تهدِّد التغيّرات المناخية بالمزيد من التدهور في القطاع الزراعي في لبنان وخسارة ثروته الحيوانية وأكثر محاصيله إنتاجية وقيمة. هذا ما حذّرت منه دراسة حديثة بعنوان «تقييم المخاطر على القطاعات الزراعية في لبنان للحدّ من مخاطر الكوارث والتكيّف مع تغيّر المناخ»، أعدّها المجلس الوطني للبحوث العلمية بالتعاون مع وزارة الزراعية وبتمويل من منظّمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.

تؤدّي التغيّرات المناخية إلى ارتفاع حدّة المخاطر الطبيعية والمناخية والبيولوجية، التي طالما تعرّض لها لبنان، وازدادت تأثيراتها تدريجاً، في ظلّ غياب استراتيجيات المواجهة للحدّ من آثارها، ومن المتوقّع أن تستمرّ بالتزايد وأن تصبح أكثر حدّة. وتقدّر قيمة الخسائر القصوى التي قد تنجم عنها بنحو 1.4 مليار دولار، وهو ما يساوي حصّة الإنتاج الزراعي من الناتج المحلّي.


يتأثر حوض البحر الأبيض المتوسط راهناً بانخفاض معدّل تساقط الأمطار بنسبة 15% كل عشر سنوات، وهي ظاهرة مستمرّة منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، فيما تتزايد درجات الحرارة السنوية بنحو نصف درجة مئوية كلّ عشر سنوات أيضاً. ووفقاً للدراسة، يؤدّي ذلك إلى تغيّرات في الطقس وأنماط الرياح وكمّية الأمطار والثلوج وأنواع الأحداث المناخية المُحتملة وتواترها، وخصوصاً الفيضانات والحرائق، وينجم عنها عواقب بيئية واقتصادية واجتماعية لا يمكن التنبؤ بها. والزراعة من أكثر القطاعات عرضة للضرر بسبب هذه التغيّرات، نظراً إلى تأثيرها على موارد المياه والأراضي المهدّدة بالتناقص بالتزامن مع ارتفاع النمو السكاني والتحضّر، بالإضافة إلى تأثيراتها في تزايد انتشار الآفات والأمراض التي تهدّد النبات والحيوانات والغابات. إذ إن هناك احتمالات مرتفعة جدّاً بأن تؤثّر برزنامة المحاصيل وتقلّل من إنتاجيتها وتهدّد استمرارية الثروة الحيوانية.

هشاشة القطاعات الزراعية أمام العوامل الطبيعية
تنظر الدراسة في سلسلة من التهديدات التي تطاول الإنتاج النباتي والحيواني والأسماك والغابات المُسجّلة منذ سبعينيات القرن الماضي، والمتوقّع أن تزداد حدّة بفعل التغيّرات المناخية. ووفقاً للبيانات التاريخية التي جُمِّعَت، يتبيّن أن الزراعة شديدة الهشاشة أمام الرياح القوية، إذ إن 89% من الرياح التي تضرب لبنان قادرة على إلحاق الأضرار بهذا القطاع. أمّا القطاع الحيواني، فهو أكثر عرضة لموجات الصقيع، إذ إن 11% منها قادر على إلحاق الخسائر بالحيوانات والمواشي. وأما قطاع الأسماك، فهو أكثر تأثّراً بالعواصف التي تهدّد بالقضاء على معدّات الصيد والقوارب. ووفقاً للبيانات، فإن 9% من العواصف التي يتعرّض لها لبنان عادة تلحق أضراراً بهذا القطاع، وبالوصول إلى الغابات، فإنها أكثر عرضة للحرائق، وهناك 49% منها تسبّب أضراراً كبيرة بها.

الخسائر الاقتصادية قد تساوي قيمة كل الإنتاج الزراعي
تقيس الدراسة الخسائر الاقتصادية المباشرة على المحاصيل والبنية التحتية الزراعية والثروة الحيوانية، وهي تقدّرها على أساس النتائج المرجّحة لتواتر وقوع هذه الظواهر بأقصى حدّتها، وكلّها في الوقت نفسه وعلى مدار السنة، مع إلحاق أكثر الأضرار المُمكنة، بنحو 1.4 مليار دولار، وهو ما يساوي حصّة الإنتاج الزراعي من الناتج المحلّي، علماً أن الفيضانات أكثر الظواهر الطبيعية المسبّبة للأضرار والخسائر.
في المقابل، تقدّر قيمة الخسائر الاقتصادية المباشرة المتوقّعة والمترتبة على القطاع الزراعي عند توزيعها على المحافظات تبعاً لأقصى السيناريوات المتوقّعة لكلّ منطقة، التي يمكن أن تصلها الأضرار، بنحو 606 ملايين دولار، أي نحو نصف حصّة الإنتاج الزراعي من الناتج المحلّي، مع الإشارة إلى أن بعلبك – الهرمل هي أكثر المحافظات ضرراً.
وأيضاً تحدّد الدراسة المعدّل السنوي الوسطي لقيمة الخسائر والأضرار المتوقّع أن تلحق بالقطاعات الزراعية وفقاً لتوزّعها على المواسم بنحو 385 مليون دولار، وهي تستند إلى المعدّل السنوي للخسائر الزراعية منذ سبعينيات القرن الماضي، ويعدّ الشتاء أكثر المواسم ضرراً على الزراعة.
ما هي المحاصيل الأكثر تهديداً؟
يتبيّن أن المحاصيل الموسمية مثل القمح والشعير والبطاطا والبندورة والخيار والخضروات الورقية سجّلت أعلى الخسائر الاقتصادية، وهي أكثر تأثراً بالفيضانات. تغطّي هذه المحاصيل 46% من مجمل الأراضي المزروعة، وتُسهم بنحو 32% من مجمل قيمة المحاصيل المُنتجة، وتشغّل الجزء الأكبر من القوى العاملة الزراعية. وتقدّر الخسائر التي تصيب هذه المحاصيل والمرتبطة بالشتاء بنحو 415 مليون دولار، فيما تسبّب الحرائق وموجات الحرّ أضراراً بقيمة 55 مليون دولار، وتعدّ مناطق بعلبك الهرمل والبقاع وعكار العمود الفقري لهذه الأنواع من المحاصيل التي ترتبط بالأمن الغذائي المباشر للبلاد.
تليها الأشجار المثمرة التي تحتلّ مرتبة متقدّمة لناحية قيمة الخسائر والأضرار المُعرّضة لها نظراً إلى المساحات الواسعة من الأراضي اللبنانية التي تغطّيها وتشكّل 52% من المساحات المزروعة وتضمّ جبل لبنان والجنوب وعكار والشمال وبعلبك الهرمل، فضلاً عن مساهمتها بنحو 46% من مجمل قيمة المحاصيل المُنتجة. إن الأشجار المثمرة، وخصوصاً التوت والتفاح والكرز والخوخ والمشمش، أكثر تأثراً بموجات الحرّ، وتقدّر الخسائر اللاحقة بها بسبب موجات الحرّ بنحو 70 مليون دولار، كذلك فإنها معرّضة للحرائق التي تنجم عنها خسائر بقيمة 45 مليون دولار، ولموجات البرد بخسائر بقيمة 30 مليون، بالإضافة إلى خسائر بقيمة 8 ملايين دولار نتيجة الأمطار الغزيرة. أمّا المواسم الدائمة الأخرى، فهي معرّضة لخسائر بقيمة 37 مليون دولار نتيجة الفيضانات.
أمّا المحاصيل المحمية (الخيم البلاستيكية)، فهي تغطّي 2% من مجمل المساحات المزروعة، وتعدّ الأكثر انتشاراً في الجنوب وعكار وجبل لبنان، وتنمو فيها الخضروات (البندورة والخيار) بنسبة 75%، والزهور بنسبة 25%. تعدّ هذه المحاصيل أكثر تأثراً بالأضرار الناجمة عن انزلاقات الأراضي التي قد تسبّب أضراراً بنحو 25 مليون دولار، فيما تلحق موجات البرد خسائر فيها بقيمة 12 مليون، تليها الفيضانات بقيمة 10 ملايين دولار.
تليها الغابات التي تنتشر النسبة الأكبر منها في جبل لبنان، وهي مهدّدة بالحرائق التي تقدَّر خسائرها بأكثر من 95 مليون دولار، وانهيارات الأراضي المقدّرة خسائرها بنحو 12 ملون دولار، خصوصاً أنها تضرّ الكثير من أشجار الصنوبر التي تعدّ من أكثر المحاصيل قيمة بين المحاصيل الزراعية اللبنانية، والبلوط المُستعمل لإنتاج الفحم، وخلايا النحل التي تدخل في إنتاج العسل.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

أمّا القطاع الحيواني (الدواجن والمواشي والنحل)، فهو يساهم بنحو 21% من مجمل قيمة القطاع الزراعي، ويسجّل أكثر الخسائر في كلّ من جبل لبنان والشمال والجنوب. يعدّ هذا القطاع عرضة لموجات الصقيع بالدرجة الأولى، وتقدّر الخسائر الناجمة عنه بنحو 17 مليون دولار، تليها الفيضانات التي تخلّف خسائر بنحو 13.5 مليون والعواصف والأمطار الغزيرة بقيمة 20 مليون دولار.
إلى ذلك، هناك أضرار مسجّلة لاحقة بقطاع مزارع السمك نتيجة مكامن الضعف التي يواجهها القطاع، وتتمثّل بالصيد الجائر والطرق غير القانونية، مثل استعمال الديناميت ومبيدات الآفات، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع البيئية وتلوّث الأنهر والبحر التي تسبّب الكثير من الأوبئة والأمراض للثروة السمكية. يعدّ هذا القطاع الفرعي عرضة لمخاطر الطقس والعواصف والفيضانات والأمطار الغزيرة التي تؤدّي إلى خسائر في معدّات الصيد والقوارب والشباك وأحواض السمك المنتشرة في بعلبك الهرمل وفي المناطق الساحلية، وتقدّر قيمتها بأكثر من 33 مليون دولار، كما أنه معرّض لمخاطر الصقيع الذي تقدّر الخسائر الناجمة عنها بنحو 17 مليون دولار.


تاريخ من الأضرار والأخطار
1- مخاطر الطقس والمناخ: يسجّل لبنان موجات حرّ عدّة منذ عام 1980، أدّت إلى تلف الكثير من المحاصيل، وخصوصاً الأشجار المثمرة والخضروات الصيفية، مع تراجع نموّها وإنتاجية الأرض. ويعدّ لبنان من البلدان المهدّدة بالجفاف الذي سيؤثّر باستمرارية الحياة النباتية والحيوانية فيه. في الواقع، 56% من مجمل الأراضي المزروعة مروية، وتقدّر الدراسة أن 80% من الخسائر اللاحقة بالقطاعات الزراعية عام 2015 سببها الجفاف، كذلك كان لهذه الظاهرة آثار مضرّة على قطاع الحيوانات، في السابق، إذ عانت من الأوبئة والأمراض وقلّت مناعتها وهاجر الكثير من أصنافها إلى مناطق أخرى. بالإضافة إلى ذلك، خسر لبنان 35% من الغطاء الحرجي الأولي خلال العقود القليلة الماضية، وهو ما أدّى إلى انخفاض غطاء الغابات من 35 إلى 13% بين عامي 1960 و2010، أي بنسبة 22% في خمسين عاماً. وكذلك، هناك أكثر من 75% من الأراضي اللبنانية معرّضة للتصحّر بدرجة عالية أو شديدة، وأكثرها هشاشة هي الشمال والبقاع والجنوب.
2- المخاطر الجيولوجية: إن خطر وقوع الزلازل مرتفع جدّاً في لبنان، وهو ما قد يؤثّر بالبنية التحتية اللازمة للزراعة والريّ والوصول إلى الحقول ويسبّب وفاة المواشي. تشير التقديرات إلى أنه على مدى الأربعين عاماً الماضية كلّفت الانهيارات الأرضية وحركتها نحو 10 إلى 15 مليون دولار سنوياً، وهو رقم مرتفع جدّاً مقارنةً بصغر مساحة لبنان.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

3- المخاطر البيولوجية: للبنان تاريخ مع إصابة المحاصيل والغابات والحيوانات بالأوبئة والجراثيم. على مدار سنوات كبّدت هذه الأخطار القطاعات الزراعية خسائر وصلت إلى ملايين الدولارات. ووفقاً للسجّلات السابقة والممتدّة حتى عام 2017، سجّلت كلّ أنواع الحيوانات (بما فيها النحل) في كلّ المناطق إصابات بأمراض وأوبئة أدّت إلى وفاتها، وكذلك المحاصيل والغابات، وخصوصاً البندورة والصنوبر والأرز، ما أدّى إلى تقييد عملية تصديرها إلى دول الاتحاد الأوروبي.
4- المخاطر الناجمة عن تدخّلات البشر: إن الاستعمالات المفرطة للمواد الكيميائية (الأسمدة والمبيدات)، ورمي النفايات وتسليط الصرف الصحّي على البحيرات ومصبّات الأنهر والبحر، سبّبت أضراراً إيكولوجية كبيرة انعكست على المياه الجوفية وسلامتها، وبالتالي على الثروة السمكية والمحاصيل المروية، وأبرزها البندورة والخيار. ووفقاً لبعض الدراسات، إن بحر لبنان ملوّث بالفوسفات والرصاص التي تمثّل أعلى المخاطر البيئية.
5- الحروب والنزاعات المسلّحة: تقدّر الخسائر الاقتصادية اللاحقة بالزراعة والثروة السمكية والغابات والناتجة من حرب تموز بنحو 280 مليون دولار. كذلك، ألقت الحرب السورية بوزرها على القطاع الزراعي في لبنان نتيجة ارتفاع أسعار تصدير المنتجات والمحاصيل الزراعية بعد إغلاق المعابر مع سوريا، فانخفضت الصادرات الزراعية بنسبة تراوح بين 20 و25%، وارتفعت أسعار المبيدات والبذور التي كان يشتريها المزارعون اللبنانيون من سوريا بأسعار أقل، واضطروا مع اشتداد الحرب السورية إلى شرائها من السوق المحلية بأسعار أعلى.


لماذا تدهور القطاع الزراعي مضرّ؟
لا يُسهم قطاع الزراعة والحراجة والثروة الحيوانية إلا بنسبة 3% من مجمل الناتج المحلّي الإجمالي لعام 2017 (1.4 مليار دولار) وفقاً للبنك الدولي، إلّا أنه يعدّ من القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية لأي بلد، ومساهماً رئيساً في تعزيز أمنه الغذائي والاكتفاء الذاتي لشعبه، وبالتالي تنطوي التهديدات المناخية التي يواجهها هذا القطاع على مخاطر عدّة قد تُنتج المزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إذ إن فقدان جزء مهمّ من الموارد الغذائية المُستهلكة محلّياً من دون وجود بدائل سيدفع حكماً باتجاه استيرادها، أي المزيد من التبعية الاقتصادية للخارج، فضلاً عن عجوزات إضافية في الميزان التجاري سيُسهم فيها أيضاً تراجع الصادرات الزراعية التي تشكّل 19% من مجمل الصادرات اللبنانية. وإلى ذلك، قد يؤدّي تدهور الزراعة إلى زيادة البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية للفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة، إذ لا يزال القطاع الزراعي مصدر عيش نحو 72 ألف أسرة، فهو يشغّل 6% من مجمل القوى العاملة في لبنان، وهذه النسبة تتفاوت بين منطقة وأخرى لتصل إلى 25% من مجمل القوى العاملة في بعض المناطق الريفية التي تُسهم الزراعة في 80% من الناتح المُحقّق فيها.