1

في إطار النقاش حول «تشريع الضرورة»، تبرز فكرة توكيل حكومة تصريف الأعمال مسؤولية بتّ مشروع الموازنة وتحويله إلى مجلس النواب، بما هو مُغاير للدستور. فما هي أهمّية الموازنة في توجيه السياسات العامّة، وهل منهجيّة إعدادها في لبنان تسمح لها بأداء دورها؟

2

لمجلس النواب عقدان في السنة. الأوّل من 15 آذار/ مارس إلى 30 حزيران/ يونيو مخصّص للسياسات العامّة، والثاني من 15 تشرين الأول/ أكتوبر إلى 31 كانون الأول/ ديسمبر مخصص لمناقشة مشروع الموازنة وإصدار قانونها (مادة 32 من الدستور). وتنص المادة 82 من الدستور على أن تحيل الحكومة إلى مجلس النواب مشروع الموازنة للسنة المقبلة 2020، في بداية العقد الثاني لمجلس النواب، أي 15 تشرين الأول/ أكتوبر من السنة الجارية 2019. وعلى مشروع الموازنة هذا أن يكون مصحوباً (مادة 87 من الدستور) ببيان الحسابات، أو ما يُسمّى «قطع الحساب» و«حساب المهمّة»، لتوثيق نفقات السنة المالية السابقة المُكتمِلة عمليّاتها، أي 2018. ذلك يسمح بإصدار قانون الموازنة ونشره في الجريدة الرسمية قبل 31 كانون الثاني/ يناير 2019، ما يمكِّن الحكومة من الجباية وعقد النفقات مع بداية كانون الثاني/ يناير من عام 2020.
3

فأين الممارسة من نصّ الدستور؟ في الواقع لم تمتثل الدولة لأيّ من إملاءات الدستور هذه منذ أربعة عشر عاماً إذ يعود صدور آخر قانون موازنة إلى عام 2005 - وهي بداية فترة اضطرابات سياسية لم يَعْقِد فيها البرلمان جلسات. (والحق يقال بأن وزارة المالية واظبت منذ 2006 على إعداد الموازنات التي أقرّها مجلس الوزراء وأحالها، وإن كان خارج المواعيد الدستورية، إلى البرلمان الذي لم يبتّ فيها. ويعود آخر بيان للحسابات المقدّمة للبرلمان إلى عام 2003. أما الحديث عمّا سُمِّي «موازنة 2017» التي صدرت في نهاية العام بعد أن عُقِدت نفقات السنة وصُرِفت أموالها، فهو من البراعة الكلامية ما يستحق التنويه، وأشبه باستدعاء الطبيب الشرعي إلى فراش المريض!
4

إن إقرار مشروع قانون الموازنة وتحويله إلى مجلس النواب ضمن المهل الدستورية لإصداره بقانون هو من أهم مسؤوليات مجلس الوزراء، إن لم يكن الأهم. فبالإضافة إلى بعدها المزدوج من الناحية المحاسبية والائتمانية، ودورها في إدارة المال العام وتحسين التصرّف به، تشكّل الموازنة أداة رئيسية وفاعلة تمكّن الحكومة من التأثير على الخيارات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، ليس فقط للسنة المالية الجارية، بل على المدى المتوسط عبر تجسيد التوجّهات الاقتصادية والاجتماعية والمالية الأساسية للحكومة، وخصوصاً في لبنان حيث ترِد مجمل التغييرات الضريبية في سياق الموازنات العامّة. لذا فالحديث القائم حالياً حول «تشريع الضرورة» وإعطاء حكومة تصريف أعمال – أي مستقيلة وفاقدة صلاحية إقرار مشاريع القوانين – مسؤولية بتّ مشروع الموازنة وتحويله إلى مجلس النواب، يشكّل ازدراءً لما تبقّى من مفهوم الدستور، الذي غدا للبعض وجهة نظر. فعجباً لموازنة تغدو تشريع ضرورة في ظلّ فراغ حكومي في دولة أحجمت عن إصدار الموازنات على مدى عقد ونصف عقد في عهد حكومات كاملة الصلاحية!
5

في واقعِ لبنان، يفتقر مفهوم الموازنة إلى سمة أساسية من مبادئ الممارسة الجيدة، إذ هي لا تعكس الرؤية الاقتصادية للحكومة. فنادراً ما أثارت مشاريع الموازنة التمحيص الموضوعي المطلوب، لأن فلسفة ممارسة السلطة في لبنان تحصر المناقشات في موضوع تخصيص الاعتمادات لمشاريع معيّنة أو مناطق معينة يفضّلها هذا الطرف أو ذاك، كما قلّ ما تتطرّق إلى ملاءمة التغييرات الضريبية المطروحة إلا لمدى تأثيرها على مصلحة هذه الفئة أو تلك. وعلى الرغم من بعض التحسينات التي طالت إعداد الموازنة – مثلاً لمحاولة توسيع شموليتها لعدد من مؤسّسات الدولة بالإضافة إلى الوزارات – لا تزال هناك أوجه ضعف وخلل في إعداد الموازنة، خصوصاً في ما يتعلّق بنوعية الإنفاق وبنوده، إذ هو لا يوفّر الحصة الكافية للاستثمار في المشاريع الإنشائية من طاقة ونقل ومياه وصرف صحّي، المهملة لصالح النفقات الجارية، أي الأجور والتحويلات والدعم، ناهيك عن كلفة الفوائد على الدين العام. ولم يتعدَّ الإنفاق الاستثماري عبر العقدين المنصرمين 10% من النفقات العامّة، ما يوازي 3% من الناتج المحلي مقابل ما بين معدل 7 إلى 10% للدول الناشئة.
6

فما هي مكامن الضعف في منهجية الموازنة في لبنان؟ إن معطيات وهشاشة المالية العامّة في لبنان اليوم تفرض إعداد الموازنة انطلاقاً من معيار أساسي ينبغي أن يشكّل «مرساة» السياسة المالية، ويتمثّل في الحدّ من عجز الخزينة وتوأمه الدين العام، المتناميين من دون هوادة. لذا، على الحكومة بادئ ذي بدء أن تتّخذ قراراً بتحديد مستوى العجز كنسبة مئوية من الناتج المحلي. (على سبيل المقارنة، حُدّدت هذه النسبة في معاهدة «ماستريخت» لدول منطقة اليورو بـ3%، على ألّا يتعدّى حجم الدين العام 60% من الناتج المحلّي). عندها، يشكّل مجموع: (1) مستوى العجز الذي حدّدته الحكومة؛ و (2) الإيرادات المتوقّعة، مجموع السقف الأعلى للنفقات المتاحة في الموازنة. فلن تموّل أية نفقات خارج هذا السقف إلّا عبر إيرادات جديدة، وليس من خلال اتّساعِ العجز كما هو مألوف في لبنان، وكما هو بيِّن في «موازنة» 2017 على الرغم من الزيادات الضريبية التي في طيِّها.
7

إن الموازنة هي حلّ وسطي نتيجة تسويات بين مطالب مختلف الوزارات والمناطق، واحتياجات شتّى القطاعات ونشاطات الأمّة، من الخدمات الاجتماعية إلى البنية التحتية والتربية والأمن، وهي قيود حقيقية تقلّص إلى درجة ما من المرونة والفعالية الاقتصادية في تخصيص الأموال العامّة. على الرغم من ذلك، إن تخصيص الإنفاق يجب أن يستند ما أمكن إلى معايير موضوعية، ويحدّ من النفقات الجارية التي خرجت عن السيطرة في لبنان بسبب النمو الجامح للتوظيف غير المنتج، نتيجة حشد الزبائن في القطاع العام في ظلّ فساد مستشر وفي غياب قوانين موازنة وتبيان الحسابات والرقابة والمساءلة النيابية. وعليه، من الأساسي أن تأخذ الموازنة في الاعتبار الاحتياجات التمويلية لقطاعات البنية التحتية المتداعية وقد غدت من دون الطاقة الكافية لتلبية حاجات المواطن، ولمواكبة النشاط الاقتصادي ما يشكّل عقبة رئيسية أمام النمو. لذا، من الحيوي تعزيز الإنفاق الاستثماري وإدماجه في خطّة إنمائية تعيد تأهيل المرافق الأساسية وتحدّد الأولويات وتخصّص الأموال العامّة على أساس معايير شفّافة وليس نتيجة تحكيم انتهازي بين الأطراف المهيمنة، تستجيب بالإضافة إلى مفهوم مجتزأ «للإنماء المتوازن».
8

بالإضافة، وتبعاً لمعايير المحاسبة الوطنية السليمة، يجب الضمان أن الموازنة هي شاملة من حيث الإيرادات والنفقات، وأنها تغطّي القطاع العام بمجمله، وليس عمليات الخزينة حصراً (أي مختلف الوزارات) وتستبعد الصناديق والمجالس والهيئات وغيرها من المؤسّسات العامّة. ففي بعض الأحيان، تُحجِب الحكومات عن تضمين موازنتها حسابات بعض المؤسّسات العامّة، خصوصاً المتعثّرة منها، بسبب الخوف من أن يؤدّي ذلك إلى إظهار الحجم الحقيقي للعجز. أما القول، في هذا السياق، أن هناك حاجة لبعض المؤسّسات العامّة إلى المرونة المالية والحرّية في التصرّف، لا يمكن أن يكون ذريعة لعدم إدخالها في الموازنة وإخضاعها لرقابة السلطة التشريعية، بغض النظر عن مهمّة هذه المؤسّسات أو مصادر التمويل التي لديها، وإن لم تكن من الخزينة، كقروض المنظّمات الدولية مثلاً. كما تتطلّب مبادئ المحاسبة الوطنية تسجيل النفقات والإيرادات بشكل منفصل كُلّ بقيمتها الإجمالية، وليس بالقيمة الصافية - بطرح النفقات من الإيرادات - للسماح بإجراء تقييم لأداء مختلف مرافِق الدولة وكفاءتها بإدارة شؤونها.
9

كما أن أيّ التزام من جانب القطاع العام الذي قد يؤدّي إلى إنفاق في الحاضر أو المستقبل، يجب أن يُدرج في الموازنة، سواء كان ذا طابع ملموس أو «شبه مالي» كالضمانات مثلاً. وفي هذا السياق، إن الدعم لأسعار الفائدة الذي تقدّمه الحكومة عبر مصرفها المركزي للأنشطة التي ترغب في تحفيزها يجب أن تظهر كنفقات في الموازنة. ذلك يسري أيضاً على التكاليف المرتبطة بإعادة هيكلة المصارف من قبل البنك المركزي، كما على «الهندسات المالية» التي ابتكرها مؤخراً، أياً كان وقعها سواء من حيث الخسارة أو الربح، ذلك أن أيّة تكاليف يتحمّلها البنك تقلّص من أرباحه التي تبعاً لقانون النقد والتسليف يعود 80% منها إلى الخزينة.
10

في لبنان أُقحمت الموازنات السنوية بوابلٍ من التعديلات الضريبية خارج أي إطار مدروس وشامل للإصلاح الضريبي، وهي باختصار، لا تهدف سوى إلى تغذية إيرادات الخزينة. فالخطر أنه يمكن في غضون سنوات قليلة عبر هذه الممارسة التراكمية، تعديل النظام الضريبي بصورة جذريّة من دون أن يكون ذلك هو الهدف المنشود، أو من دون أن يكون أحد على بيِّنة من هذا التغيير. كما أنه غالباً ما تُقرّ الإجراءات الضريبية المحشورة بالموازنة من دون اعتبار لوقعها على الاقتصاد الوطني من حيث الاستثمار، والاستهلاك، والادّخار، والعمالة، والإنتاجية، والتصدير، ناهيك عن ارتداداتها الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، إن زيادة ضريبة القيمة المضافة، وإن كانت مهمّة كمصدر إيرادات، قد تكون غير مواتية لمن يبغي تحفيز النمو من خلال تشجيع الاستهلاك في فترات الركود. كذلك هو الأمر عند فرض رسوم سفر لمن يريد تشجيع السياحة. وفي بعض الأحيان، بدلاً من العمل على تسهيل الإجراءات الضريبية عبر تبسيطها وتوحيدها، تزيد بعض التعديلات صعوبة إدارتها.
11

كي يُكتب النجاح للإصلاحات الضريبية التي يحتاج لها لبنان، يجب مناقشتها وإقرارها بشكل مستقل عن مواعيد الموازنة واستحقاقاتها. وينبغي تطويرها بالتشاور مع ذوي الشأن من هيئات ونقابات وأحزاب بالاقتران، ما أمكن، مع تدابير أخرى كتحسين الخدمات العامّة التي من شأنها أن تجعل أيّة زيادة في الإتاوات أكثر قبولاً وشرعية. وإلّا قد تغدو الإصلاحات الضريبية عرضة للنزاع ورهينة التجاذبات السياسية والاجتماعية، أو تُرفض مباشرة. (لنأخذ على سبيل المثال قرار «موازنة» 2017 برفعِ الرسوم على الفوائد المصرفية من 5 إلى 7%، ونطرح السؤال لماذا أثار القرار سخط المودعين/المكلّفين، علماً أنه تُجبى على الأجور وأرباح الشركات ضرائب بمعدّلات مضاعفة. فمن الأسباب أن القرار اتّخذ خارج إطار إصلاح ضريبة الدخل حيث، في نظام ضريبي عادل، تُضاف الفوائد على الودائعِ المصرفية إلى باقي دخل المكلّف ليخضع المجموع لمعدّل الخصم الذي يطبّق على شريحة الدخل المعنية.

* اقتصادي ومهندس، مستشار سابق في البنك الدولي