حراك سياسي جديد شهده العراق يوم أمس، تَمثّل في استئناف البرلمان عمله بجلسة صوّت خلالها النواب على تجديد الثقة برئيسهم محمد الحلبوسي، الذي كان قد أعلن استقالته قبل أيام، إضافة إلى انتخاب النائب محسن المندلاوي، لمنصب النائب الأوّل لرئيس المجلس، خلَفاً للنائب المستقيل حاكم الزاملي. وتزامنت الجلسة الأولى للبرلمان العراقي، بعد توقّف دام نحو شهرَين على خلفيّة اقتحامه من قِبَل أنصار «التيّار الصدري»، مع عقْد «المحكمة الاتحادية العليا» جلسة خاصة ردّت خلالها دعوى الطعن المقدَّمة ضدّ استقالة نواب «الصدري» من البرلمان. وبدا الحلبوسي، في خلاصة يوم أمس، كَمَن تحرّر من «دَين» مقتدى الصدر، إذ أُعيد تجديد الثقة به رئيساً للبرلمان بأصوات نواب جميع الكتل، ما عدا «الصدريين»، ليكرّس ذلك انفراط عقْد تحالف «إنقاذ وطن» الذي ضمّ رئيس البرلمان سابقاً إلى جانب الصدر وزعيم «الحزب الديموقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني. ومع أن الجلسة أظهرت وجود نوع من «التخادم» بين الحلبوسي والإطار التنسيقي»، باعتبار الفائز بمنصب نائب رئيس البرلمان مقرّباً من الأخير، مع ما قد يعنيه هذا من دفْعة لتحالف «إدارة الدولة» العتيد، إلا أنه لا تزال دون ولادة التحالف المذكور صعوبات على رأسها الموقف المتشدّد الذي أعلنه «وزير الصدر» أمس، بعد فترة صمت طويلة.

وفي تفسيرها لذلك الموقف، تُعرب مصادر في «الإطار التنسيقي»، في حديث إلى «الأخبار»، عن اعتقادها بأن «التيار الصدري» كان يراهن على عدم انعقاد جلسة مجلس النواب بالأمس، خصوصاً بعدما امتنع الصدر عن إصدار أيّ إشارات إيجابية إزاء دعوات الحوار التي تلقّاها من «التنسيقي»، فضلاً عن التزامه الصمت حيال مشروع تشكيل «تحالف إدارة الدولة»، وما أُشيع عن أنه سيحفظ له مكانه داخل أيّ حكومة يتمّ الاتفاق على تشكيلها. بالتالي، فإن انعقاد الجلسة خالف حسابات الصدر، وفق المصادر ذاتها، التي تصِف ما جرى بأنه «جولة أولى من المعركة المتجدّدة» مع الصدر، معتبرةً أن الأخير يضع رهانه الأكبر على التحرّكات الشعبية المنتظَر انطلاقها في ذكرى «حراك تشرين» في الأوّل من تشرين الأوّل المقبل، والتي من شأن تداعياتها أن «ترسم الخطوط العريضة للجولة الثانية من المعركة، والمتمثّلة في جلسة انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس للوزراء»، بحسب المصادر.

أعاد بيان وزير الصدر فتح الباب أمام سيناريوات تصعيدية انطلاقاً من الشارع


في المقابل، وبعدما كانت الشكوك سائدة بخصوص نوايا «التيار الصدري» للمرحلة المقبلة، جاء البيان الشديد اللهجة الصادر عن وزير الصدر، صالح العراقي، ليعيد فتح الباب أمام سيناريوات تصعيدية انطلاقاً من الشارع، خصوصاً في ظل المعلومات عن مساعٍ لعقد لقاءات بين الصدر وقوى وشخصيات «تشرينية» قُبيل انطلاق الفعاليات المرتقبة السبت، على رغم أن أيّ تحالف بين الطرفَين يظلّ مستبعداً. وتَوجّه العراقي إلى «القادة والساسة والحكّام» بالقول: «لن نشارككم ولن نهادنكم ولن نحاوركم على إتمام صفقة الفساد»، مذكّراً بموقف المرجعية العليا في العراق بأن «المُجرَّب لا يُجرَّب»، متوعّداً بالقول: «إنْ عدّتم كما كنتم فإنها نهاية العراق بل ونهايتكم أيضاً». وقُرئ بيان «وزير القائد» على أنه ردّ لفظي مباشر على مساعي تشكيل «تحالف إدارة الدولة»، يُفترض أن يأخذ شكلاً عملياتياً قريباً، بما من شأنه إبقاء الأزمة في المربّع صفر. وعلى رغم هذا التصعيد المتبادل، عاد الكلام عن احتمال استقبال الصدر وفداً سياسياً مشتركاً من القوى السياسية، بما فيها «الإطار التنسيقي» ما عدا «ائتلاف دولة القانون، لإطلاق مفاوضات بشأن إدارة مرحلة ما قبل الانتخابات البرلمانية المبكرة. وفيما تُبدي مصادر مقرّبة من رئيس «تحالف الفتح»، هادي العامري، الذي سيمثّل «الإطار التنسيقي» في «مفاوضات الحنّانة» المفترَضة، تفاؤلها حيال هذه الخطوة التي تَعتبرها «مطلوبة الآن أكثر من أيّ وقت مضى»، فهي تقول إنه لم يتمّ حتى الآن تحديد موعد لإتمامها، في حين تستبعد مصادر أخرى مقرّبة من «التنسيقي» أن تتمّ الزيارة قبل موعد «ذكرى تشرين»، مع ما لذلك من دلالات متّصلة بالرهان على «مخرجات الذكرى». وفي مقابل القتامة التي تلفّ المشهد العراقي، يُنقل عن أكثر من سفير ومبعوث أجنبي زاروا البلاد أخيراً أو تواصلوا مع مسؤولين فيه، وجود رغبة في إنهاء حالة الانسداد تلافياً لأيّ تصعيد جديد غير مطلوب في هذه المرحلة، ما يدفع البعض إلى التفاؤل بقرب مغادرة مربّع المراوحة الذي يقبع فيه العراق منذ ما يقارب 11 شهراً.