في السنوات التي أعقبت الغزو الأميركي للعراق، في عام 2003، ظلّ هذا البلد حاضراً ضمن أجندة المتنافسين على كرسيّ الرئاسة، لكن تلك القاعدة كُسرت في السباق الأخير إلى البيت الأبيض، ما أوحى بانتقال الملفّ العراقي إلى هامش أولويات الإدارة الجديدة في المنطقة، حيث تُمثّل إيران، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أولويةً أكثر إلحاحاً، رغم أن العراق مثَّل ساحةً مهمّة من ساحات التصعيد الأميركي ضدّ الجمهورية الإسلامية، وخصوصاً بعد اغتيال قائد «قوّة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، وما تبع الحادثة مِن تصاعُدٍ للهجمات الصاروخية على المصالح الأميركية، والتي كان آخرها استهداف قاعدة «عين الأسد» الجوية في الأنبار، يوم أمس.

أمام هذا الواقع، يصبح العراق في صلب أولويات الإدارة الجديدة، التي تُحاذر انسحاباً يغيّبها عن إحدى الساحات الرئيسة في المنطقة. ولمّا اكتفى عرّاب فَدرَلَة العراق، جو بايدن، في خلال حملته الانتخابية، بإطلاق وعدِ «إنهاء الحروب فى أفغانستان والشرق الأوسط، والتى كلّفتنا دماءً وأموالاً لا تُقدّر بثمن، واستنزفت قدرتنا على القيادة فى قضايا أخرى تتطلّب اهتمامنا، ومنعتنا من إعادة بناء أدوات القوة الأميركية الأخرى»، لم تغفل ملاحظاته فكرة البقاء المحدود لاستكمال مشروع «الحرب على الإرهاب»، الذي أطلقه جورج دبليو بوش. وتلك ركيزةٌ عزّزها قرار «حلف شمال الأطلسي» توسيعَ حضوره العسكري في بلاد الرافدين، من 500 إلى أربعة آلاف جندي تتمحور مهمّتهم حول «دعم القوّات العراقية في تصدّيها للإرهاب، وضمان عدم عودة تنظيم داعش»، الذي شكّلت عمليّاته الأخيرة، في العراق وسوريا، سنداً لتشريع بقاء الاحتلال أطول فترة ممكنة. من هنا، جاء تحذير مجلّة «فورين بوليسي» من تجاهُل إدارة بايدن لملف العراق، إذ لفتت إلى أن الهجوم الانتحاري المزدوج الأخير في بغداد (كانون الثاني/ يناير) يُعتبر بمثابة تذكير بأن هذا البلد يجب أن يكون في قائمة أولويات الإدارة الجديدة، خصوصاً أن الانتخابات المرتقبة، في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، تُعدُّ فرصة لتغيير الوضع القائم، والحدّ من النفوذ الإيراني في العراق. وعليه، يجب أن تكون للإدارة ثلاث أولويات في العراق:
أولاً: عدم السماح للعناصر المتطرّفين، أيّاً كانت عقيدتهم، بمهاجمة المصالح الأميركية في العراق، ولا يقتصر ذلك على السفارة الأميركية أو القواعد العسكرية، بل يمتدّ أيضاً إلى الحكومة العراقية والبنى التحتية والمنشآت النفطية والحدود.
ثانياً: دعم الشباب العراقي المنتفض وعدم الوقوف كمتفرّجين كما حصل في سنوات ماضية، وضرورة المشاركة في المعركة العراقية والشرق أوسطية من أجل تعزيز «المُثل العليا التقدميّة ودعم الدولة القومية العلمانية، على حساب دولة الميليشيات والحكم الطائفي».
ثالثاً: مواجهة «أجندة إيران التوسُّعية» في المنطقة، من خلال مساعدة العراق على استعادة سيادته والحدّ من التدخُّل الأجنبي في البلاد.

يسعى الرئيس الأميركي إلى الحفاظ على وجود عسكريّ أبديّ لقواته في العراق


إزاء ما تقدَّم، يسعى الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى الحفاظ على وجود عسكري أبديّ لقوّات بلاده في العراق، عبر اللجوء إلى ذرائع سبق أن أطلقتها إدارة الرئيس السابق، دونالد ترامب. والطرح الذي قدّمته الإدارة الجديدة لدورها في بلاد الرافدين، لا يشير إلى إحداث تحوُّلات كبرى، تختلف عن الأهداف الأميركية المعلَنة منذ الغزو. وفي هذا السياق، أشارت الكاتبة بوني كريستيان، في مقالة نشرها موقع «ديفنس وان» الأميركي، إلى تصريحات القائم بأعمال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، ريتشارد ميلز، في خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي عُقدت منتصف شباط/ فبراير الماضي، في شأن أهداف الإدارة الجديدة في العراق. وبحسب ميلز، تشمل الأولويات القصوى للولايات المتحدة مساعدة العراق على ما سمّاه «بسط سيادته في مواجهة الأعداء في الداخل والخارج»، من خلال منع عودة «داعش» والعمل على تحقيق الاستقرار في هذا البلد، وهو ما يعني تسهيل إجراء «انتخابات حرّة ونزيهة»، ومواجهة «الميليشيات المرتبطة بإيران» والجماعات الإرهابية مثل «داعش»، إضافة إلى تخصيص الأموال للتنمية الاقتصادية وتحسين الوضع الإنساني والقضاء على الفساد. تبَنّي هذه الأهداف الواسعة، يعني، بحسب الكاتبة، أن الوجود الأميركي في العراق سيستمرّ إلى أجل غير مسمّى. وباستثناء مسألة «داعش»، لفتت إلى أن جميع الأهداف التي ذُكرت تقع ضمن أهداف الولايات المتحدة المعلَنة منذ عام 2003، موضحةً أنه لا يمكن القضاء الكامل على «داعش» عبر الوسائل العسكرية، وبالتالي فإن استمرار الوجود العسكري الأميركي في العراق حتى القضاء على آخر إرهابي هناك، يعني حضوراً دائماً. وفي هذا السياق، خلصت إلى أن الحرب الأميركية في العراق تحوّلت، منذ فترة، إلى «مشروع لمكافحة الإرهاب والتمرّد»، وإنهاء هذه الحرب يقتضي إنهاء هذا المشروع. ولا يتطلّب التعامل مع بقايا «داعش» إبقاء القوات الأميركية على الأرض إلى أجل غير مسمّى، بحسب الكاتبة التي ذكّرت بايدن بأن «الولايات المتحدة ليست الخصم الوحيد للإرهاب، إذ إن جميع القوى الإقليمية (بما فيها إيران) ليست صديقة لداعش وتقتضي مصلحتها السيطرة على تمدُّد التنظيم الإرهابي». وذكَرت أن «إطالة أمد الوجود العسكري الأميركي في العراق يسهم في ارتفاع حدّة التصعيد من خلال وضع القوات الأميركية في خطر من جهات عديدة معادية للولايات المتحدة»، وسمّت، في هذا السياق، «داعش» و»الميليشيات المرتبطة بإيران»، فيما حذّرت من أن إطالة أمد هذه الحرب «يزيد من احتمالات الحرب مع إيران، ويتضارب مع أهداف بايدن على صعيد العلاقات بين واشنطن وطهران». وفيما أشارت إلى أن «الغالبية الساحقة من الشعب الأميركي لا تدعم الحرب في العراق، وتدرك ما لا تدركه الحكومة الأميركية على ما يبدو، وهو أن التأخير في إنهاء هذه الحرب هو خطأ يضاف إلى خطأ غزو العراق»، شدّدت على «ضرورة أن يُنهي بايدن هذه الحرب، وأن يسحب جميع القوات الأميركية من العراق على الفور.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا