في الاقتصاد اللبناني، والتي أدّت إلى الحلقة المُفرغة، مُعزّزاً ذلك بكمّ من البيانات والمعارف، وهذا جيّد. ولكن التشخيص المُقدّم يشير إلى المعضلات في الاقتصاد اللبناني بصورة وصفية وساكنة، أي إنها تخلو من أي بحث في علّتها كمعلولات، وتحديد العلّة شرط أساسي لفهم الظواهر ومُقدّمة ضرورية عند المعالجة. ولا يقدّم لنا هذا التشخيص أي تصنيف لمُسبِّبات الظواهر، وهل هي نتاج الهيكل الاقتصادي المُتخلخل؟ أم هي تتبع منحى حركة الاقتصاد اللبناني عبر المراحل الماضية وتراكمها الحالي؟ أم هي عرَض نجد حامله وعلّة وجوده المادية في مكان ما؟

أنجل بوليغان ــ المكسيك

تعليقاً على ذلك، لا بدّ أن أشير إلى أن الظواهر المعضلة في الاقتصاد اللبناني هي نتاج تراكم لمراحل طويلة، تجد مكامنها في الهيكل والحركة والمنحى وتركيب الدولة وسلطة القانون:
في ظلّ الانتداب الفرنسي، وبشيء من الإيجاز، تعرّض الاقتصاد اللبناني لتحوّل خطير، أبرز مفاصله:
تحطّم التطوّر المتوازن لقطاعات الهيكل الاقتصادي.
وضع أسس الاقتصاد الريعي على حساب القطاعات المُنتجة.
إفراز مجموعة رجالات الإدارة بعقلية معيّنة ومواصفات محدّدة تلعب الدور الإقراري اللاحق في توجه الاقتصاد اللبناني.
وفى مرحلة الاستقلال وحتى نهاية أحداث لبنان الدامية، حُدِّدت معالم أساسية (نستثني منها مرحلة الرئيس فؤاد شهاب التي أخذت منحى آخر لا مجال لذكرها، وأشير فقط إلى دورها الإيجابي الفاعل في الاقتصاد اللبناني)، وأَفرز النهج المُتّبع النتائج التالية:
ضعف دور الدولة الاقتصادي.
طغيان قطاع الخدمات والتجارة (وفق العقلية التي تنادي بتخصّص لبنان في الخدمات التجارية والسياحية والمصرفية)، وإهمال القطاعات المُنتجة كالزراعة والصناعة.
اشتداد تيّار الهجرة.
لن أتوقّف عند نتائج الأحداث الدامية المعروفة، على صعيد الدمار وهروب رؤوس الأموال، إلخ... وهي حالة عرضية تحتاج إلى الكثير من التحليل ووضع الضوابط الوقائية لتجنيب لبنان الأخطار. سأتابع العرض نحو المرحلة التي تلت هذه الأحداث، أي بعد عام 1990 وحتّى الآن، مُكتفياً بتحديد المعضلات الأساسية، كسِمات في الاقتصاد اللبناني:
اندماج رأس المال المالي بالسلطة في لبنان.
ولوج مرحلة من الفساد، وحتّى عبر بعض التشريعات وغياب الالتزام الصارم بالقوانين والأنظمة.
منحنى النظام النقدي المزدوج وتباين الفائدة وربط الليرة بالدولار.
التشوّهات الضريبية.
هذه السمات للاقتصاد اللبناني أدّت إلى الظواهر التالية:
مديونية عالية وخطيرة.
نظام نقدي وضريبي مشوّه.
انتشار الفساد واستشراؤه ليصيب حتى التلاعب بالقوانين.
انخفاض المستوى المعيشي للسكّان.
ارتفاع معدلات التضخّم والبطالة.
أشرت بشكل سريع إلى علّة المعضلات الاقتصادية، لأنها تشكّل المدخل إلى المعالجة، وهو ما خلا منه تقرير «ماكينزي».

المُستهدفات: لا يُبنى المستقبل بالأمنيات فقط
بعد التشخيص الجيّد بصورته الوصفية كما أشرنا، ينتقل التقرير إلى المُستهدفات، ويحدّد قطاعات أساسية في الاقتصاد اللبناني، من ضمنها الزراعة والصناعة، والشيء الجيّد جداً هو إيراد القطاعات المُنتجة كمرتكزات أساسية في الاقتصاد اللبناني، وهذا منحى جيّد يسفّه الفكر الذي يدعو إلى تخصّص لبنان في الخدمات السياحية والمصرفية فقط وإهمال القطاعات المُنتجة خلال المراحل الماضية، ما أدّى إلى الوضع القائم.
ولكن على أهمّية هذا المنحى باتجاه القطاعات المُنتجة. توجد ملاحظات كثيرة. فالمُستهدفات (وجود فعل)، وهو فعل يرتبط بالإرادة، أي توفير الإمكانية أو القدرة. والإرادة بدورها تتبلور من خلال الفكر، وبالتالي لتحديد المستهدفات نحن بحاجة إلى التالي:
1- الفكر الاقتصادي، أو ما يعبّر عنه بنموذج التنمية الاقتصادية، الذي يجب أن يُتّبَع ليؤدّي إلى نتائج مُحدّدة، هي المُستهدفات. وهذا ما خلا منه تقرير «ماكينزي».
2- الإرادة، التي تمتلك الإمكانية، وإذا افترضنا توافر الإرادة في الدولة اللبنانية، فأي إمكانيات تمتلكها لتوظّفها بنمطٍ معيّن من الإنتاج، وخصوصاً مصادر التمويل؟
3- السبل المُتّبعة أو الأساليب. يذكر التقرير ملخّص التحليل، ولكن لا نعرف ما هي سبل هذا التحليل وأساليبه التي اتُّبعت، والتي على أساسها تمّ التوصل إلى الاستهدافات المطروحة للأعوام 2025-2035؟ أي نماذج تقديرية استخدمت؟ وما هي منطلقاتها؟
في هذا الجانب، لم أجد «المُستهدفات» في الشكل المعروض للتقرير، وفي أحسن الأحوال، لم يرد سوى أحلام أو أمنيات، أشاركهم فيها. فحبّذا أن نمتلك المتطلّبات والمقدرة ونموذج التنمية المنشود وصولاً إلى هذه المُستهدفات. ولكن المستقبل لا يُبنى بالأمنيات.
مرّة أخرى، لا يذكر تقرير «ماكينزي» أي نموذج اقتصادي تنموي يقترحه كي نخلق التراكم الرأسمالي في القطاعات المُنتجة وننتج القيمة المضافة القادرة على التطوّر والتوسّع، وأي أقطاب صناعية نبنيها وكيف، حتى تنداح وتنتشر. وأكتفي بالتذكير أن التاريخ الاقتصادي لتطوّر الغرب بنى تراكمه الرأسمالي من خلال ثروات الدول النامية، عبر المرحلة الاستعمارية ومرحلة التبعية، ولا يزال يستحوذ على معظم ثرواتها من خلال الهيمنة الراهنة، فهل لبلدنا لبنان المقدرة التمويلية والفنية والبشرية لإحداث هذا التراكم عبر عوامل الدفع الذاتية؟

ديون وضرائب وخفض أجور وخصخصة
يقدّم تقرير «ماكينزي» تحليلاً تقنياً للقطاعات وإمكانيات دعم التطلّعات في إطار جزئي مفصّل، مُقدّماً بعض نواحي الإمكانيات. وينتهي إلى تقديم ما يُسمّيه «مشاريع رائدة»، تتمركز حول السياحة والتكنولوجيا والرقمنة.
كما ذكرت في البداية، لن أناقش في المنحى التقني، لأنني أنطلق من منظور اقتصادي تنموي، إلّا أن كثافة هذا المنحى في التقرير، وما يحويه من جوانب هندسية وتكنولوجية وجانب إداري اجتهادي لبعض الأعمال، تفرض تناول موضوعات أساسية هامّة، وردت في هذا التقرير، تشكّل مفاصل رئيسة حاملة للمنحى التقني الذي غرق به هذا التقرير.
يعطي التقرير إشارات إلى بعض مصادر التمويل: القروض والإيداعات والضرائب وخفض الأجور (الصفحات 125-126 من النسخة العربية)، وكذلك الخصخصة. وذلك ضمن عوامل التمكين. ولا بدّ هنا من عرض الملاحظات على هذه المفردات.
- القروض والديون: هي من معضلات لبنان الاقتصادية الأساسية. يمكن أن تشكّل القروض عوامل إيجابية إن هي أُنفقت إنفاقاً استثمارياً، أي أن توظّف في قطاعات تستطيع أن تنتج قيمة مضافة، أو بمعنى آخر، قادرة على إحداث دورة رأس المال وما يرافقه من تشغيل للأيدي العاملة، وإنتاج القيمة المُضافة القادرة على تسديد خدمة الدَّيْن العام بالإضافة إلى أصل الدَّيْن والقروض. ولكن القروض تتحوّل إلى عبء مُضاف إن هي أنفِقت إنفاقاً استهلاكياً، وتعرّضت أيضاً للتبديد من خلال الفساد، وهذا ما حصل تقريباً مع مجمل القروض، وأدخل لبنان في نفق المديونية، التي تعتبر أهمّ تحدٍ يواجه أيّة خطّة تنموية في لبنان. والتقرير لم يتطرّق مُطلقاً لكيفية التعامل مع هذا التحدّي، بل هو يزيد الوضع بِلّة عندما يؤكّد على القروض كأحد مصادر التمويل.
- الضرائب وخفض الرواتب: القراءة القاصرة للمستوى المعيشي لسكّان لبنان تفرز إجراءات كهذه كمداخل للتمكين، ولم يعطِ التقرير أي أهمّية لما يمكن أن يحدث ويزيد وضع المواطن بؤساً في ظل التضخّم والبطالة وانخفاض الأجور والضرائب... إلخ.
- الخصخصة: هل بقي قطاع مُفيد للسكّان اللبنانيين ضمن القطاع العام لم يخصخص؟

دعم وحماية أم تحرير كلّي للتجارة؟
ضمن محور التمكين أيضاً، يتناول التقرير بعض المنافذ المُعزِّزة، فهو يطرح أحياناً إمكانيات الدعم والحماية، وفي الوقت نفسه يبحث عن المنافذ الخارجية عبر منظّمة التجارة العالمية.
يعبّر ذلك عن تناقض واضح، لم يعطَ العناية والتفحّص. فمنظّمة التجارة العالمية (WTO)، في قوانينها وشروطها، تفرض إزالة أي دعم وحماية من الدولة للقطاعات الاقتصادية، كما تعمل على إنهاء دور الدولة الاقتصادي. ولبنان مرشّح لعضوية منظّمة التجارة العالمية (الآن هو عضو مُراقب)، ويسير بخطط التكيّف الهيكلي وشروط المنظّمة في فتح الأسواق وإطلاقها. وبرأيي إن هذه المرحلة، وفقاً لوضع لبنان الاقتصادي، لا تؤهّله لعضوية المنظّمة، بل تُلحِق به الضرر أكثر من الفوائد (لتفصيل ذلك راجع كتابنا: «لبنان أمام عضوية منظّمة التجارة العالمية»- الصادر عام 2018).

هل فازت الشركات اللبنانية بمناقصات إعمار سوريا وحُسم الأمر؟
يستفيض تقرير «ماكينزي» بالشرح التقني والهندسي حول الصناعة اللبنانية، ولكنّه يركّز مجمل شرحه على باب إعادة إعمار سوريا.
إن اعتبار الصناعة والزراعة، كقطاعات مُنتجة، هي ركائز في الاقتصاد اللبناني، يُعدّ من النقاط المضيئة في تقرير «ماكينزي»، إلّا أن سياق التقرير لا يدلّ على الذهاب نحو معالجة وضع الصناعة اللبنانية برؤية شمولية تستنهض وضعها، بل يتناولها من باب إعادة إعمار سوريا. والشيء الغريب أن هذا التقرير لا يستفيض في شرح المشاريع الموجّهة نحو إعمار سوريا فقط، بل يتناول أيضاً جوانب تخصّ الاقتصاد السوري وتوزيعه الجغرافي. وهو بكل بساطة، يتعامل كما لو أن مشاريع إعادة إعمار سوريا قد جرى إقرار مناقصاتها للشركات اللبنانية وحُسِم الأمر.
إن «السياسة اقتصاد مكثّف»، ومصداقية هذه المقولة ثابتة، وبالتالي فإن منحى سياسة الحكومة اللبنانية يذهب بعيداً من واقع سوريا ومنهج نظامها تحت عنوان «النأي بالنفس». فأين هي المقدّمات التي ستؤهّل الشركات اللبنانية للانخراط في إعادة إعمار سوريا؟

تغييب الكهرباء كعامل حيوي
تحت عنوان البنى التحتية (ص 236)، لم يجرِ التطرّق إلى أهمّ مفصل في البنية التحتية الارتكازية (الكهرباء). علماً أن الطاقة هي العامل الحيوي في كلّ النشاطات الاقتصادية وفي حياة السكّان، وهي تشكّل معضلة أساسية في لبنان، إذ تمّ إنفاق أكثر من 35 مليار دولار على الكهرباء، ولا تزال عاجزة. ألا يستحقّ هذا العامل الحيوي أن يتناوله التقرير ولو من باب الإشارة إلى الأهمّية التي يحملها وسبل معالجتها ومُقترحات لكيفية المعالجة؟

دولة ضمن الدولة
يطرح تقرير «ماكينزي» كآلية للتنفيذ (ص 145) استحداث تركيب إداري خاصّ لتنفيذ البرامج التي يقترحها؟ في الوقت نفسه، يطرح التقرير على الحكومة اللبنانية وقف التوظيف وخفض الرواتب.
أمر عجيب، أليس الأحرى أن يعالج التقرير كيفية تفعيل مؤسّسات الدولة بدلاً من استحداث تركيب إداري يبدو كدولة ضمن الدولة؟

لدينا الكفاءات العالية، فلماذا نحتاج إلى «ماكينزي»؟
هذه ليست إلّا ملاحظات علمية على دراسة حسناً فعلوا في «ماكينزي» أن سمّوها «رؤية». لأنها بهذا السياق لا يمكن أن ترقى إلى مستوى «برنامج إصلاحي اقتصادي» ولا إلى «خطّة»، ولكن يجب الاعتراف أن «رؤية ماكينزي»، بما أوردته من كثافة معرفية وبيانية تشكّل مصدر استرشاد مهمّاً للشروع بأيّ برنامج يهدف لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية.
وفي هذا السياق، أود أن أشير إلى موضوع مهمّ، تردّدت كثيراً في مسألة طرحه، ولم أستطع تجاوزه، وفرض عليّ حرص المهابة أمام رجال العلم والفِكر في بلدي أن أورده هنا على الشكل التالي:
لا أعرف مدى صحّة ما يقال عن أن تكاليف إعداد تقرير «ماكينزي» قد بلغت نحو المليون ونصف المليون دولار. في حال صحّة ذلك، فإن المقارنة التالية تبيّن مقصدي.
عام 2005، تأسّست «الجمعية اللبنانية للاقتصاد»، وهي لم تستطع أن تتابع نشاطها، وتلاشى فعلها نهائياً، وكان ذلك نتيجة عدم امتلاكها أي إمكانيات مادية تمويلية، ولم يقدّم لها قرش واحد لدعمها من السلطات اللبنانية المعنيّة.
هذه الجمعية كانت تجمع نخبة من كبار الاقتصاديين اللبنانيين، فلو منحت جمعيتهم ربع ما أنفق على تقرير «ماكينزي»، لكان هؤلاء الاقتصاديون اللبنانيون قادرين على تقديم برنامج اقتصادي إصلاحي أكثر وأوسع وأرقى وأدقّ علمياً، بمرّات عدّة، مما هو موجود الآن في تقرير «ماكينزي». يكفي أن أشير إلى بعض من ضمّته تلك الجمعية كأمثلة شاهدة: د.الياس سابا (رئيس الجمعية)، د.شربل نحاس (عضو الهيئة الإدارية)، د.كمال حمدان (عضو الهيئة الإدارية)، د.نجيب عيسى (عضو الهيئة الإدارية)، د.محمد كاظم المهاجر (عضو الهيئة الإدارية)، وغيرنا كثير من أصحاب الكفاءة العلمية الاقتصادية والمالية العالية، مثل د.جورج قرم، ود.إيلي يشوعي... أليس من الواجب إيجاد العلّة المادية من قِبَل السلطات المعنية لوضع كلّ الإمكانيات الفكرية في سياق واجبها الوطني.
--
ما لم يتناوله تقرير «ماكينزي»
على الرغم من أهمّية بعض الموضوعات، فقد أغفلها تقرير «ماكينزي» تماماً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

الفساد
وردت إشارة عابرة إلى «الفساد» ضمن سياق التشخيص، علماً أن هذه الظاهرة تُشكّل الحلقة المركزية الأساسية لأي عملية إصلاح اقتصادي. إننا ننظر إلى «الفساد» من المنظور الفلسفي والمنطقي: فالفساد (عرض) ووجود العرض يجب أن يكون له (حامل). طبعاً، ما يوجد بحدّ ذاته هو الجوهر، لكن العرض يحتاج إلى حامل، ويؤشّر التحليل إلى أن الحامل هو ضعف مؤسّسات الدولة والتراخي في التنفيذ الصارم للقوانين والأنظمة.
هذا يشكّل العلّة المادية لوجود الفساد، فما هي علّة التحريك؟ طبعاً، إن علّة التحريك هي الفاسدون في موقع السلطة والمسؤولية. ومرّة أخرى يدور هذا العرض، بعد استكمال علّته المادية وعلّته المُحرِّكة، ليشكّل هو بذاته العلّة المادية لإفشال أية عملية إصلاحية تنموية اقتصادية، من خلال التبديد ونهب المال العام. ومن هنا نرى أن الحلقة المركزية الأساسية للشروع في أي برنامج إصلاحي اقتصادي يجب أن يبدأ ليس فقط من محاربة الفساد، وإنما اجتثاث الفساد واجتثاث علّته المادية وعلّته المُحرِّكة. ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، نجاح أي إجراء إصلاحي من دون ذلك.

النظام النقدي
لم يتناول تقرير «ماكينزي»، ولا بكلمة واحدة، إصلاح النظام النقدي في لبنان، على الرغم من تعرضه للسياسات النقدية والمالية. ألا يستحق إصلاح النظام النقدي المزدوج في لبنان وتباين أسعار الفائدة بين العملة المحلّية والأجنبية وتكاليف ربط الليرة بالدولار وغيرها من موضوعات، أن يشملها الفحص والتحليل في معرض وضع برنامج تنموي إصلاحي؟

الدَّيْن العام
أمام المأزق الذي يشكّله عبء خدمة الدَّيْن العام الضخم (يبلغ نحو 6 مليارات دولار سنوياً) عدا عبء أصل الدَّيْن المُتراكم، ألا يقع «الدَّيْن العام» ضمن الحلقات الأساسية التي تتطلّب المعالجة؟ وهل يجوز إغفاله ببساطة في معرض الكلام عن التنمية والتطوّر؟

النفط والغاز
طالما أن تقرير «ماكينزي» تناول في متنه تقديرات لقطاعات الاقتصاد اللبناني، وبمناحٍ استشرافية وصلت إلى عام 2035، فهل يمكن تصوّر أننا نضع تقديرات مستقبلية ورقمية من دون أن نتناول موضوع النفط واستخدام عوائد النفط المُحتملة بعد سنوات قليلة، أو على الأقل أن نضع مؤشّرات اقتصادية علمية رصينة، تُرشِد وتُنبِّه إلى ضرورة وضع الضوابط الأساسية، وفق نموذج إنمائي اقتصادي علمي محصّن لاستخدام عوائد النفط المُحتملة، لأنها تشكّل إحدى طاقات الأمل الأساسية بخروج لبنان من نفق التداعي الاقتصادي.

* باحث وكاتب