بغداد | منذ تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، تاريخ اندلاع الموجة الأخيرة من الحراك الشعبي في العراق، بدت مدينة الناصرية، مركز محافظة ذي قار، جنوب العراق، متمايزة عن غيرها، من حيث تسارع الأحداث؛ إذ إن غالبية المدن العراقية شهدت، عقب التاريخ المذكور، هدوءاً نسبياً، باستثنائها، حيث كلّما انفضّت تظاهرة، خرجت أخرى أكبر، وأحدثها الأسبوع الماضي، عندما ظلّل الرصاص والقنابل المسيّلة للدموع المحتجّين. وبدأ هذا التصعيد مع تجمُّع عشرات المواطنين أمام مبنى ديوان المحافظة، وسط المدينة، للمطالبة بإقالة المحافظ، ناظم الوائلي، الذي يتّهمونه بإهمال مطالبهم، قبل أن ينضمّ إليهم العشرات من متخرّجي الجامعات الباحثين عن فرص عمل. لكن، لدى محاولة المتظاهرين إجبار موظّفي الديوان على مغادرة المبنى، اندلعت اشتباكات مع قوات الأمن سقط على إثرها مراهق يبلغ من العمر 14 عاماً، إضافةً إلى العشرات من الجرحى. وما زاد المشهد تعقيداً، انتهاء زيارة وزير الداخلية عثمان الغانمي، ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي، يوم الأربعاء الفائت، للمحافظة، من دون تحقيق المطلب الرئيس للمحتجّين، المتمثّل في إقالة الوائلي.

بدلاً من ذلك، طلب الغانمي والأسدي مهلة 10 أيام، ريثما تنتهي زيارة بابا الفاتيكان للناصرية، للنظر في مطالبهم، إلّا أن المحتجّين أمهلوا الحكومة الاتحادية 72 ساعة لتلبية 10 مطالب تكون مدخلاً إلى تعليق الاحتجاجات التي نجم عنها، في خلال الأسبوع الأخير، مقتل 6 أشخاص. وتمحورت تلك المطالب حول ما يلي:
1- الكشف عن الجهة التي قتلت المتظاهرين ومحاسبة الضبّاط الذين أصدروا أوامر إطلاق النار.
2- إقالة قائد شرطة المحافظة والتحقيق مع المحافظ المُقال في ملفّات فساد.
3- تعيين محافظ مدني وغير متحزّب من أبناء المدينة.
4- إلغاء التهم الكيدية والتعسّفية ضدّ الناشطين.
5- إقالة مديري الدوائر المنتمين إلى أحزاب سياسية، والإسراع في إنجاز المشاريع المتلكّئة في المحافظة.

تتنازع الأحزاب على مخصّصات ضخمة مرصودة لمحافظة ذي قار في ميزانية 2021


إثر ذلك، أعلن رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، تشكيل لجنة تحقيق عليا تتكّون من أعضاء في الجيش والاستخبارات والأمن الوطني، للوصول إلى حقيقة ما جرى في الأيام الأخيرة في المدينة، مانحاً إيّاها أسبوعاً واحداً لكشف الحقائق. وتحدّث الكاظمي عن خيارَين كانا أمامه: «إمّا الإبقاء على الوضع نفسه، أو البعث برسالة طمأنينة إلى المواطنين بأننا جادّون في البحث عن حلول، ولهذا اتخذنا قراراً بإقالة المحافظ وتكليف الفريق عبد الغني الأسدي بإدارة شؤون المحافظة بشكلٍ مؤقّت إلى حين الاتفاق على محافظ جديد، ولا سيما أن المحافظة مقبلة على حدثٍ عالمي وإنساني مهمّ، وهو زيارة قداسة البابا للناصرية»، مضيفاً «(أننا) شكّلنا مجلساً استشاريّاً من تسع شخصيات من أهالي الناصرية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة والخبرة، ويكون المجلس مرتبطاً بي شخصيّاً، أتابع من خلاله احتياجات المحافظة ودعم المحافظ الجديد، وطلبتُ من الأسدي التواصل مع المتظاهرين وشيوخ العشائر والوجهاء والفعاليات الاجتماعية والسياسية والنخب في الناصرية ليطرحوا لنا مجموعة مرشّحين لمنصب المحافظ... طلبنا خمسة أسماء نناقشها في مجلس الوزراء ونختار أحدها». وأشار إلى أن من المفترض أن يتمّ اختيار محافظ عبر انتخابات عادلة، لكن «بما أن هناك مشكلة قانونية أساساً في قضية محافظ ذي قار، وليست ثمة قدرة على إجراء انتخابات مجالس المحافظات الآن، فقد طلبنا من الوجهاء والقوى السياسية ومن المتظاهرين ومن كلّ أبناء هذه المحافظة أن يتّفقوا على اسم للمرشح في خلال فترة قريبة».
في خلفية ما شهدته المدينة، تكشف مصادر مطّلعة، في حديث إلى «الأخبار»، أن جانباً من التحرُّكات الأخيرة مرتبط بالأحزاب، التي تتنازع على مخصّصات ضخمة، تقارب تريليوناً و300 مليار دينار (900 مليون دولار)، مرصودة في موازنة العام 2021 لمحافظة ذي قار. ولذا يريد كلّ من تلك الأحزاب جعل منصب المحافظ من حصّته، الأمر الذي دفع - من جملة أسباب أخرى - إلى تصعيد الاحتجاجات ضدّ المحافظ المقال، الذي كان مدعوماً من قِبَل جزء من كتلة «سائرون» (المدعومة من زعيم «التيّار الصدري»، مقتدى الصدر). في هذا الوقت، أعرب ناشطون من ذي قار، من على منصّة «كلوب هاوس» للتواصل الاجتماعي (التي شهدت هجرةً إليها أخيراً، لكونها تتيح إمكان إجراء الحوارات بين أصحاب آراء متعارضة من خلال غرف دردشة صوتية) عن أملهم في أن تكون زيارة بابا الفاتيكان للمدينة بدايةً لـ«رفع الجور عنهم، وإنهاء المعاناة التي يعيشونها منذ سقوط النظام السابق»، وسط عجز الحكومات المتعاقبة عن إيجاد الحلول المناسبة لهم وتوفير أبسط متطلّبات الحياة في المدينة المنكوبة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا