بغداد | على رغم رسْم مختلف الأطراف الشيعية العراقية سقفاً لما يمكن أن تذهب إليه المواجهة في ما بينها، بحيث لا تصل إلى الاقتتال، إلّا أن الخروج من الأزمة السياسية لن يكون سهلاً، في ظلّ صعوبة إجراء حوار بين «التيار الصدري» وقوى «الإطار التنسيقي»، نظراً إلى انعدام الثقة بينهما، خاصة أن مقتدى الصدر، كما يبدو، وجد فرصة في النزول إلى الشارع لا يريد إضاعتها لإجراء تغيير جذري في العملية السياسية. وإذا كان خيار الانتخابات المبكرة يتقدّم باعتباره طريقاً للحلّ، إلا أن نفْس إجرائها يحتاج إلى حوار ترى أوساط «التنسيقي» أنه لن يكون ممكناً من دون وجود وسيط يحظى بثقة الطرفَين


صار من شبه المؤكّد، بالنسبة إلى أطراف النزاع داخل الصفّ الشيعي في العراق، أن أيّ حلّ سياسي للأزمة يمرّ عبر إجراء انتخابات مبكرة، تُعيد تظهير أحجام القوى المختلفة. لكن يبْقى الخلاف الآن حول قضايا إجرائية، قد يتّضح أنها لا تقلّ صعوبة عن القضايا السياسية؛ بالنظر إلى أن آلية إجراء الانتخابات، وهوية مَن سيشرف عليها، تؤثّران بشكل كبير على نتائجها، علماً أنه كانت لقوى «الإطار التنسيقي» سابقاً مآخذ على الفرز الإلكتروني في الانتخابات الأخيرة، باعتبار أنه أتاح التلاعب بالنتائج. وقبل الوصول إلى يوم الاقتراع، يتعيّن أيضاً الاتفاق على طريقة حلّ مجلس النواب الحالي، باعتبار أن قسماً من آليّات الحلّ غير متاح حالياً، لانتهاء ولاية رئيس الجمهورية، ما يترك خياراً وحيداً هو حلّ المجلس نفسه بنفسه. إلّا أن الخلاف الكبير يتمحور حول قضية تشكيل حكومة جديدة تشرف على الانتخابات - خاصة في ظلّ استمرار «التنسيقي» في ترشيحه محمد شياع السوداني -، لأن حكومة مصطفى الكاظمي تنحصر صلاحياتها في تصريف الأمور اليومية، وهي غير منبثقة عن مجلس النواب الحالي، وليس من صلاحياتها الإشراف على انتخابات جديدة.
ويعتقد «التنسيقي»، وفق ما تقول مصادر قريبة منه لـ«الأخبار»، أن «المفاوضات بين التيار والإطار لا يمكن أن تُجرى بشكل مباشر، إلّا بدخول طرف ثالث يقرّب وجهات النظر بينهما، باعتبار مقتدى الصدر في آخر كلمة له قبل يومين، وحتى اليوم (أمس) في خطبة صلاة الجمعة، أكد أنه لا مفاوضات، بل إن الحلّ في حلّ البرلمان وإجراء انتخابات، كما اعتبر أن شركاء العملية السياسية فاسدون ولا يضع يده مع الفاسدين، وحتى في حال إجراء انتخابات مبكرة فهو لا يشترك مع الفاسدين، بمعنى أنه لا يسمح لهم بالاشتراك في الانتخابات، وهذا تحوّل خطير في خطابه وفكره». ومع أن المصادر نفسها لا ترى أن المفاوضات وصلت إلى درجة مستحيلة، ولكنها تؤكد «صعوبة إجرائها، لأن الصدر، كما يبدو، وصل إلى قناعة مطلقة بأنه يستطيع تحقيق مطالبه عبر الشارع، وهو يرى الزخم والقاعدة الجماهيرية الواسعة التي لبّت دعوته للاعتصام، وتوصّل إلى أن الجماهير يمكن أن تُغيّر. بالتالي نحن لا نستبعد إجراء مفاوضات، ولكنها بتقديرنا لن تتمّ إلّا بوجود وسيط ثالث يحظى بثقة الصدر والإطار التنسيقي. فإذا ما حصلنا على هذا الوسيط، يمكن أن تكون هناك تفاهمات وحوار بين الطرفين».

كانت لقوى «الإطار التنسيقي» سابقاً مآخذ على الفرز الإلكتروني في الانتخابات الأخيرة


وبالتزامن مع صلاة الجمعة الموحَّدة في ساحة الاحتفالات في بغداد، والتي أرادها الصدر اختباراً جديداً للقوّة، سُجّل دخول غربي علني على خطّ الأزمة، من خلال زيارة ممثِّلة الأمين العام للأمم المتحدة، جينين بلاسخارت، إلى منزل الصدر، في الحنانة قرب النجف. وتُبدي مصادر «التنسيقي» نفسها انزعاجها من زيارة بلاسخارت التي تتّهمها بتخريب العملية السياسية في العراق، وتعتقد أن «الصدر طلب من بلاسخارت مساعدة أممية لا تقتصر على المراقبة في حال إجراء انتخابات مبكرة، بل تصل إلى إشراف أممي عليها. وبالتالي يعوّل الصدر على المجتمع الدولي وعلى الاتحاد الأوروبي وعلى العالم في نصرة الجماهير التي خرجت تأييداً لمطالبه». وعلى رغم التقارير عن تحديد موعد للقاء بين الصدر وكلّ من رئيس «تحالف الفتح»، هادي العامري، ورئيس هيئة «الحشد الشعبي»، فالح الفياض، عصر أمس، في منزل الأول، إلّا أن خطيب صلاة الجمعة المكلَّف من مقتدى، مهند الموسوي، أبقى قبيل ذلك على السقف العالي للمطالب، وخاصة حلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، معتبراً أن «العراق أصبح أسيراً للفساد. ووصلنا إلى نتائج مخجلة منها انعدام الثقة بالطبقة السياسية. حتى إن المرجعية الدينية رفضت استقبال بعض السياسيين بشكل قاطع وأغلقت بابها بوجوههم. وهي ما زالت تقف إلى جانب إرادة الشعب».
قانونياً، يقول الخبير علي التميمي، حول آليات الوصول إلى الانتخابات في حال اتُّفق عليها، لـ«الأخبار»، إن «المادة 64 من الدستور العراقي تنصّ على أن مجلس النواب يُحلّ بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، أي نصف العدد الكلي زائد واحد، ويكون ذلك بطريقتَين: الأولى طلب إلى رئيس مجلس النواب موقَّع من ثلث الأعضاء، أي 110 نواب؛ والثانية طلب من رئيس مجلس الوزراء بموافقة رئيس الجمهورية. ولأن الحكومة الحالية مهمّتها تصريف الأمور اليومية، ولم تأتِ من مجلس النواب الحالي، لا هي ولا رئيس الجمهورية، فإنه لا يحق لا لرئيس مجلس الوزراء ولا لرئيس الجمهورية تقديم الطلب المشترك وفق قرار المحكمة الاتحادية 121 لسنة 2022. وعليه تبقى طريقة واحدة هي أن يحلّ مجلس النواب نفسه بنفسه». وعند التصويت على حلّ البرلمان من قِبَل الأغلبية المطلقة، «يدعو رئيس الجمهورية إلى انتخابات عامّة خلال مدّة أقصاها ستّون يوماً من تاريخ الحلّ، ويواصل مجلس الوزراء تصريف الأمور اليومية إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة»، وفق التميمي الذي يبيّن أن «المادة 64 لا تحدّد مدة تصريف الأعمال، على عكس المادة 61 من الدستور الفقرة ثامناً، والمتعلّقة بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، والذي يُعدّ معه مجلس الوزراء مستقيلاً، حيث تتحدّد مدّة تصريف الأمور اليومية عندها بما لا يزيد عن ثلاثين يوماً إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد». ويعرب عن اعتقاده بأن السبب وراء ذلك هو أنه «في حالة حلّ مجلس النواب، يحتاج تشكيل الحكومة إلى إجراءات طويلة لا يمكن إنجازها بـ30 يوماً، على عكْس حالة سحْب الثقة التي يكون فيها ذلك ممكناً، مع وجود مجلس النواب المنتخَب ووجود رئيس الجمهورية المُصوَّت عليه».