كُتب الكثير، في الأسبوعَين الماضيَين، عن حقيقة تموضع رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، في علاقته بكلّ من الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما بعد تصريحه الذي قال فيه إن حكومته تريد بقاء القوّات الأميركية الموجودة في البلاد في إطار مهمّة استشارية تدريبية، على رغم انتقادات علنية تعرّض لها من فصائل المقاومة و«الحشد الشعبي»، وذلك بعدما بدأت واشنطن ممارسة ضغوط على حكومة بغداد، تَمثّلت خصوصاً في تقنين دخول الدولار إلى السوق العراقية. لكن على رغم ما تَقدّم، يبقى تصنيف حكومة السوداني ضمن خانة «المقبول»، سواء بالنسبة إلى قوى «الإطار التنسيقي» أو بالنسبة إلى الحليف الإيراني؛ إذ يتفهّم كلاهما طبيعة العلاقة بين السلطات العراقية والولايات المتحدة، ولا يريدان في الوقت نفسه تكرار تجربة «كابينة» عادل عبد المهدي، حتى لا تتكرّر عملية إسقاطها في الشارع من قِبَل الخصوم في الداخل والخارج. كما أن الحكومة، كما يبدو، باقية لفترة أطول من السنة التي تعهّدت خلالها بإجراء انتخابات برلمانية مبكرة. وحتى إذا حصلت الانتخابات، فسوف تحصل وفق قانون جديد يُفرز أوزاناً جديدة، غير تلك التي أفرزتْها الانتخابات التي جرت في العاشر من تشرين الأوّل 2021.

حتى «التيّار الصدري»، وهو أكثر جهة لديها القدرة على التحرّك ضدّ الحكومة، عاجز عن فعل أيّ شيء راهناً؛ أوّلاً، لأن حكومة السوداني لم تصل إلى الفشل الذي يستدعي تحرّكاً في الشارع ضدّها، بل على العكس، استطاعت تحقيق تقدّم في عمليات مكافحة الفساد، وإن لم يكن بالقدْر المطلوب، وثانياً، لأن التيّار نفسه يشهد حالياً انقساماً على خلفيّة قرار الانسحاب من البرلمان، والذي يَعتبر الكثير من «الصدريين» أنه كان ارتجالياً ومتسرّعاً وأدّى إلى عزْل التيّار سياسياً، وأنه ما كان يجب على الأخير الابتعاد عن إيران، ولا الاصطدام مع حلفائها في العراق، بما أوْصل البلد في حينه إلى حافة الاقتتال الشيعي - الشيعي، خلال فترة تصريف الأعمال للحكومة السابقة برئاسة مصطفى الكاظمي. وبدا اندفاع «الصدري»، في ذلك الوقت، تعبيراً عن انزلاق إلى ما أراده رئيس الوزراء السابق، الذي كان يسعى إلى إطالة بقائه في السلطة؛ ولذا، ساعد التيّار في تنفيذ المحاولة الانقلابية في نهاية آب الماضي، من خلال السماح لأنصاره بالدخول إلى «المنطقة الخضراء»، والمماطلة في إصدار الأوامر للقوى الأمنية بالتدخّل، لإتاحة أطول وقت ممكن للصدر لتحقيق هدفه. ومع أن التغييرات الأساسية التي أجرتْها الحكومة الجديدة استهدفت التعيينات التي قام بها الكاظمي، كما طاولت إجراءاتها لمكافحة الفساد ما حصل في عهد تلك الحكومة، وخاصة ما يسمّيه العراقيون «سرقة القرن» التي شملت اختلاس 2.5 مليار دولار من أموال مصلحة الضرائب، والاتّهامات إلى الكاظمي بالتورّط فيها، إلّا أنه لا يبدو أن الحكومة الحالية مستعدّة للذهاب في مِثل هذه التحقيقات حتى النهاية، إلى ما بعد الأشخاص المباشرين الذين تورّطوا فيها مِن مِثل نور زهير، للوصول إلى الكاظمي نفسه.

السوداني لبّى طلباً أميركياً بزيادة 350 ألف برميل يومياً من إنتاج النفط العراقي


وبالعودة إلى الضغط الأميركي الذي بدأ منذ أسابيع على السوداني، فهو استهدف دفْعه إلى اتّخاذ موقف يُجاري المصالح الأميركية في العراق، عن طريق تقنين دخول الدولار إلى السوق العراقية. والجدير ذكره، هنا، أن معظم أموال مبيعات النفط العراقية تذهب إلى حساب خاص باسم حكومة بغداد لدى الاحتياط الفدرالي الأميركي، حيث تقوم واشنطن بشحن الدولارات إلى العراق بناءً على فواتير استيراد تقدّمها الجهات المعنيّة في هذا البلد، لكن الجديد اليوم هو أن الأميركيين صاروا يرفضون جزءاً كبيراً من تلك الفواتير بداعي أنها ليست حقيقية. قد يندرج الأمر في إطار ضغط غير مباشر تريد أميركا ممارسته على إيران، على رغم أن تشكيل حكومة السوداني بحدّ ذاته كان مؤشّراً إلى تحييد الاشتباك بين القوّتَين الأكثر تأثيراً على الساحة العراقية، بدليل الترحيب الذي عبّرت عنه السفيرة الأميركية في بغداد، آلينا رومانوسكي، بـ«الكابينة» الجديدة، على رغم حقيقة أن مكوّنها الأساسي هو «الإطار التنسيقي» الحليف لطهران. ومع أن ما يحصل لا يؤذن بعودة الاشتباك المباشر بين الجانبَين في العراق، إلّا أن الضغط الأميركي يعكس رغبة واشنطن في التضييق على طهران هناك، وحيث أمكن، ضمن مجمل الضغوط التي تمارسها أميركا وحلفاؤها الأوروبيون على إيران لثنيها عن دعْم روسيا في الحرب الأوكرانية.
وفي السياق ذاته، يأتي تراجع السوداني عن التغييرات الكبرى التي كان قد بدأ بإجرائها في الأجهزة الأمنية، ليبقى قادة هذه الأجهزة، وخاصة جهاز المخابرات، مقبولين بالنسبة إلى الأميركيين، إلى حدّ أثار انتقادات بعض حلفائه في «الإطار التنسيقي» و«الحشد الشعبي» والفصائل. كذلك، جاء تصريحه علناً بأن العراق يريد بقاء القوّات الأميركية على أراضيه، على رغم عدم قدرته على التحكّم بأعدادها ولا بأسلحتها ولا بطبيعة مهمّتها، لأن الأميركيين يملكون حرية حركة من القواعد التي تؤوي جنودهم وإليها، ولا يستطيع العراقيون معرفة ما يُحضِره إليها هؤلاء من عتاد وأفراد عبر الجوّ. أيضاً، لبّى السوداني طلباً أميركياً بزيادة 350 ألف برميل يومياً على إنتاج النفط العراقي الذي يبلغ نحو 4 ملايين برميل، في إطار جهود واشنطن لتعويض النقص في الأسواق العالمية الناجم عن العقوبات التي تُرافق حرب أوكرانيا، وخفْض الإنتاج في «أوبك بلاس» باتّفاق سعودي - روسي.
وعلى رغم أن السوداني ما زال شخصاً مأموناً بالنسبة إلى «التنسيقي»، فضلاً عن أن الوضع بالنسبة إلى الأخير وحلفائه يظلّ ممسوكاً بنسبة عالية في ظلّ هذه الحكومة، وخاصة مع انشغال المكوّنَين الآخرَين فيها، السُنّي والكردي، بالخلافات الداخلية بين قواهما السياسية، إلّا أن ما لا يمكن التكهّن به هو الموقف الأميركي منها، وهو ما يُفترض أن يتبلور خلال الزيارة التي يَجري الحديث عن أن السوداني سيقوم بها إلى الولايات المتحدة قريباً، والتي يُراهن عليها كلّ من الجانبين، أي الأميركي وذلك المناوئ له، بشكل كبير، في تحديد مستقبل «الكابينة» الحالية. وإذا كان يمكن الحديث عن أن للأميركيين مصلحة في استقرار العراق، ما دامت أسواق النفط مضطربة، فإن الطرف الآخر لا ينكر حاجة السوداني إلى إقامة توازن في علاقات حكومته بين الأطراف المختلفة المؤثّرة في الساحة العراقية، وخصوصاً مع واشنطن.