بغداد | عشيّة انتهاء الهدنة التي تواضَع عليها ضمنياً طرفا الأزمة السياسية في العراق بهدف تمرير أربعينية الإمام الحسين، تعود احتمالات التوتّر لتظلّل المشهد، في وقت لا يزال فيه الحوار بين «التيار الصدري» و«الإطار التنسيقي» للتوصّل إلى حلّ للأزمة المستحكِمة بالبلاد، يبدو صعباً، على رغم عدم وجود أفق لأيّ منهما لفرض مشروعه الخاص. ومع أن سلسلة التطوّرات الأخيرة التي أعقبت أحداث «المنطقة الخضراء»، وعلى رأسها نفْض القوى الكردية والسُنّية يدها من التحالف الثُلاثي مع الصدر، ضيّقت الخيارات أمام الأخير، وجعلت التفاوض أكثر إلحاحاً، إلّا أن أوساط الرجل لا تزال تتبنّى خطاباً حادّ اللهجة إزاء خصومه، لا يمنع البعض من تَوقّع انفراجة قريبة، خصوصاً إذا ما تمّت الزيارة الثُلاثية المنتظَرة للحنانة


ليست المرّة الأولى التي يُعلَن فيها أن وفداً رفيع المستوى يضمّ قادة من «تحالف الفتح» و«تحالف السيادة» و«الحزب الديموقراطي الكردستاني»، سيتوجه إلى الحنّانة، قرب النجف، للقاء زعيم «التيّار الصدري»، مقتدى الصدر، ومحاولة التوصّل إلى حلّ معه للأزمة السياسية التي تعصف بالعراق. إذ قِيل، قبْل ذلك، إن رئيس «الفتح»، هادي العامري، سيزور الصدر، ولم يفعل، ثمّ قِيل إن رئيس إقليم كردستان، نيجرفان بارزاني، ورئيس «السيادة»، رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، سيزورانه، ضمن وساطة بين «الصدري» و«التنسيقي»، وأيضاً لم يحصل. والظاهر أن ما مَنع تَيْنِك الزيارتَين، هو إصرار الصدر على رفض التفاوض مع الإطار، وفق شروط الأخير، الأمر الذي لا يزال قائماً إلى الآن، وفق ما يفيد به مصدر مقرّب من الصدر، «الأخبار». لكن الإعلان قبل أيام عن زيارة الوفد الثُلاثي إلى الحنّانة، يعكس رهان أطرافه على أن يكون الصدر قد اقتنع بعد التجارب الأخيرة، ولا سيما الليلة الدامية في «المنطقة الخضراء» نهاية الشهر الماضي، بأنه لم يَعُد لديه خيار سوى العودة إلى المفاوضات، خصوصاً وأنه صار من دون حلفاء في مطالبه، بعد إظهار جميع هؤلاء عدم رغبة في المُضيّ معه حتى النهاية، بسبب علوّ سقف مطالبه وعدم قابليّتها للتحقّق، فضلاً عن أن شعار «مكافحة الفساد» الذي يرفعه الصدر، وبغضّ النظر عن هدفه من الإصرار عليه، يطال - في مَن يطال - أولئك «الحلفاء» ذاتهم.

أوساط «التيار الصدري»: مساحات التفاوض مع «التنسيقي» تكاد تكون معدومة حتى الآن


ويقرّ المصدر المقرّب من الصدر بأن التفاوض سيكون بالنتيجة ضرورياً، قائلاً: «في النهاية الجميع خاضع للتفاوض... لكن توجّهات السيد مقتدى الصدر واضحة لجهة أن التفاوض يجب أن يتمّ وفق الأُطر التي طرحها هو». وفي ما يتعلّق باستقبال الوفد الذي أُعلن أنه سيزور الحنّانة، يَلفت المصدر إلى أن «بارزاني والحلبوسي و(خميس) الخنجر جميعهم حلفاء للصدر، وليسوا مِثل الإطار الذي تعامَل بشكل سيّئ مع التيار الصدري خصوصاً بعد قتل 50 شخصاً في المنطقة الخضراء، حيث اجتمع بعدها عمار الحكيم وقيس الخزعلي ونوري المالكي وأعلنوا إقامة جلسة نيابية، من دون اعتبار للدماء التي سقطت، وهذا التصرّف أدّى إلى امتعاض الصدر»، مضيفاً أن «هؤلاء يريدون حكومة كسْر إرادات ومحاصصة، وأعتقد أن المساحات الموجودة للتفاوض معهم تكاد تكون معدومة لغاية هذه اللحظة». ويتابع أن «الصدر لا يمكن أن لا يستقبل حلفاءه، لكن من الصعب جدّاً أن يستقبل في الوقت الحاضر أيّ شخصية من الإطار التنسيقي»، نافياً وجود أيّ مفاوضات حالياً حول تشكيل الحكومة، معتبراً أن «القضية معقّدة جدّاً، وأسلوب الإطار في التعامل لا ينمّ عن وُجهة نظر سياسية حقيقية، وإنّما عن وجهة نظر سُلطوية. هم يريدون السيطرة على السلطة وعلى موارد البلد والسيطرة الأمنية، وأيضاً تقوية ميليشيّاتهم». وعلى رغم انتقاده «التنسيقي» مجتمعاً، إلّا أن يتجنّب مهاجمة «تحالف الفتح» أو العامري بالاسم، ويرى أن «كلّ القوى السياسية لا ترغب في أن يشكّل الإطار الحكومة بوجود الخزعلي والمالكي وأيضاً عمار الحكيم، الذي يقوم حالياً بلقاء السفراء لعلّه يحصل على دعم لحكومتهم المفترضة، لكن لا نرى أن الديموقراطي والسيادة يلتقيان مع الحكيم، باعتبار أنه لا يمكن أن يكون ضامناً للإطار كما يقدّم نفسه».
في المقابل، تُبدي الأطراف الأخرى تفاؤلاً بإمكانية استئناف المفاوضات. ويقول القيادي في «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، وفاء محمد كريم، في هذا الإطار، إن «زيارة الوفد الثلاثي إلى الحنّانة، تستهدف محاولة إرجاع التيار الصدري إلى طاولة المفاوضات، وبحْث آلية تشكيل الحكومة الجديدة بموافقة الصدر، والتي تعلم أكثرية القوى أنه من دونها لن تنجح أيّ حكومة ولن تستمرّ عدّة أشهر». ويعرب كريم، في حديث إلى «الأخبار»، عن اعتقاده بأن «هذه الزيارة ستكون بداية لحلّ الأزمة وتفكيك العُقَد بين القوى السياسية». وفي الاتّجاه نفسه، يرى المحلّل السياسي، رئيس «مركز آسيا للدراسات»، قاسم بلشان التميمي، أن «زيارة الوفد الثلاثي إشارة إلى قُرب انفراج الانسداد السياسي في العراق»، لافتاً إلى أن «كلّ الكتل والأحزاب السياسية، بما فيها التيار الصدري، متّفقة على حلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، لكن الاختلاف يكمن في آليات التطبيق». ويوضح التميمي، في تصريح إلى «الأخبار»، أن «التيار الصدري يصرّ على إعطاء صلاحيات كاملة للسيد مصطفى الكاظمي، ومن ثمّ يتمّ التحضير للانتخابات المبكرة، لكن الإطار ضدّ الكاظمي على طول الخطّ، ويتمسّك حتى الآن بترشيح السيد محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، وهو ما يواجِه رفضاً قاطعاً من التيار الصدري». ومن هنا، يَتوقّع أن تشهد الزيارة «تقديم مبادرة تقضي بأن يتنازل الصدر عن الكاظمي، ويتنازل الإطار عن السوداني، ويجري اختيار شخصية مقبولة من الجميع لرئاسة مجلس الوزراء تقوم بالتحضير لانتخابات مبكرة، وتكون هناك ضمانات لجميع الأطراف، وتحت رعاية أممية».