بغداد | عندما انتُخب رئيس حزب «تقدم»، محمد الحلبوسي، قَبيل اندماجه وتكتّل «عزم» بزعامة خميس الخنجر وتأليفهما معاً «تحالف السيادة» الذي يضمّ معظم النواب السُنّة في مجلس النوّاب العراقي، رئيساً لهذا المجلس، لم ينَل أيّاً من أصوات نواب «الإطار التنسيقي». حينها، وصل الرجل إلى منصبه باتّفاق مع الكتلة «الصدرية»، وكتلة «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، ليشكّل الأطراف الثلاثة «تحالف إنقاذ وطن»، على أساس السعي لتأليف حكومة غالبية تستند إلى أكثر من 170 نائباً في المجلس المكوَّن من 329 مقعداً. اليوم، وبعد كلّ الأحداث التي مرّت على العراق منذ ذلك الوقت، يجد الرجل نفسه رئيساً لبرلمان مختلف، انقلبت الغالبية فيه لمصلحة «التنسيقي» إثر استقالة النوّاب «الصدريين» الـ73، نتيجة أزمة سياسية مستحكمة منعت تحقيق أيّ تقدّم نحو انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة. وأبدى الإطار، مذّاك، استعداداً للتعامل مع الحلبوسي في العملية السياسية ككلّ، حتى قبل وقت طويل على خروج الأخير برفقة رئيس «الديموقراطي»، مسعود بارزاني، رسمياً، من التحالف مع الصدر. فما الذي يسعى الرجل إلى تحقيقه اليوم من وراء الاستقالة المفاجئة؟
لدى «التنسيقي» مصلحة في بقاء الحلبوسي لأن استقالته ستُعمّق حالة الشلل


بالتأكيد، لدى «التنسيقي» مصلحة في بقاء الحلبوسي، بالنظر إلى أن استقالته سيكون من شأنها تعميق حالة الشلل التي تصيب عمل البرلمان. لكن في المقابل، تتضمّن وثيقة الدعوة إلى جلسة مجلس النوّاب غداً، إضافة إلى التصويت على استقالة الحلبوسي، انتخاب النائب الأوّل لرئيس المجلس، بدلاً من حاكم الزاملي الذي استقال ضمن الكتلة «الصدرية». وفي ما يتعلّق بهذا المنصب، يمكن للإطار إيصال مرشّح منه إليه، بغالبية مريحة، إذا ما ساعد تكتّل رئيس البرلمان المستقيل في انتخابه، إلا أن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، قد يَعتبر هذا الأمر استفزازياً، ولو لم يكن بأهمّية ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، والذي دفع أنصار الصدر إلى احتلال البرلمان والانخراط في مواجهة أدّت بالنتيجة إلى الليلة الدامية في «المنطقة الخضراء» في نهاية آب الماضي. ويعتقد المحلّل السياسي العراقي، علاء مصطفى، في تغريدة على «تويتر»، أن «الحلبوسي يلجأ من خلال إعلان استقالته إلى تكتيك استباقي لكشف نوايا الإطار التنسيقي تجاهه، فإن رُفضت كسب الرهان وحصل على تجديد ثقة يمنحه قوة في المرحلة الجديدة، وإن قُبلت، وهذا مستبعد، يكسب جولة معنوية تعزّز حضوره في الانتخابات المقبلة». ومن الزاوية القانونية، يوضح الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، في حديث إلى «الأخبار»، أنه «بموجب القانون الداخلي لمجلس النواب والدستور العراقي، يقدّم رئيس مجلس النواب استقالته للعرْض على المجلس للتصويت عليها. وإذا ما حصلت الاستقالة على غالبية النصف زائد واحد، تصبح نافذة. أمّا إذا لم تحصل على هذا العدد، تكون مرفوضة، بالتالي يُعتبر ذلك تجديداً للثقة فيه».
اللافت أن الجلسة محدَّدة في اليوم نفسه الذي ستُصدر فيه المحكمة الاتحادية العليا قرارها في الطعن المقدَّم ضدّ قبول الحلبوسي استقالة نوّاب الكتلة «الصدرية»، والذي يقول إن الأخير لا يملك حق البتّ في تلك الاستقالة، بل كان عليه عرضها على مجلس النواب للتصويت عليها. وعلى رغم أن «التيار الصدري» ليس هو مَن قدّم ذلك الطعن، إلّا أن قراراً من المحكمة بقبوله يمنحه فرصة العودة إلى البرلمان، لا سيما وأن أطرافاً عدة داخلية وخارجية اعتبرت أن خروجه منه كان خطأ. وفي هذا الإطار، برز، مساء أمس، تشديد رئيس البرلمان على أن "الذهاب إلى انتخابات مبكرة سلاح ذو حدَّين، ويجب أن ينصبّ الجهد على تحقيق المصالحة"، ودعوته إلى "الاتفاق على قانون الانتخابات والحكومة التي تنظّمها وآلية تحديد الكتلة الأكبر قبل إجراء الانتخابات".