لا تمرّ مناسبة لمناقشة مسيرة البترول والغاز في لبنان من دون أن ينبري أحد المسؤولين عن هذا القطاع إلى تكرار المغالطات، التي ترمي إلى تبرير وتغطية الانحرافات التي حصلت حتى الآن. آخر مناسبة كانت في ندوة عُقدت في المجلس النيابي في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، تحت عنوان «نحو رؤية وطنية لقطاع النفط والغاز في لبنان: الأهداف والوسائل»، شارك فيها النائب ياسين جابر ورئيس هيئة إدارة قطاع البترول، والمحاضرون فاروق القاسم وغازي وزني وربيع ياغي وخضر علوش وكاتب هذه الأسطر.

كان من الطبيعي أن يدور النقاش حول أهم مواضيع الساعة، وفي طليعتها شروط دورة التراخيص الجديدة المُرتقبة لمنح حقوق التنقيب والإنتاج، ومشاركة الدولة، ومشاريع القوانين الأربعة قيد الدرس في المجلس النيابي، وعلى رأسها إنشاء شركة نفط وطنية. ولم يكن مستغرَباً أن يحتدم النقاش بشكل خاصّ حول مشاركة الدولة الفعلية في الأنشطة البترولية، نظراً إلى الموقع المحوري الذي تحتلّه هذه المشاركة بين مستلزمات وجود شركة وطنية، وفي العلاقات مع الشركات الأجنبية ومراقبة عمليّاتها وحساباتها، ضمن إطار نظام تقاسم الإنتاج الذي نصّ عليه القانون البترولي 132/2010. يضاف إلى ذلك التناقض القائم حول هذه النقطة الجوهرية بين القانون البترولي والمرسوم 43/2017، الذي شوّه وزوّر القانون، إذ نصّ في المادة 5 على أن الدولة «لن تشارك في جولة التراخيص الأولى»، ما أفضى إلى تلزيم الرقعتين 4 و9 في مطلع هذا العام من دون هذه المشاركة ولو كاحتمال.
منذ أكثر من عشر سنوات، يتولّى المهندس النرويجي من أصل عراقي فاروق القاسم دوراً أساسياً كمستشار في رسم وتنفيذ سياسة البترول والغاز في لبنان. كان لا بدّ من سماع رأيه والتحاور المباشر معه، في الندوة المذكورة، حول الانحرافات والتناقضات المُشار إليها. لا سيّما أن القاسم يعمل (عادة) بعيداً من الأضواء، ومن النادر جدّاً أن يشارك في الندوات أو يظهر في وسائل الإعلام. اللافت أنه فعل ذلك للمرّة الأولى عندما نشر في 13 كانون الثاني/ ديسمبر 2018 مقالاً في «الأخبار» تحت عنوان «تعليقات لتسيير الحوار في قطاع البترول: فلنتأكّد من وجود النفط أوّلاً». وجاء مضمونه بمثابة ردّ على رسالة مفتوحة وجّهها كاتب هذه الأسطر لفخامة رئيس الجمهورية ونشرت في الصحيفة نفسها قبل ذلك بأسبوع واحد، وقد كان هدف الرسالة لفت نظر رئيس الجمهورية إلى مخاطر التدابير المُتّخذة لاستثمار الثروة الموعودة في المياه اللبنانية، بما في ذلك تزوير القانون البترولي، ومنح التأهيل المسبق لشركات مارقة وأخرى وهميّة، لا يتجاوز رأسمال إحداها 1.290 دولاراً... إلخ. وكان مقال القاسم بمثابة تبرير، من دون أيّ تحفظ، لكلّ التدابير التي تمّ اتّخاذها، وبمثابة «ثناء» على المسؤولين عن هذا القطاع وتشجيع لهم للمُضي قدماً على الطريق نفسه.
سبق أن ناقشتُ آراء القاسم في مقال نُشر في «الأخبار» تحت عنوان «البترول والغاز في فخّ تزوير القانون» في 24 شباط/ فبراير 2018. لذلك، سأركّز هنا على موضوع مشاركة الدولة في أنشطة البترول، كونه الموضوع الذي كان له النصيب الأكبر في أعمال ندوة البرلمان الأخيرة. إذ كان لافتاً جداً التغيّر المفاجئ في رأي القاسم حول جدوى وضرورة مشاركة الدولة المباشرة في استثمار البترول والغاز عبر شركة وطنية. وكانت المفاجأة عندما قال القاسم صراحة إنه إذا صمّم لبنان فعلاً على المشاركة، فإنه يتمنّى شخصياً «أن لا تتجاوز هذه المشاركة نسبة 5%»!
هناك أسباب عدّة لوصف هذا التصريح بالمفاجئ، فموقفه الجديد يناقض كلّياً ما كان قد كتبه في مقاله السابق المنشور في «الأخبار»، وفسّر فيه معارضته لمبدأ المشاركة وإنشاء شركة نفط وطنية، ودعا إلى أن يتولّى متعهّد أجنبي التنقيب عن البترول والغاز، وأن تنتظر الدولة حتّى حصول اكتشافات واعدة تكفي لتأمين الإنتاج لمدة عشرين سنة على الأقل، قبل إقرار مشاركتها، بالإضافة إلى شروط تعجيزية واعتباطية أخرى، من نظمه وتلحينه، لا تستند إلى أيّ منطق اقتصادي، ولا وجود لمثيلها في سائر بلدان العالم.
السبب الثاني والأهمّ، هو التناقض التامّ بين ما ينصحُ به لبنان وبين ما تمّ تحقيقه في النرويج، حيث بنى القاسم خبرته وتجربته. ففي حالة لبنان، فهو يتمنّى الآن أن تكون مشاركة الدولة بنسبة 5% فقط لا غير، بعدما كان قد حذّر بشدّة، في مقاله قبل عشرة أشهر، من مساوئ مثل هذه المشاركة. أمّا في حالة النرويج، ففي كتابه «النموذج البترولي النرويجي» (الذي صدرت ترجمته إلى العرببة في الكويت عام 2010 ضمن سلسلة «عالم المعرفة»)، فسّر القاسم بإسهاب الجهود الضخمة التي بذلها هذا البلد لحثّ الشركات الأجنببة على القبول بمشاركة الدولة في الأنشطة البترولية، كما فسّر لماذا وكيف كانت هذه المشاركة عاملاً أساسياً في تدريب الكوادر الوطنية وتطوير الشركة الوطنية «ستاتويل»، التي انطلقت من العدم كي تصبح واحدة من أكبر الشركات العالمية.
هناك تناقض آخر في أقوال القاسم يتعلّق بتحمّل عبء ومخاطر نفقات التنقيب. فقد ادّعى في مقاله السابق في «الأخبار» أنه «يقتضي على الدولة، في حال مشاركتها في الأنشطة البترولية (State Participation) أن تسدّد حصّتها من الاستثمار وتتحمّل مخاطر فقدان هذه المبالغ في حال الفشل» (هكذا حرفياً)! وهذه مغالطة، من المستغرب أن تصدر عن المستشار المذكور، ولكنها شكّلت اللازمة التي يردّدها بعض المسؤولين اللبنانيين. ولا شكّ أن القاسم يعلم أنّ واحدة من الركائز الأساسية لنظام تقاسم الإنتاج هي أن المتعهّد الأجنبي يتحمّل وحده نفقات ومخاطر التنقيب، وأن الطرف الوطني يحتفط بحقّ الدخول كشريك بنسبة معيّنة عند حصول اكتشاف تجاري. في هذه الحالة فقط يسدّد الطرف الوطني حصّته من النفقات للطرف الأجنبي وفق آلية ما يسمّى الحصّة المحمولة (Carried interest). هذا ما تفعله عشرات الدول التي تمارس نظام تقاسم الإنتاج منذ أكثر من نصف قرن. وهذا تماماً ما فعلته النرويج، وهو تماماً ما يفسّره القاسم نفسه في كتابه المذكور، إذ يرد (في الصفحة 44) أن «مشاركة النرويج بدأت بنسبة 17.5%»، قبل أن ترتفع لاحقاً (كما يشير إلى ذلك في الصفحة 51)، ويكتب حرفياً: «بدأت الشركة الوطنية ستاتويل تشارك في كلّ القطع بنسب لم تقل عن 50% من الحصص. بالإضافة إلى ذلك كان بإمكان الشركة أن ترفع حصّتها، في حالة إعلان اكتشاف تجاري، إلى ما بين 70% و80% وفقاً لحجم الاكتشاف. هكذا، ووفق كلّ الاتفاقيات كانت ستاتويل محمولة (Carried) من الشركات الأخرى طوال فترة التنقيب. ويعني هذا أن الشركات الأخرى كانت تدفع حصّة ستاتويل من نفقات التنقيب على أمل استرجاع هذه المبالغ في حالة تحقيق الإنتاج».
حاول القاسم في مقاله السابق في «الأخبار» أن يطمس كلّياً تجربة النرويج في تطبيق نظام المشاركة، عندما كانت تفتقر إلى الرساميل والتكنولوجيا وتحتاج لمشاركة شركات أجنبية كبرى، تماماً كما هي الحال في لبنان اليوم، وفي سائر البلدان الأخرى التي تبنّت نظام تقاسم الإنتاج. عملية الطمس هذه أخذت شكل التأكيد على «أن التجربة النرويجية كانت ولا تزال مبنيّة على نظام الامتياز، بعد تحويرات وتطويرات مهمّة»، من دون أدنى إشارة إلى تجربة المشاركة التي يثني عليها مطوّلاً وتكراراً في كتابه، ويُظهر مساهمتها الحاسمة في تطوبر الكوادر والطاقات الوطنية. فهل نسي القاسم ما كتبه في كتابه؟ ولماذا هذا «السهو»، إذا أحسنّا الظن، في مشورته التي يقدّمها إلى اللبنانيين عن موضوع المشاركة؟ وهذا بيت القصيد في تناقضات المستشار المذكور الذي يكرّر بعض المسؤولين أقواله.
ينطوي الموقف الجديد للقاسم (في الندوة البرلمانية) على «مكرمة» للدولة بتحديد حصّتها بنحو 5% كحدّ أقصى في حال تبنّي نظام المشاركة، ما يطرح السؤال: لماذا هذه الحصّة التعيسة لبلد هو صاحب ومالك الثروة، والتي تكاد تشبه الصدقة بالمقارنة مع ما جرى ويجري في سائر بلدان العالم؟ وهي تعيسة قياساً لحصة «10% على الأقلّ»، التي يمنحها المرسوم 43/2017 لكلّ شركة غير مشغّلة تشارك في الحصول على حقوق التنقيب والإنتاج، بما في ذلك الشركات المارقة والشركات الوهميّة التي تمّت المواففة رسمياً على تأهيلها المُسبق. لا بل إن حصّة الـ 5% التي «يتمنّاها» هذا المستشار (ولسان حاله يقول: أمرنا لله!) هي أتعس بالمقارنة مع حصّة «50% على الأقل»، التي كانت تتمتّع بها «ستاتويل»، الشركة الوطنية في النرويج، قبل أكثر من ثلاثة عقود، عندما كانت بحاجة لمشاركة شركات أجنبية لتطوير طاقاتها، وقبل أن تستغني كلّياً عن مشاركة هذه الشركات.
أخيراً وليس آخراً، تبرز علامات استفهام كبيرة حول دوافع المستشار فاروق القاسم وأسباب مغالطاته وتناقضاته. فما هي العلاقة بين الدور الذي يلعبه في لبنان (كمستشار من الدرجة الأولى لأصحاب الربط والحلّ في مسيرة البترول والغاز)، وبين التعاون الوثيق القائم منذ سنوات بين لبنان والنرويج في هذا المجال، وترديد المسؤولين عندنا أنهم يستوحون ما يقومون به من «النموذج البترولي النرويجي». التساؤل عن هذه العلاقة يفرض نفسه بشكل بديهي لأنه من المعروف أن القاسم احتلّ مناصب عالية في تطوير قطاع البترول والغاز النرويجي قبل أن يتقاعد ويتّجه إلى العمل الاستشاري الخاصّ. فهل هو يمارس في لبنان دور هذا المستشار الخاصّ، بغض النظر عن مسؤوليّاته السابقة في النرويج وبغض النظر أيضاً عن «الوصايا العشر» التي قامت عليها سياسة النرويج البترولية منذ 1971؟
تحتاج هذه الأسئلة إلى أجوبة تفسّر التناقضات المُشار إليها، وتبدِّد الضباب الذي يلفّ شتّى أوجه مسيرة البترول والغاز عندنا. أجوبة لا بدّ منها لوضع حدٍّ لعملية التضليل المذهلة، التي لا مثيل لها في أي بلد من بلدان العالم الأكثر فساداً، ولا يمكنها أن تؤدّي إلّا إلى النهب وتبديد ثروة موعودة يبني عليها اللبنانيون الكثير من الآمال.

* باحث ومستشار في قضايا البترول