بغداد | تتهيّأ بلاد الرافدَين لخوض أولى التجارب الانتخابية المبكرة في عراق ما بعد 2003. فبعد 18 عاماً من الغزو، وما أعقبه من تغيير للنظام الحاكم، جاءت استقالة حكومة عادل عبد المهدي على إثر احتجاجات واسعة اعتُبرت بمثابة تحوّل في تاريخ بغداد الحديث والمليء بالانقلابات والدماء. تحوُّل ترافق مع إصرار شعبي على الذهاب إلى انتخابات مبكرة، مثّلت في ما بعد، إحدى نقاط الجدل الرئيسيّة التي تدور حول عملية الاقتراع، في ظلّ انقسام سياسي مؤيِّد لها وآخر معارض لتنظيمها. ولعلّ رغبة حكومة مصطفى الكاظمي في استدعاء إشراف أممي على الانتخابات بهدف الحدّ من عملية التزوير، كانت مثار جدلٍ عزَّز بدوره الانقسام السابق حول فرضيّة التدخّل الدولي، فضلاً عن أنه أثار مخاوف متعلّقة بقلب النتائج. على أن أكثر الصيغ شيوعاً للمساعدات التي تقدّمها الأمم المتحدة في هذا المجال، هي مساعدة فنيّة، أي مراقبة ودعم عملياتي للمراقبين الدوليين ومساندة في خلق بيئة مساعدة للانتخابات، في حين أن الإشراف الانتخابي والتنظيم والتصديق على النتائج تُعدُّ من الصيغ النادرة للخدمات الأممية. وفي هذا الإطار، يقول مصدر سياسي مطّلع، لـ"الأخبار"، إن "طلب الحكومة العراقية يتماشى مع الاهتمام والقبول الدوليَّين"، مضيفاً إن "المفوضية العراقية للانتخابات دعت 54 سفارة و21 منظمة دولية إلى إرسال مراقبين انتخابيين".

ومن المقرّر أن تُنظّم الانتخابات المبكرة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو تاريخ يضاعف الشكوك لدى فريق المعارضين في قدرة المفوّضية والحكومة على المضيّ قُدُماً في إجرائها، على رغم أن الفريق الوزاري الحالي اعتبر أن الاقتراع المبكر جزء أساسي من ورقة عمل الحكومة التي يترأسها الكاظمي. على هذه الخلفية، يقول مصدر نيابي، في حديث إلى "الأخبار"، إن الدفع في اتجاه انتخابات مبكرة، وما رافقه من مصادقة على قانون انتخابات جديد في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، كان بمثابة "خضوع فاتر لمطالب المحتجين"، إذ وافقت الأحزاب على إدخال تعديل في متن قانون الانتخابات بتغيير الصيغة من تحالفات تُنتخب عبر 18 منطقة انتخابية في المحافظات، إلى مرشحين وأحزاب موزّعين على 83 دائرة انتخابية. ويوضح المصدر، في حديثه، أن تغيير صيغة القانون "فنيّاً" سيمنح الناخبين حرية اختيار عضو البرلمان من مناطقهم السكنية، بدلاً من اختيار تحالف سياسي أو مرشّح على مستوى المحافظة.

دعت المفوضية العراقية للانتخابات 54 سفارة و21 منظمة دولية إلى إرسال مراقبين انتخابيين


إزاء ما تقدَّم، يُستبعد أن تؤدّي هذه التعديلات إلى تأثير سلبي على الأحزاب الكبرى التي تستطيع التلاعب بالأصوات عبر المحافظات، حتى إن الانتخابات قد لا تحمل تغييراً في الخريطة السياسية الداخلية، علماً بأن القوى "الكردية" و"السُنّية" بدت أكثر تنظيماً من نظيرتها "الشيعية". فـ"الحزب الديموقراطي الكردستاني" قرّر خوض الانتخابات معتمداً على تاريخه السياسي وإرثه الممتدّ من أسرة آل بارزاني، في حين اندمج كلّ من "الاتحاد الوطني الكردستاني" و"حركة التغيير" في قائمة واحدة حملت اسم "التحالف الكردستاني". من جهتها، انقسمت الزعامات "السُنّية" إلى ثلاثة تحالفات: الأوّل "تحالف العزم" بقيادة خميس الخنجر والذي اصطفّ خلفه صقور القوى "السُنية"، بينما يُعتبر هذا التحالف الأقرب إلى رؤية تركيا وقطر؛ في حين تكفّل رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، بقيادة "تحالف تقدّم" والذي ضمّ الجيل الثاني من السياسيين "السُنّة"، وهو تكتل يُتّهم بأنه قريب جداً من السعودية والإمارات؛ وفي المستوى الثالث جاء "تحالف الحسم" الوطني برئاسة النائب ثابت العباسي وبعض نواب المحافظات المحرّرة من "داعش"، إضافة إلى أعضاء انشقّوا من تحالفَي "تقدم" و"عزم". في المقابل، قرّرت القوى الشيعية "الكبيرة" ــــ مثل تحالفَي "الفتح" و"سائرون" ــــ خوضَ السباق الانتخابي منفردة من دون الاندماج في تكتّلات أخرى؛ إذ يقول مصدر سياسي، لـ"الأخبار"، إن إعلان التحالفات السياسية دون وجود اسم "الفتح" قد يمهّد لتشظّي التحالف وخوض كلّ طرف فيه الانتخابات منفرداً. لكن زعامات "الفتح" فنّدت هذه الرواية، وأكدت مراراً أن قائمتها ستخوض الاقتراع باسمها وبأطرافها المنضوية فيها وعلى شكل موحّد لا انشقاق فيه. أمّا "التيار الصدري"، فحبّذ الدخول منفرداً تحت عنوان "الكتلة الصدرية".
في هذا الوقت، دخل بعض الناشطين من الذين شاركوا في التحرّكات الاحتجاجية في أحزاب سياسية استعداداً للانتخابات المقبلة، في حين اكتفت زعامات أخرى بالتحالف في ما بينها كتكتيك للابتعاد عن القوى التقليدية من مثل "تحالف قوى الدولة الوطنية" الذي يضمّ رئيسَ الوزراء الأسبق حيدر العبادي، ورئيس "تيار الحكمة" عمار الحكيم، واللذين كانا قريبَين من التحالف مع رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، قبل أن ينسحب الأخير من السباق الانتخابي المؤمّل انطلاقه قريباً، لتلحقه تيّارات جديدة أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة؛ أبرزها ما يتعلّق بجدية تنظيم الانتخابات في تشرين الأول المقبل، وخصوصاً أن هناك عاملَين حاسمَين في ذلك: الأوّل فنّي ويتعلّق باستعداد المفوضية للانتخابات؛ والثاني سياسي يتمثّل في وجود تيارات وأحزاب تؤيّد الانتخابات علناً وتماطل في تنظيمها سرّاً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا