بغداد | تماماً كما كان متوقّعاً بعد إخراج زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، أنصاره من ساحات التظاهر، والذي أدّى إلى تراجُع احتمالات النزاع المسلّح، استمرّ السجال السياسي الساخن بين طرفَي المواجهة، التيار و«الإطار التنسيقي»، ليشير إلى أن التوصّل إلى حلّ سياسي للأزمة العراقية ما زال هدفاً بعيد المنال. إذ خرج «وزير القائد» على مدى يومَين متتاليَين ليهاجم الإطار، لعدم تلقّفه مبادرة الأوّل، وخصّص بيانه ما قبل الأخير (الأخير عاد وصدر مساء أمس، وعنوانه المطالبة بتغيير رئيس هيئة «الحشد الشعبي»، وإخراج «الحشد» من المنطقة الخضراء، وإبعاده عن السيطرات والمنافذ الحدودية) لتوجيه رسالة شديدة اللهجة إلى الأمين العام لـ«عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، مطالباً إيّاه بكبح جماح ما سمّاه «ميليشياتك الوقحة» والتبرّؤ من القتلة، وهو ما يبدو أن الأخير عمد إلى امتصاصه بأنْ طلب من أعضاء حركته، «إغلاق مكاتبها كافّة حتى إشعار آخر»، داعياً إيّاهم إلى عدم الردّ على «الإساءات التي تُوجَّه إليّ شخصياً»، الأمر الذي سيسهّل بدوره سحْب الصراع من الشارع. وقبْل ذلك بيوم، هاجم «الوزير»، الإطار، «الذي أعلن بكلّ وقاحة، متحدّياً الشعب بمرجعيته وطوائفه، أنه ماضٍ في عقد البرلمان لتشكيل حكومته الوقحة وما زال دم المعدومين غدراً من المتظاهرين السلميين وبطلقات ميليشياتهم القذرة لم يجفّ»، على حدّ تعبيره.

وبان جليّاً أن «التيار الصدري» عاد ليستهدف جزءاً من «التنسيقي» يشمل خصوصاً «العصائب» و«ائتلاف دولة القانون» برئاسة نوري المالكي اللذين يُحمّلهما المسؤولية الكبرى عن الأزمة التي وصل إليها البلد من خلال وقوفهما في وجه مشروعه لتشكيل «حكومة غالبية». ويتناقض هذا الهجوم، مع إشادة الصدر نفسه قبل أيام بدور «الحشد الشعبي» في وأْد الفتنة، التي لا يبدو، على رغم تسجيل بعض التوتّرات في المحافظات الجنوبية، أن ثمّة أرضيّة لاشتعالها في صورة اقتتال شيعي - شيعي واسع النطاق، يَظهر أن معظم القوى السياسية العراقية تتهيّبه، لأن أحداً منها لا يستطيع تحمُّل وِزر آثاره الجسيمة على الكيان العراقي. وتشير البيانات المتكرّرة لـ«وزير القائد» إلى صعوبة التزام الصدر باعتزال العمل السياسي كلّياً، بالنظر إلى أن التعقيدات التي تتّسم بها السياسة العراقية، والشعبيّة التي يحظى بها الرجل، لا تسمح بمِثل هذا الابتعاد.

بيانات «وزير القائد» المتكرّرة تؤكد صعوبة التزام الصدر باعتزال العمل السياسي كلّياً


في هذا الوقت، عادت «المحكمة الاتحادية العليا»، من جديد، لتُراهن على إمكان التوصّل إلى تفاهم سياسي، عبر إرجائها بشكل متكرّر قرارها في الدعوى التي أقامها «التيار الصدري» لحلّ مجلس النواب بسبب تجاوُز الأخير المُهل الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وتكليف شخص بتشكيل الحكومة. ويحاكي سلوك المحكمة هذا ما فعلته إزاء الدعوى التي اعترض من خلالها «الإطار التنسيقي» على ما اعتبره تزويراً للانتخابات التي أجريت في تشرين الأول الماضي، حيث أفسحت المحكمة نفسها، حينها، المجال أمام جهود التوسّط بين الأطراف المتخاصمة، ثمّ عندما تيقّنت من عدم إمكانية تفاهمهما، أصدرت قرارها الذي ثبّت نتائج الانتخابات وفوز الصدر فيها.
في كلّ الأحوال، تحتاج الأمور إلى بعض الوقت لتبلوُر وُجهة سيرها. ويقول رئيس «مركز آسيا للتحليل السياسي»، قاسم بلشان التميمي، وهو مقرّب من «التيار الصدري»، لـ«الأخبار»، إن «الأرض بكلّ تأكيد ما زالت رخوة جداً. وللأسف الشديد، لم يستثمر بعض أعضاء الإطار مبادرة السيد مقتدى الصدر بدعوة أنصاره إلى الانسحاب وإنهاء الاعتصام»، مضيفاً إنه «كان الأجدى أن يتمّ التفاعل مع الصدر، وخصوصاً أنه طلب من الإطار إعلان الحداد على الضحايا. وكان من المفترض أن يبعث الإطار برسالة تطمين وحُسن نوايا، من أهمّ عناصرها التنازل عن مرشح رئاسة الوزراء (محمد شياع) السوداني، والتفاهم مع الصدر حول شخصية أخرى تحظى بقبول الجميع». ويرى أن «المتنازعين لم يدركوا إلى هذه اللحظة، كما يبدو، حجم الخطر المحدق بالعراق. وإذا ما بقيت الأمور على هذا المنوال، فأعتقد أن القادم سيكون سواداً حالكاً وناراً محرقة سوف تحرق الجميع. لذلك يتحتّم على الجميع تحمُّل المسؤولية تجاه الوطن، وعلى المتنازعين أن يكونوا أكثر وعياً".
في المقابل، يؤكد المحلّل السياسي، رياض الوحيلي القريب من «الإطار التنسيقي»، لـ«الأخبار»، أن «الإطار يريد أن تذهب الأمور إلى التهدئة، لتفويت الفرصة على المخطّطات الخارجية المشبوهة»، مهاجماً «ما يسمّى بوزير الصدر الذي نرى تصعيداً غير مسؤول منه، فقد بدأ يغرّد باللهجة الهجومية التصعيدية لمحاولة استفزاز الجمهور الصدري وتحريضه من جديد»، مشيراً إلى أن «الإطار يعمل حالياً، وبخاصة الحاج هادي العامري، على تبنّي حوار جادّ مع التيار الصدري، لثنْيه عن معاودة التصعيد، ومحاولة عقد جلسة برلمانية لاستكمال الاستحقاقات الدستورية وتشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وإخراج البلد من المأزق الحالي».