ما بُذل من جهد خلال الأيام القليلة الماضية لـ«درْء الفتنة» ليس بالحجم العادي. لم يبقَ أحد من حلفاء العراق إلّا وتدخَّل من أجل منع وقوع الانفجار الكبير. وما كان لافتاً أن إيران و«حزب الله» من جهة، والمرجع السيد علي السيستاني من جهة ثانية، لعبوا دوراً مركزياً في حقن الدماء، ولو أن «يد الجميع على قلوبهم»، جرّاء احتمال حصول ما ليس في الحسبان.

قاعدة التدخّل الذي أوصل إلى نتيجة وقف المصادمات، كانت إقناع القوى العراقية كافة بأنها تتحمّل مسؤولية ما سوف تؤول إليه أوضاع البلاد، وسوف تجد نفسها وحيدة بينما يُترك العراق لكلّ مَن يريد به وبالمنطقة شرّاً. وبدت لافتة، في هذا السياق، مبادرة رئيس الحكومة الحالي، مصطفى الكاظمي، إلى طلب التدخّل المباشر من كلّ الذين يملكون تأثيراً على القوى المتصارعة، مقابل أن يلتزم هو بمنع القوات العسكرية والأمنية من الدخول في المواجهات وعدم تحوُّلها إلى طرف مع هذا الفريق أو ذاك. وهو ما عمل الكاظمي عليه بالفعل بالتعاون مع «الحشد الشعبي»، بينما تولّى الوسطاء العمل مع المجموعات المتنازعة لاحتواء الموقف، من «التيار الصدري» وزعيمه مقتدى الصدر، إلى «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله»، ومجموعات أخرى تخصّ أفرقاء «حزب الدعوة».
وبحسب مصادر مطّلعة على الاتصالات، فإن النقاش مع القوى المعنيّة شمل التحذير من التدخّل الخارجي القائم في ما يجري حالياً، فيما جرى تقديم معطيات حول أدوار تقوم بها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وحتى إسرائيل، في سياق توسيع دائرة المواجهات وأخْذ العراق نحو مذبحة أهلية لا يمكن توقّع حجمها.
وتقول المصادر، إن الصدر استجاب سريعاً، آخذاً في الاعتبار ما صدر عن المرجع الديني، كاظم الحائري، من جهة، وكذلك رفضه تحميله مسؤولية الدماء التي ستُراق من جهة أخرى، خصوصاً وأن مقرّبين من الرجل تحدّثوا عن «صعوبة كبيرة» في ضبط أنصار التيار في حال توسُّع الموجهات. واستجابت الفصائل الأخرى، بدورها، لطلب الخروج من الشارع، والامتناع عن أيّ تحرّك، وصولاً إلى القرار الذي أصدره أمس قائد «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، بإغلاق جميع مراكز تنظيمه في كلّ العراق بعد المواجهة التي جرت في البصرة، وأوقعت قتلى في صفوف عناصره كما في صفوف عناصر «التيار الصدري». وأدرك الخزعلي أن التنازل المطلوب منه في هذا السياق، يقع في إطار سدّ الثغرات التي قد ينفذ منها العاملون على توسيع الفتنة.
من جانب إيران، كما «حزب الله»، كان واضحاً الحرص على عدم تطويق الصدر أو كسره أو عزله، وهم تحدّثوا معه بصراحة عن سعيهم للوقوف إلى جانبه ودعم كلّ خطوة من شأنها تعزيز الاستقرار. كما ناقشوا معه ومع الآخرين مجموعة من المقترحات التي تقود إلى حلّ دائم. ومن بين المقترحات إجراء موقّت بأن يتمّ تعويم الحكومة الحالية ريثما يُصار إلى عقد مؤتمر حواري تتبعه انتخابات نيابية جديدة وفق أسس جديدة. وهو أمر قيد التداول بعدما صار مستبعداً السير بخطوة تعيين المجلس النيابي الحالي حكومة جديدة لا يرضى عنها الصدر.
ميدانياً، تشير المعلومات إلى أن جميع القوى أخْلت الشوارع والمناطق المدنية، وأن القوى الأمنية الرسمية تتواصل مع جميع الفصائل من أجل منع أيّ صدام يمكن أن يحصل نتيجة الاحتقان السياسي أو نتيجة قيام أجهزة أو جهات معينة بعمليات أمنية تستدرج الجميع إلى النار.