لم ينمُ الاقتصاد اللبناني في العام الماضي إلّا بنسبة 0.6%، وفق الحسابات القومية لعام 2017، التي أعلنتها إدارة الإحصاء المركزي أخيراً. هذا المعدّل الهامشي الذي يعادل الركود، كما وصفه تقرير صادر عن قسم البحوث في «بلوم بنك»، هو أقل بأكثر من النصف من التقديرات التي اعتمدها صندوق النقد الدولي (1.5%) والبنك الدولي (1.7%) للعام نفسه. وهو أقل أيضاً من معدّل النموّ المُسجّل في عام 2016 (1.6%) ويقترب من معدل النموّ المحقّق في 2015 (0.4%) الذي يعدّ الأدنى في السنوات الـ13 ماضية. وهو كذلك أقل بكثير من متوسّط النموّ المُسجّل في الفترة التي تتناولها هذه الحسابات (2005-2017) والذي بلغ 4%.

يعكس هذا التقدير المتدنّي لمعدّل النموّ الحقيقي تفاقم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد اللبناني منذ عام 2011. فقد بقي النموّ ضعيفاً على مدى السنوات السبع الماضية، على الرغم من الهندسات المالية المُكلفة والحوافز التي قدّمها مصرف لبنان لتحفيز الإقراض السكني عبر دعم الفوائد وزيادة عرض النقود. ففي السنوات السبع الماضية لم يتجاوز متوسّط النموّ الحقيقي 1.5% سنوياً، وفي المقابل سجّل عدد السكّان زيادة استثنائية بنسبة 40.2%، من 4 ملايين و337 ألف نسمة في عام 2010 إلى 6 ملايين و82 ألف نسمة في عام 2017، وفق تقديرات شعبة السكّان في الأمم المتّحدة. وهذا يعني تقلّصاً في الدخل قياساً إلى عدد السكّان، وتراجعاً في النشاط الاقتصادي والاستثمار، وبالتالي انخفاضاً في خلق الوظائف وزيادة في البطالة والفقر.


تشير التوقّعات في عام 2018 إلى استمرار تراجع النموّ الاقتصادي وتزايد الضغوط، وهو ما تتفق عليه كلّ مصادر البيانات والمؤشّرات، ولا سيّما البنك الدولي، الذي عمد إلى تخفيض توقّعاته للنموّ المُسجّل في هذا العام إلى 1% (على أساس أن الاقتصاد اللبناني سجّل في العام الماضي معدّل نموّ بنسبة 1.7% وليس 0.6% كما بيّنت الحسابات القومية)، وهذا يعني أن هناك احتمال أن يكون النموّ الحقيقي قد سجّل معدّلاً سلبياً في عام 2018، ولا سيّما أن مؤشّر أسعار الاستهلاك الصادر عن إدارة الإحصاء المركزي لشهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5.83% على أساس سنوي، وهو أعلى نسبة ارتفاع منذ عام 2013، ويدلّ على أن الاقتصاد اللبناني قد دخل في مرحلة ركود تضخّمي، إذ ترتفع الأسعار ويتباطأ النموّ في الوقت نفسه، ما يساهم في زيادة حدّة اللامساواة في توزيع الدخل، نظراً إلى زيادة تركّز المكاسب لدى عدد قليل من اللاعبين الاقتصاديين، لا سيّما في مجالات الاستيراد والطلب الاستهلاكي، في حين أن بقية الناس يتمّ استبعادهم وزيادة كلفة معيشتهم.

انخفاض حصّة الفرد من الناتج
قدّرت إدارة الإحصاء المركزي قيمة الناتج المحلّي الإجمالي بالأسعار الجارية في عام 2017 بنحو 80.5 تريليون ليرة (53.4 مليار دولار)، وهو أعلى من تقديرات صندوق النقد الدولي (51.5 مليار دولار) وقريب جدّاً من تقديرات البنك الدولي (53.6 مليار دولار). إلا أن قيمة هذا الناتج بأسعار عام 2010 الثابتة (أي بعد تنزيل أثر التضخّم) تتراجع إلى 64.4 تريليون ليرة (42.7 مليار دولار) وهي أعلى بنسبة 11% فقط عن عام 2010 الأساس (38.4 مليار دولار). وبالاستناد إلى تقديرات نموّ عدد السكّان بين عامي 2010 و2017، فإن حصّة الفرد من مجمل الناتج المحلّي بالأسعار الجارية تراجعت من 8858 دولاراً في عام 2010 إلى 8778 دولاراً في عام 2017، وتراجعت أكثر بأسعار عام 2010 الثابتة، من 8858 دولاراً إلى 7023 دولاراً. وهذا التراجع في حصّة الفرد يصبح أكثر فداحة نظراً إلى حدّة اللامساواة في توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية في لبنان، إذ تفيد البحوث الأخيرة أن الـ10% الأعلى دخلاً يستحوذون وحدهم على 57% من الدخل (WID WORLD)، وهذا يقتصر على اللبنانيين البالغين الذين يصرّحون عن مداخيلهم لدى الدوائر الضريبية في وزارة المال، ولا يشمل «المكتومين»، ولا سيّما العاملين في القطاع غير الرسمي، وكذلك اللاجئين وأكثرية العمّال الأجانب، الذين يصنّفون من الفئات الأكثر فقراً، والذين شكّلوا المصدر الأساسي لزيادة عدد السكّان في الفترة المذكورة.


الاستهلاك 105% من الناتج
تقول إدارة الإحصاء المركزي إن نموّ الناتج المحلّي الإجمالي في عام 2017 كان مدفوعاً بشكل رئيسي بزيادة الإنفاق الاستهلاكي النهائي للأسر، الذي ساهم في معدّل النمو بـ+3.6 نقطة مئوية، ما أدّى إلى زيادة استيراد السلع (مساهمة بـ-2.8 نقطة مئوية)، بسبب ارتفاع الطلب في اقتصاد يعتمد إلى حدّ كبير على الاستيراد من الخارج. وهذه الظاهرة ليست طارئة أو جديدة، بل هي سمّة من سمات النمو الاقتصادي منذ فترة طويلة، إذ تفيد البحوث من مصادر مختلفة أن الاستهلاك وليس الإنتاج هو محرّك النموّ في لبنان. فقد شكّل العجز التجاري (سلع وخدمات) نسبة 25% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال ضمن المتوسّط المُسجّل للفترة من 2010 إلى 2017، وهي أقلّ من النسبة المُسجّلة في عام 2011 (27%)، ولكنّها أعلى من النسبة المُسجّلة في عام 2015 (19%).

وفق الحسابات القومية لعام 2017، ارتفعت واردات السلع والخدمات بالأسعار الحالية من 23.9 مليار دولار إلى 25.9 مليار دولار، في حين تراجعت صادرات السلع والخدمات من 12.9 مليار دولار إلى 12.7 مليار دولار، وبلغ العجز بين الواردات والصادرات نحو 13.2 مليار دولار بالمقارنة مع 11 مليار دولار في عام 2016. إن هذه الزيادة في العجز التجاري تعبّر عن منحى مستمرّ منذ سنوات طويلة، ومصدر رئيس لاستنزاف العملات الصعبة، وهذه النتيجة تدحض الادعاءات المُتكرّرة حالياً عن أن إقرار الزيادات على الأجور ومعاشات التقاعد في إطار سلسلة الرتب والرواتب هي المسؤولة عن زيادة الطلب الاستهلاكي والضغوط التضخّمية، إذ أن هذه الزيادات لم يبدأ تأثيرها فعلياً إلا في عام 2018، كونها أُقرّت في مجلس النواب في أواخر شهر آب/ أغسطس من عام 2017، وبدأ تطبيقها تدرجياً في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام المذكور، وبالتالي يفترض أن يكون أثرها محدوداً على الحسابات القومية لعام 2017.
ارتفع الاستهلاك العامّ والخاصّ بنسبة 4%، من نحو 51.5 مليار دولار في عام 2016 إلى 56 مليار دولار في عام 2017، وارتفعت حصّة الاستهلاك من مجمل الناتج المحلّي من 101% إلى 105%، أي أن الاستهلاك يفوق الدخل المُنتج محلّياً بنحو 2.6 مليار دولار!ً، وهذا المؤشّر يُعبّر عن إحدى السمات الرئيسة للأزمة البنيوية في الاقتصاد اللبناني، والتي يجري اختصارها بمقولة إن المقيمين في لبنان يعيشون بمستوى أعلى من دخلهم.
لا يقتصر حساب الناتج المحلّي الإجمالي على الاستخدامات الاستهلاكية، إذ هناك أيضاً تكوين رأس المال الثابت العامّ والخاصّ، وتبيّن الحسابات القومية أن هذا البند قدّر بنحو 10.6 مليار دولار، ما يعني أن الاقتصاد اللبناني احتاج في عام 2017 إلى نحو 13.2 مليار دولار كدخل إضافي من خارج الاقتصاد المحلّي، وهو ما يعبّر عنه عجز الحساب الجاري (صافي العمليات بين لبنان والخارج) والذي يعتبر أيضاً سمّة رئيسة من سمات الأزمة البنيوية في النموذج الاقتصادي اللبناني، ويفسّر جانباً من الضغوط التي يتعرّض لها، ولا سيّما الضغوط على سعر صرف الليرة.

التعريف الآخر لارتفاع أسعار الفائدة
لا يبيّن الناتج المحلّي الإجمالي، كمقياس تجميعي للإنتاج، إلا إنتاج الوحدات المُقيمة داخل حدود الدولة (بمعزل عن هوية المُنْتجين)، وبالتالي فهو لا يشمل كلّ الأنشطة الإنتاجية للسكّان، التي يتحقّق جزء منها في الخارج، ولا يأخذ في الحسبان الأنشطة الإنتاجية في الدولة، التي يتحقّق جزء منها بواسطة غير المقيمين. يعدّ الدخل القومي أكثر تحديداً للدخل من الناتج المحلّي الإجمالي.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

ويُحتسَب الدخل القومي الإجمالي عبر إضافة صافي الدخل الأولي الخارجي إلى قيمة الناتج المحلّي الإجمالي، أي الدخل الأولي الوارد إلى الدولة من الأفراد غير المُقيمين، ناقصاً الدخل الأولي الصادر عن الدولة إلى غير المُقيمين. ويشمل صافي الدخل الأولي تعويضات العاملين التي تُدفع إلى غير المُقيمين والتي يتلقّاها الاقتصاد، كذلك يشمل الجزء من الدخل الأولي الذي يولّد داخل الدولة ويتّجه إلى وحدات غير مُقيمة، مثل الفائدة التي تدفع إلى الدائنين الخارجيين أو العائدات التي تُدفع لمالكي الأسهم غير المُقيمين. وباختصار، الدخل القومي الإجمالي يساوي (=) قيمة الناتج المحلّي الإجمالي، زائد (+) تعويضات العاملين ودخل الممتلكات من بقية العام، ناقص (-) تعويضات العاملين ودخل الممتلكات إلى بقية العالم. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الحساب لا يشمل التحويلات الخارجية الجارية من الدولة وإليها، ولا سيّما تحويلات المغتربين.
في العام الماضي، وكما في الأعوام السابقة، سجّل صافي الدخل الأوّلي الخارجي قيمة سلبية بلغت 40 مليون دولار بالمقارنة مع 800 مليون دولار في عام 2016، وهذه التقديرات تفيد بأن قيمة الدخل الأوّلي الذي يحقّقه غير المقيمين في لبنان أعلى من قيمة الدخل الأوّلي الذي يحقّقه المُقيمون في الخارج، أو بمعنى أوضح، يأخذ المستثمرون والعاملون في بقية العالم دخلاً أولياً مُحقّقاً في لبنان أكثر من الدخل الأوّلي الذي يأخذه المُقيمون في لبنان من بقية العالم.
انطلاقاً من ذلك، تقدّر إدارة الإحصاء المركزي الدخل القومي الإجمالي بقيمة أقل قليلاً من الناتج المحلّي الإجمالي.
يعيد الخبير الاقتصادي شربل قرداحي تراجع الاستثمارات الخارجية إلى «وقف القروض السكنية المدعومة من قبل مصرف لبنان والتي كان القسم الأكبر منها يوظّف في القطاع العقاري سواء من خلال شراء الوحدات السكنية من قِبل المغتربين أو عبر الاستثمار في مشاريع عقارية»، فيما يفسّر ارتفاع قيمة الدخل المولّد في لبنان لصالح غير المقيمين بـ«ترافق وقف القروض مع بدء ارتفاع أسعار الفائدة الخارجية وأزمة الرئيس الحريري وما تبعهما من هروب للودائع ما دفع إلى رفع أسعار الفائدة لجذب الأموال مجدّداً».

أنقر على الرسم البياني لتكبيره

تقلّص التمويل الخارجي المُتاح للاقتصاد اللبناني
لا يُعبّر الدخل القومي الإجمالي أيضاً عن مجمل الدخل القومي المُتاح للاستخدامات النهائية محلّياً (الاستهلاك وتكوين رأس المال وتمويل العجز التجاري)، وذلك لأن جزءاً منه يحوّل إلى الخارج من دون الحصول على أي شيء في المقابل، كالنقود التي يرسلها غير المُقيمين لإعالة أسر مُقيمة. وهذه التحويلات تُسمّى التحويلات الجارية، وفي الحالة اللبنانية، تأتي بمعظمها من اللبنانيين المغتربين إلى أسرهم المُقيمة في لبنان، وهي، على مرّ السنوات، أعلى من قيمة التحويلات الجارية التي يرسلها الأجانب العاملون في لبنان إلى أسرهم المُقيمة في بلدانهم. إلّا أن الحسابات القومية لعام 2017، تبيّن أن صافي التحويلات من وإلى لبنان بدأ يتراجع بحدّة، وهو ما يفسّر أيضاً جانباً مهمّاً من الضغوط التمويلية للاقتصاد، إذ بيّنت إدارة الإحصاء المركزي أن صافي التحويلات انخفض من 3.4 مليار دولار في عام 2015 إلى 2.4 مليار دولار في عام 2016 ومن ثمّ إلى 1.2 مليار دولار في عام 2017.
أنقر على الرسم البياني لتكبيره

يشرح قرداحي أن هذا يُعدُّ «مؤشّراً إلى تقلّص التمويل الخارجي المُتاح للاقتصاد اللبناني، الذي يعتمد بشكل رئيسي على التحويلات المالية للمغتربين اللبنانين لتمويل استهلاك الأسر، بما يشكّل عامل ضغط إضافياً على الأسر نتيجة زيادة التضخّم وتراجع مصادر تمويل استهلاكها للسلع والخدمات المُستوردة بغالبيتها». ويتابع قرداحي «أيضاً تبيّن نسبة الاستهلاك النهائي العامّ والخاصّ المرتفعة أن الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وارتفاع هذه النسبة تؤكّد أنه بات اقتصاداً أكثر استهلاكياً وأقل إنتاجية، وعاملاً أساسياً في توسّع العجز التجاري الذي ارتفع إلى 25% في عام 2017 وفقاً للإحصاء المركزي».

ارتداد الهندسات المالية على الاقتصاد!
يربط قسم البحوث في «بلوم بنك» أداء الاقتصاد اللبناني الذي يصفه بـ«المهزوز» بـ«تراجع القيمة المضافة لقطاع الخدمات المالية. فبعد أن شهد هذا القطاع نموّاً استثنائياً في عام 2016 نتيجة هندسات مصرف لبنان المالية، ساهم في تعزيز النموّ الاقتصادي بنسبة 1.6%. إلّا أنه لم يتمكّن من الحفاظ على أدائه والأرباح التي حقّقها من الهندسات في عام 2017، ما أدّى إلى تسجيله انخفاضاً بنسبة 6%، وبالتالي المساهمة بنسبة 0.5% في انكماش نموّ الناتج المحلّي الإجمالي الحقيقي»، ويخلص تقرير «بلوم بنك» إلى أن «الهندسات المالية كان لها تأثير مضادّ على الاقتصاد في عام 2017».