خفّضت وكالة موديز تصنيف الدَّين اللبناني الأسبوع الماضي. اليوم، بات تصنيف الدين في لبنان Caa1، أي مجرّد «خردة»، وهو ما يعني أن الدَّين بات في مرتبة أقل بكثير من درجة الاستثمار. وتأتي هذه الخطوة بسبب مخاوف موديز المُتزايدة من تخلّف لبنان عن سداد ديونه، والمرتبطة، على الأرجح، بطروحات عن إعادة هيكلة الدَّين من قبل الحكومة اللبنانية.

تتمثّل النتيجة باستمرار الوضعية غير المريحة للاقتصاد اللبناني. فوفقاً لموديز، يعادل الدَّين في لبنان، الآن، 141% من الناتج المحلّي الإجمالي، وتستحوذ كلفة خدمة الدَّين على نصف الإيرادات الحكومية. والنتيجة العملية لهذين المؤشّرين، استمرار العجز الحكومي.
ليس هناك من يدّعي أن هذه القضية ليست خطيرة. فهي كذلك فعلاً. وقد تكون مناسبة لتوقّع مدى قدرة لبنان على خدمة ديونه. لكن بالتوازي مع ذلك، هناك أسئلة من الواجب طرحها حول الاستجابة المحلّية المناسبة لمعالجة هذه المشكلة.
يتمثّل الردّ التقليدي على وضع مماثل باتباع الوصفة المُنبثقة من «إجماع واشنطن»، أي خوض الحكومة في المزيد من سياسات التحرّر، وخصخصة كل ما يمكن خصخصته، وإجراء إصلاحات في جانب العرض، وخفض الضرائب والرسوم أقله حيث يُعتقد أن هذا التخفيض يعزّز التجارة. ويجب علينا جميعاً، بعد تنفيذ كلّ هذه الإجراءات، أن نفترض أن النموّ سيتحقّق حكماً.
أنا لا أقول إن النمو لن يتبع تطبيق هذه السياسات. لكن، عند تجربتها سابقاً، تبيّن أن المشكلة مُزمنة، وأن فرص نجاحها ضئيلة جدّاً، في حين أن هناك حلولاً أخرى يجدر النظر إليها.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

كنت في لبنان، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، للتحدّث في مؤتمر نظّمته الإسكوا حول تمويل أهداف التنمية المستدامة. في العرض الذي قدّمته، ناقشت مسألتين: واحدة عن الفجوة الضريبية، أي الفارق بين الضريبة المستحقّة للدولة إذا كان النظام الضريبي يعمل كما هو مفترض وبين المبلغ المحصّل فعلاً. أمّا المسألة الثانية، فكانت عن التداعيات الضريبية غير المباشرة، وهي التهديدات التي تطاول العائدات الضريبية وتنشأ بين النظم الضريبية وداخلها، إمّا بسبب ضعف تصميم الضرائب، أو بسبب تأثيرات المنافسة الضريبية. ويبدو أن كلا الموضوعين لهما أهمّية خاصّة بالنسبة إلى لبنان في الوقت الراهن.
يمكن تقدير الفجوة الضريبية، بشكل أفضل، من خلال تقدير حجم اقتصاد الظلّ، أي ذلك الجزء من اقتصاد البلد الذي لا يُعلَن لأغراض تنظيمية، سواء كانت اللوائح التي يجري التهرّب منها تتعلّق بالضريبة أو لا تحدث فرقاً يذكر، خصوصاً أن كلّ دخل يُنتج في اقتصاد الظلّ لا تدفع عليه أي ضريبة.
من المعروف أنّ من الصعب تقدير حجم اقتصادات الظلّ. ويعود ذلك طبعاً إلى كون الناشطين في هذا الجزء من الاقتصاد لا يرغبون في تسجيل أنشطتهم. ونتيجة لذلك، كلّ التقديرات حول هذا الجزء من الاقتصاد تستند إلى الآثار التي تلقي بها أنشطته داخل الاقتصاد المُسجّل.
أفضل التقديرات المعروفة حول اقتصاد الظلّ، تلك التي أعدّها الأكاديمي النمساوي فريدريك شنايدر مع زملائه. فيما تبيّن التقديرات الأخيرة التي نشرها صندوق النقد الدولي عام 2018 أن المعدّل الوسطي لاقتصاد الظلّ في لبنان قارب نسبة 31.58% من الناتج المحلّي الإجمالي، بين عامي 1991 و2015، وقد يكون أقل بقليل من 30% الآن. ومع ذلك، يضيف شنايدر ملاحظة حول عمله عن لبنان بوصفه موطناً لكثير من اللاجئين، مشيراً إلى أن اقتصاد الظلّ الحقيقي قد يكون أكبر من هذا الرقم لأن اللاجئين المقيمين فيه لا يندمجون في الاقتصاد المُعلن.
يشير البنك الدولي إلى أن لبنان يجمع 14% من إجمالي الناتج المحلّي الإجمالي من الضرائب. لكن بما أن هذه النسبة لا تشكّل سوى المبلغ المدفوع على 70% من الناتج المحلّي الإجمالي المُعلن للسلطات الضريبية، فإن المعدّل على المبالغ الفعلية المُعلنة قد يصل إلى 20%. وفي حال تطبيق المعدّل نفسه على اقتصاد الظلّ المقدّر بـ30%، هناك 6% من الناتج المحلّي الإجمالي إضافية ستُزاد عبر الضرائب. وبما أن كلفة خدمة الدَّين العام تستحوذ على نصف نفقات الحكومة، وهو ما يشكّل 7% من الناتج المحلّي الإجمالي، فمن الواضح أن المشكلة التي يواجهها لبنان في خدمة ديونه يمكن الانتهاء منها إلى حدّ كبير إذا تمكّن من سدّ الفجوة الضريبية.
قول ذلك أسهل من تنفيذه، بطبيعة الحال. لكن حتى وقت قريب، لم يكن هناك أي منهجية راسخة لمساعدة أي حكومة في إيجاد طريقة لتحقيق هذا الهدف على أساس منتظم. ولهذا السبب، طلبت أوكسفام مني ومن البروفيسور أندرو بيكر من جامعة شيفيلد بحثَ هذه المسألة.
في الواقع، تطرّقنا إلى النهج الذي اقترحه صندوق النقد الدولي بشأن الآثار الضريبية وتداعياتها غير المباشرة، التي سعوا لاستخدامها لقياس الخسائر الضريبية الناتجة من المنافسة الضريبية الدولية على ضريبة الشركات. أعجبنا بما فعله صندوق النقد الدولي، ولكننا وجدنا فيه بعض المشكلات، بدءاً من نطاقه المحدود للغاية، والآثار الضريبية المحلّية والدولية التي تؤثّر في كلّ الضرائب، وصولاً إلى أن البيانات المُتاحة غير كافية في كثير من الحالات بما يسمح باستخدام هذه المقاربة. ونتيجة لذلك، اقترحنا طريقة مختلفة، وأقترح أن يستخدمها لبنان.
طريقتنا نوعية وليست كمّية. ويمكن أن يستخدمها خبراء الضرائب داخل البلد وخارجه، بعد أن طوّر معارف خاصّة حول طريقة عمل نظامه الضريبي. تفترض هذه الطريقة أنه لا ينبغي للضريبة من حيث تصميمها، أن تلحق ضرراً بضرائب أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي لأي بلد أن يضرّ بالنظام الضريبي لبلد آخر.
يقيس هذا النهج المخاطر الضريبية بين الضرائب الرئيسية (أبرزها ضرائب الدخل، والضرائب على أرباح الشركات، والضرائب على الأرباح الرأسمالية ومكاسب رأس المال، مع الإشارة إلى أن الظروف الوضعية والمحلّية قد تفرض إدراج ضرائب أخرى مناسبة) والمخاطر التي تلقي بها بعضها على البعض. ونقترح أيضاً تقييم أنظمة الضرائب وإدارة الشركات، وكذلك موقف النظام السياسي من تحصيل الضرائب، وتأثيرات الاتفاقيات الدولية على البلد.
ولتقديم بعض الأمثلة البسيطة، من الواضح أن أي دولة توفّر السرّية للشركات، تشجّع اقتصاد الظلّ، لأن أحداً لن يعرف من وراء هذه الشركات ومن يستخدمها. وبالتالي، هي تقوّض آلية تحصيل الضرائب عبر تعميم الفشل في اقتطاع الضريبة من المصدر. فضلاً عن أن ضعف الاستثمار في تمكين السلطات الضريبية يقوّض عملية تحصيل الضرائب. على الصعيد الدولي، تشكّل الملاذات الضريبية تهديداً دائماً للأنظمة الضريبية، وبالتالي، إن تأمين البيانات منها أمر أساسي، لا بل ضروري، لتوفير الموارد واستخدام البيانات.
من هنا، نرى أن الدولة التي تجري تقييماً للتداعيات الضريبية غير المباشرة تساهم بحلّ كل مشكلاتها الاقتصادية. لكن بطبيعة الحال، لن يكون ذلك إلّا مجرّد توقّع غير واقعي. ومع ذلك، في ظلّ غياب أي مقاربة منهجية أخرى لتحديد مخاطر الضرائب وطرق معالجتها، نعتقد أن منهجيتنا المُقترحة يمكن أن تكون خياراً للبنان.
في الحقيقة، إن إجراءات التقشّف التي يقترحها «إجماع واشنطن»، لبلد يواجه خطر التخلّف عن السداد، من غير المرجّح أن تكون فعّالة في لبنان. بل هناك حاجة إلى طرق أخرى لإعادة التوازن إلى مالية الحكومة، وتشكّل معالجة الفجوة الضريبية طريقة من الطرق، في حين أن تقييم التداعيات الضريبية غير المباشرة يوضح كيفية تحقيق ذلك.
ألا يحتاج لبنان أقلّه إلى تجربة هذا البديل في ضوء القضايا التي يواجهها؟

ملاحظة: سينشر «الاقتصاد السياسي للآثار الضريبية: إطار جديد متعدّد الأطراف» الذي أعدّه أندرو بيكر وريتشارد مورفي، قريباً من قبل «Global Policy»، وسيكون متوافراً مجاناً للتحميل، بحيث تمكن مناقشته مع أوراقه الملحقة، التي تشرح كيف يمكن إجراء تقييم للتداعيات الضريبية غير المباشرة.
للاتصال: ريتشارد مورفي: [email protected] - أندور بيكر: [email protected]

* أستاذ في الاقتصاد السياسي الدولي، سيتي، جامعة لندن