ثمة من «التمس» في كلمة آية الله علي الخامنئي، أمام ضيفه مصطفى الكاظمي، هجوماً مبطّناً ودعوة إلى الإسراع في إخراج قوات الاحتلال الأميركيّ، وتهديداً للأخيرة باستمرار العمليات ضدّها. ثمة من «يوافق» على ذلك، لكنّه يؤكّد أن الموقف العراقي أكثر «صراحة» من المعتاد. رغم ذلك، ثمة من يقول، من المحسوبين على الكاظمي، إن الحديث «كان رائعاً وصريحاً، وتطرّق إلى غالبية الملفات الحسّاسة، والملف العراقي الداخلي». مخرجات الزيارة ستترجم في الأيام المقبلة سلوكاً رسميّاً وغير رسمي من جانب الإدارتين، وحلفائهما.

... وشاءت الظروف أن تكون زيارة رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، الأولى، إلى العاصمة الإيرانيّة طهران. وفق «جدول أعماله» كان مقرّراً أن تكون الثانية عقب زيارته إلى العاصمة السعوديّة الرياض، التي أُجّلت قبل ساعات من موعدها إثر تدهور حالة الملك سلمان الصحيّة. لكن هذه الزيارة، شكلاً ومضموناً، توجب الوقوف والتمعّن فيها، خصوصاً أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، آية الله علي الخامنئي، حرص على استقبال ضيف يُعدّ الثاني بعد الرئيس الإيراني، حسن روحاني، منذ أشهر، وتحديداً مع تفشي جائحة كورونا في الجمهوريّة.
الخامنئي أبلغ ضيفه أن «بلاده لن تتدخل في علاقة بغداد بواشنطن»، محذّراً إيّاه في الوقت عينه من (نتائج) «الوجود الأميركي بالقرب من الحدود العراقيّة ــ الإيرانيّة، الذي يتسبّب في انفلات أمني». كما قال له إن «إيران لن تتدخل في علاقات العراق مع أميركا، لكنّها تتوقع من الأصدقاء العراقيين أن يعرفوا أميركا، ويدركوا أن وجودها في أي بلد يسبب الفساد والدمار والتدمير»، مضيفاً: «طهران تتوقع الالتزام بالقرارِ البرلماني العراقي الملزم بطرد القوات الأميركيّة من البلاد». كذلك، تطرّق إلى اغتيال قوّات الاحتلال الأميركي قائد «قوّة القدس» في «حرس الثورة» الإيراني، قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، مطلع العام الجاري، بغارة لطائرة مسيّرة في محيط مطار بغداد الدولي، إذ أكّد أن طهران «لن تنسى أبداً ذلك، وستوجّه ضربة انتقاميّة مماثلة إلى الأميركيين»، علماً بأن طهران ردّت على الاغتيال بإطلاق صواريخ بالستيّة على قواعد تشغلها قوات الاحتلال غرب العراق وشماله، ما يعني أن هذا التصريح يحمل دلالة بالغة الأهميّة، هي أنّ «الردّ» أقرب إلى أن يكون سلسلة عمليّات «مؤلمة» تأخذ مساراً تصاعديّاً وفق قواعد الاشتباك الإيراني ــ الأميركي في المنطقة. وفي معرض انتقاده النفوذ الأميركيّ في بلد الضيف، قال الخامنئي إن «إيران تعارض ما يضعف الحكومة العراقية، عكس واشنطن التي لا تريد حكومة عراقيّة مستقلّة وقويّة منتخبة عبر تصويت شعبي».

ثمة لقاءاتٌ عُقدت بعيداً من الضوء، منها لقاء الكاظمي بإسماعيل قآني


في المقابل، أشاد الكاظمي بـ«التضحيات الإيرانيّة الجسيمة» في العراق، خصوصاً إبّان الحرب على تنظيم «داعش»، موضحاً أن «الشعب العراقي لن ينسى أبداً دعم إيران له، فالعلاقات الثنائيّة عميقة وتاريخيّة وثقافيّة ودينية». وفيما أشاد بإرشادات الخامنئي بوصفها «مفتاح حل المشكلات»، في إشارةٍ منه إلى مكانته المعنويّة الكبيرة لدى حلفاء طهران العراقيّين، شدّد رئيس الوزراء على وقوف بغداد إلى جانب طهران في أزمتها الاقتصاديّة، وذلك على هامش لقائه أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» علي شمخاني الذي كرّر مواقف القائد، لافتاً إلى أن «انعدام الأمن في المنطقة مردّه حضور أميركا غير المشروع... الحل لإخراج المنطقة من الأزمة هو تعاون دولها بعيداً من حضور وتدخل القوّات الأجنبيّة». شمخاني، الذي تربطه علاقةٌ قويّة بالكاظمي، أكّد له أيضاً أن «طهران تتوقّع من الحكومة العراقيّة التصدي بحزم للإجراءات المتعارضة مع الأمن التي استهدفت مصالح البلدين»، وهذا ما استدعى تأكيداً من الأخير بالقول إن «العراق لن يسمح بأي تهديد من أراضيه ضد الأراضي الإيرانيّة».
عمليّاً، عُدّ الشقّ الأمني الأبرز في لقاءات الكاظمي مع المسؤولين الإيرانيّين. وثمة لقاءاتٌ عُقدت بعيداً من الضوء، منها لقاؤه قائدَ «قوّة القدس»، إسماعيل قآني، والأخير سبق أن حذّر الأميركيّين قبل أيّام بالقول إن «الأيام الصعبة لم تحن بعد، وهناك أيام عصيبة جداً تنتظر الولايات المتحدة والكيان الصهيوني». هذه اللقاءات حملت، وفق المعلومات، دعوة الكاظمي إلى «ضبط» بعض الفصائل المحسوبة على طهران، تسهيلاً لإنتاج «مخرجات جديّة» عن الحوار الاستراتيجي العراقيّ ــ الأميركي، المتوقّع أن تكون جولته الثانية مطلع الشهر المقبل في العاصمة الأميركيّة واشنطن. أما الجوانب الأخرى، وتحديداً التجارية والاقتصادية، فحضرت بقوّة في اجتماعات الكاظمي ــ روحاني والمسؤولين الآخرين، وذلك بمشاركة وزراء الخارجيّة والماليّة والصحة والتخطيط، إذ ركّزت على «توسيع العلاقات التجارية، ورفع قيمة التبادل إلى أكثر من 20 مليار دولار أميركي، ومحاربة كورونا، والجهود المبذولة لضمان الاستقرار الإقليمي». وفيما تعهّد الرئيس الإيراني بمساعدةَ بغداد بـ«تزويدها بكل ما تحتاج إليه من أدوات صحية وطبية لمحاربة كورونا»، طالب الجانب الإيراني ضيوفه بضرورة تسديد «الفاتورة الكهربائيّة» البالغة أكثر من ثلاثة مليارات دولار، في وقت أكّد فيه الجانب العراقي الوفاء بالتزاماته، مطالباً بالمزيد من الوقت من جرّاء الواقع الاقتصادي الصعب الذي ترزح تحته البلاد.
(الأخبار)