«إن الأخطاء الجسيمة التي تعاني منها بيئتنا الاقتصادية تكمن في الفشل في توفير العمل للجميع، وفي التعسّف وانعدام المساواة في توزيع الثروة والمداخيل في المجتمع».

جون ماينار كينز – في أعقاب الانهيار الاقتصادي الكبير في العام 1929

أدّت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية المُعتمدة منذ عام 1993 إلى ضرب القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا القادرة على خلق فرص عمل مُستدامة وكافية لاستيعاب القوى العاملة. فتراجعت حصتا التصنيع والزراعة المتدنية أصلاً، من 19% من الناتج المحلّي في عام 1994 إلى 8.5% في عام 2017 وفق البنك الدولي. فيما طغت المداخيل الريعية في الاقتصاد، والمتأتية من توظيف الأموال في الأوراق المالية وسندات الخزينة وشهادات الإيداع والمضاربات العقارية، على حساب المداخيل المتأتية من العمل الحقيقي.
ومن أبرز مؤشرات طغيان المداخيل الريعية، ازدياد وزن الفوائد نسبة إلى الناتج المحلّي من 11% في بداية التسعينيات إلى 22% حالياً (وفق حسابات عبد الحليم فضل الله)، إلى جانب التضخّم الكبير في أسعار العقارات. بينما انخفضت حصّة مداخيل العمّال من 40% في عام 1992 إلى 25% في عام 2012، قبل التصحيح الأخير للأجور. أضف إلى ذلك، استفحال البطالة عند الشباب ووصولها إلى نحو 35%، وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، وارتفاع حدّة اللامساواة حتّى أصبح لبنان من البلدان الخمسة الأسوأ في العالم لناحية توزيع الثروة. مع ما تعنيه هذه المؤشّرات الخطيرة، لجهة ضرب روحية العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة الديموقراطية الحديثة، دولة الرعاية الاجتماعية.

السياسات الاقتصادية النيوليبرالية
• تقليص دور الدولة وضرب قدراتها المالية: عمدت السلطة التي استلمت زمام الحكم منذ عام 1993 إلى تحجيم الدولة في الاقتصاد وإضعاف قدراتها المالية تمهيداً لخصخصة مرافقها العامّة، انسجاماً مع الأيديولوجية النيوليبرالية. فخفّضت الضرائب على الأرباح بشكل كبير، بحيث لم تعد تتجاوز نسبة 10%، بعد أن كانت تصل إلى 50% في الشطور المرتفعة. وذلك في وقت كانت الدولة بأمسّ الحاجة إلى الإيرادات في مرحلة إعادة الإعمار وتأهيل المرافق العامّة والبنية التحتية التي دمّرتها الحرب!
أدّى ذلك إلى شحّ كبير في الإيرادات الضريبية نسبة إلى الناتج المحلّي، إذ باتت لا تتعدّى نسبة 14% حالياً، وهي من بين المعدّلات الأدنى في العالم. وبالتالي أصبحت الدولة عاجزة عن توفير الخدمات العامّة الأساسية لمواطنيها (كهرباء ومياه وصرف صحي...) وبنية تحتية حديثة يحتاجها أيّ اقتصاد عصري. ويحلّ لبنان اليوم، في المرتبة 113 بين 137 بلداً لناحية نوعية البنية التحتية، أي في أدنى المراتب عالمياً بعد بنغلادش ومالي، أو بمعنى آخر في مصاف البلدان الفاشلة. مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع كلفة الإنتاج (الكهرباء والاتصالات والنقل)، وتراجع تنافسية الإنتاج اللبناني.


• السياسة النقدية: أيضاً، اعتمدت السلطة سياسة نقدية جعلت من تثبيت سعر صرف الليرة الهدف شبه الوحيد لها. وعلى أهمّية استقرار سعر صرف الليرة بعد الانهيارات الكبيرة في قيمتها خلال عقدي الثمانينيات وبداية التسعينيات. إلاّ أنّ هذه السياسة أتت مُكلفة جدّاً، في ظلّ اقتصاد صغير ومفتوح، لناحية حرّية حركة رؤوس الأموال الداخلة والخارجة، وعبء العجزين التوأمين الكبيرين في الموازنة العامّة والميزان التجاري.
وبطبيعة الحال، أدّى ذلك إلى ارتفاع نسبي في معدّلات الفائدة المحلّية نسبة إلى أسعار الفائدة الخارجية لزيادة الطلب على الليرة، واستقطاب الودائع بالعملات الصعبة لتعزيز احتياطي المصرف المركزي. إذ بلغ المعدّل الوسطي للفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية ذات استحقاق السنتين، بين عامي 1993 و2003، نحو 17.5%. بينما بلغ متوسّط الفائدة المدينة، بين عامي 1993 و2017، نحو 13.5% وفق البنك الدولي بالمقارنة مع 9.7% في الأردن و9% في الكيان الإسرائيلي خلال الفترة نفسها.
انعكس ذلك سلباً على القطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة والتكنولوجيا) نتيجة ارتفاع كلفة القروض، وتوجّه الودائع نحو التوظيف في سندات الخزينة وشهادات الإيداع ذات المردود المرتفع نسبياً، من دون بذل أي جهد يذكر. بحيث تشكّل توظيفات المصارف في سندات الخزينة وشهادات الإيداع لدى مصرف لبنان نحو 62% من مجمل توظيفاتها، فيما لا تتجاوز تسليفاتها إلى قطاعي الزراعة والصناعة والخدمات التعليمية الـ 4% من مجمل توظيفاتها وفق مصرف لبنان. أمّا باقي التسليفات فيتوزّع بين التجارة والخدمات والقطاع العقاري الذي استحوذ على حصّة كبيرة من التسليفات إلى القطاع الخاصّ، بالإضافة إلى التسليفات إلى الخارج.
• التحرير المُفرط للتجارة الخارجية: بعد الحرب اللبنانية، حرّر لبنان التجارة الخارجية بشكل كامل وخفّض الرسوم الجمركية بشكل جذري منذ عام 2000، وقد رتّب هذا التحرير المُفرط للتجارة الخارجية أثراً سلبياً كبيراً على قطاعي الصناعة والزراعة. إذ أغرقت الأسواق بالسلع الزراعية والصناعية الجاهزة للاستهلاك، في حين كانت المصلحة الوطنية تقتضي حماية الزراعة والصناعة – مع مراعاة مصلحة المستهلك اللبناني في الوقت نفسه – وخصوصاً بعد انتهاء الحرب التي دمّرت المصانع والمعامل والبنية التحتية، وذلك إسوة بمعظم البلدان في طور التنمية الاقتصادية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يُعرف بالنمور الآسيوية (كوريا وماليزيا وتايلاند...).

التأثيرات على القوى العاملة
انعكست هذه السياسات الاقتصادية النيوليبرالية انخفاضاً كبيراً في حصّة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلّي. ولا سيّما التصنيع (manufacturing) الذي انخفض من 12.7% نسبة إلى الناتج المحلّي في عام 1994 إلى 5% في عام 2017، وفق البنك الدولي، وتراجعت حصّة الزراعة نسبة إلى الناتج المحلّي من 6.5% إلى 3.5% خلال الفترة نفسها. ويفيد نجيب عيسى في كتاب «سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان» أن نسبة العاملين في قطاعي الصناعة والزراعة انخفضت نحو 23% بين عامي 1992 و2009. إذ انخفض عدد العاملين في الصناعة من 182.6 ألف عامل إلى 154.5 ألف بين عامي 1997 و2007، كما انخفض عدد العاملين في الزراعة من 111.8 ألف عامل إلى 80.8 ألف خلال الفترة نفسها. والأخطر من ذلك هو انخفاض مجموع عدد العاملين في جميع القطاعات التي تشمل الزراعة والصناعة والبناء والتجارة والخدمات والنقل والمواصلات والإدارة العامّة والوساطة المالية والتأمين من 1246.2 ألف عامل إلى 1118.4 ألف عامل بين عامي 1997 و2007! وهو ما ينعكس بالتالي ارتفاعاً في مستويات البطالة. فضلاً عن أن 56% من مجموع القوى العاملة الفعلية تعمل في القطاع غير النظامي (وليس بالضرورة غير الشرعي) أي غير الخاضع للمراقبة من السلطات الرسمية كون المؤسّسات غير مُسجّلة في السجل التجاري، وثلث هذه القوى العاملة تعمل بأجر والثلثين لحسابها الخاصّ، وذلك وفقاً لدراسة صادرة عن البنك الدولي في عام 2010. وهو ما يعني أنها قوى عاملة غير محمية بالأطر القانونية والتنظيمية كنظام الضمان الاجتماعية، ولا تستفيد من التأمينات الاجتماعية والصحية.

البطالة والهجرة
إلى ذلك، تشير التقديرات إلى أن نسبة البطالة الفعلية لا تقلّ عن 20%، وذلك من دون احتساب البطالة المحبطة والبطالة المقنّعة، وتصل هذه النسبة إلى 35% لدى الشباب، ما أدّى إلى ارتفاع الهجرة ضمن هذه الفئة، وخصوصاً بين ذوي الكفاءات والتعليم العالي (هجرة الأدمغة). يقدّر عدد المهاجرين بين عامي 1992 و2007 بنحو 466 ألف مهاجر. واللافت أن المعدّل الوسطي السنوي لعدد المهاجرين ارتفع بعد انتهاء الحرب، فبعد أن كان يوازي 12.500 عامل سنوياً بين عامي 1975 و1990، ارتفع إلى 22 ألف عامل بين عامي 1991 و1995 وصولاً إلى 35.700 عامل بين عامي 2002 و2007، وفق الإحصاءات المحدودة المتوافرة. يمكن الزيادة السكانية أن تفسّر جزءاً من زيادة الهجرة، إلّا أن الأوضاع الاقتصادية قد تكحون السبب الرئيسي الأكثر ترجيحاً لذلك.

الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد
في الحصيلة، أقصى تحالف السلطة والمال أكبر وأهمّ شريحة اجتماعية، أي العمّال، ويهدّد هذا التحالف يومياً بوقف سلسلة الرتب والرواتب عنهم. في حين أنه سخّر المال العامّ في مصلحة لوبي الهيئات الاقتصادية والمصارف، عبر الثروات التي راكموها من فوائد الدين العامّ، وتبلغ كلفتها التراكمية نحو 77 مليار دولار بين عامي 1993 و2017، وذلك على حساب تمويل البنية التحتية التي توفّر الخدمات العامّة الأساسية، بما أدّى إلى انهيار المرافق العامّة من كهرباء ومياه وصرف صحي... كما انهيار العقد الاجتماعي الذي يعطي الشرعية للسلطة الحاكمة، بحيث بات لبنان بحاجة ماسّة إلى عقد اجتماعي حقيقي يهدف إلى توفير فرص العمل التي تؤمّن العيش الكريم للمواطنين، وتوفير شبكات الأمان الاجتماعية والتغطية الصحية للجميع.

ويبدأ ذلك، باعتماد نظام ضريبي تصاعدي يحقّق بعضاً من العدالة الاجتماعية ويؤمّن الموارد المالية الكافية لتحديث البنية التحتية وتوفير الخدمات الأساسية. فضلاً عن ضرورة خفض معدّلات الفائدة لتشجيع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية وخفض كلفة الدين العامّ. وكما يقول كينز، يتعيّن على الدولة التدخّل في سبيل خفض معدّلات الفائدة وتحقيق مستوى الاستثمار الأمثل وتوجيهه ضمن خطّة اجتماعية شاملة للاستثمار في سبيل توفير العمل للجميع. وهذا ما فعلته بلدان شرق آسيا (كوريا، تايلاند، ماليزيا)، خلال قفزتها النوعية من اقتصادات فقيرة متخلّفة إلى اقتصادات حديثة ومتقدّمة تنافس كبرى اقتصادات العالم. وأيضاً، لا بدّ من إعادة توزيع عادل للدخل والثروة من خلال هذه الإجراءات وغيرها. وسيكون ذلك ضرورياً، ليس فقط لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، بل من الناحية الاقتصادية أيضاً، وذلك لتعزيز مداخيل العمّال والطبقة الوسطى والفقراء الذين ينفقون غالبية دخلهم، وهو ما يؤدّي إلى رفع الطلب وانتعاش الحركة الاقتصادية، بدلاً من تكديس هذه الثروة في الحسابات المصرفية بحيث لا تقدّم بل ربّما تؤخّر!
في النهاية، لا تكمن المشكلة الأساسية في الحلول الاقتصادية والتقنية، بل في السياسة التي يستطيع من خلالها العمّال والمؤمنون بالتغيير الحقيقي العمل لتغيير ميزان القوى لمصلحتهم كي يتمكّنوا من تحقيق هذه السياسات. وكما يقول روسو في كتاب «العقد الاجتماعي» أنه «يمكن للناس أن يتّحدوا ويديروا الطاقات التي يمتلكونها للحفاظ على كيانهم، وأن يولّدوا بتكتلاتهم قوى يمكنها التغلّب على العقبات والمقاومة، عن طريق تحريك هذه القوى ودفعها إلى العمل والتنسيق سوية».

* أستاذ جامعي، وباحث في الاقتصاد السياسي

المصادر والمراجع

باللغة العربية
ألبر داغر، «لبنان المعاصر: النخبة والخارج وفشل التنمية»، المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، 2017.
باسل البستاني، «الإنسانية في مواجهة النيوليبرالية»، مركز دراسات الوحدة العربية، 2018.
عبد الحليم فضل الله، «فخّ اللامساواة»، دار الفارابي، 2017.
عبد الرؤوف قطيش «ضرائب الدخل على الشركات في لبنان»، دار الخلود، 1991.
فواز طرابلسي، «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان»، دار الساقي، 2015.
مراد دياني، «حرية - مساواة - كرامة إنسانية»،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016.
منصور بطيش، «المالية العامّة، إيرادات الدولة اللبنانية واقع وتطلعات»، دار سائر المشرق، 2017.
مجموعة مؤلفين، «نهوض لبنان، نحو دولة الإنماء»، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، دار النهار، 2016.
نجيب عيسى، «سوق العمل وأزمة التشغيل في لبنان»، دار الفارابي، 2018.
«انتخابات مجلس النواب اللبناني 2018»، الدولية للمعلومات.

باللغة الإنكليزية
Daniel Kaufmann and Pedro Vicente, «Legal Corruption», World Bank, 2005.
Francis Fukuyama, «The Origins of Political Order», Farrar Straus and Giroux, New York, 2011.
Hellman, Jones & Kaufmann, «Seize the State, Seize the Day: State Capture, Corruption, and Influence in Transition», Policy Research Working Paper; No. 2444, World Bank, 2000.
Jean-Jacques Rousseau, «On the Social Contract», translated by G.D.H. Cole, Dover Publications, 2003 .
John Maynard Keynes, «The General Theory of Employment, Interest, And Income», First Harvest/Harcourt Inc, 1964.
Klaus Schwab, «The Global Competiveness Report 2017-2018», World Economic Forum.
Naomi Klein, «The Shock Doctrine», Penguin Books, 2008.
Thomas Piketty, «Capital in the Twenty-First Century», Harvard University Press, 2014.

مواقع إلكترونية
إحصاءات الأمم المتحدة، قاعدة بيانات مؤشرات التنمية المستدامة
موقع بيانات ومؤشرات البنك الدولي
موقع وزارة المالية
موقع مصرف لبنان
إدارة الإحصاء المركزي
موقع صندوق النقد الدولي