بغداد | يصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، في الساعات القليلة المقبلة، إلى العاصمة العراقيّة بغداد، مستكملاً زيارة «بعيدة عن الأضواء» أجراها وفد رفيع من وزارة الاستخبارات والأمن الوطني (إطلاعات)، مطلع الأسبوع الجاري. ووفق مصادر حكومية عراقية بارزة، تحدّثت إلى «الأخبار»، فإن هذه الزيارات تُعدّ تمهيداً لزيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، للعاصمة الإيرانية طهران، الثلاثاء المقبل، حيث يلتقي كبار المسؤولين الإيرانيّين، فيما «لقاء الكاظمي بالمرشد علي خامنئي لم يحدد إلى الآن».

زيارة الوفود الإيرانيّة لبغداد، وتحديداً منذ اغتيال قوّات الاحتلال الأميركي قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» قاسم سليماني، ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، ورفاقهما، مطلع العام الجاري، تحمل ثلاثة أبعاد رئيسيّة:
- بناء رؤية واضحة المعالم للمشهد العراقي. هذه «الرؤية» لم تعد تقتصر على «مقاربة فريق واحد» (أي «قوّة القدس»). القيادة الإيرانية، في مقاربتها الأخيرة، طلبت من مختلف دوائر القرار فيها «بناء تصوّر كامل وبإحاطة وافية لمشهد بلاد الرافدين»، كما يُنقل عن مطّلعين. هذا الطلب دفع بهذه الجهات إلى زيارة بغداد، علناً أو بعيداً عن الأضواء، ولقاء المسؤولين هناك، للاستماع إلى الهواجس وتقييم التجربة وتسجيل الملاحظات، والبناء عليها.
- تطوير العلاقات الثنائيّة في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والصحّية؛ تسعى بغداد إلى الاستفادة من الخبرات الإيرانية في مكافحة فيروس «كورونا»، أمّا طهران فتسعى إلى تقديم المزيد من «العروض المغرية»، والمتعلّقة بالنهوض بالقطاعين المائي والكهربائي، مع التماسها في الآونة الأخيرة أن فريق الكاظمي بات قاب قوسين أو أدنى من إبرام «مذكرة تفاهم» (قابلة للتنفيذ) مع دول «مجلس التعاون الخليجي» برعاية أميركية، لتطوير القطاع الكهربائي.

تسعى طهران إلى تقديم المزيد من «العروض المغرية» المتعلّقة بالماء والكهرباء


- الوساطة المرتقبة، بقيادة الكاظمي، بين طهران والرياض. يسعى الطرفان إلى «رسم» تفاهم غير مباشر، ويعوّل على الكاظمي أن يقوم بدور في ذلك. يُنقل عن مقرّبين من رئيس الوزراء العراقي «تفاؤلهم» في ذلك، وخصوصاً أن للكاظمي علاقاته «الجيّدة» مع الجانب السعودي، إضافة إلى بعض الدوائر في طهران، والمتحمّسة لـ«خفض حدّة التوتّر» في المنطقة.
الفارق هنا بين الكاظمي وسلفه عادل عبد المهدي أن علاقات الأخير «شرقاً» (أي طهران) تُعدّ أوسع مقارنةً بعلاقاته «جنوباً» (أي الرياض). أمّا الكاظمي، ومنذ عام 2016، ومع تولّيه رئاسة «جهاز المخابرات»، فقد استطاع بناء علاقة «عميقة» مع وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، وهذا ما يمنحه «قوّة دافعة» تمكّنه من النجاح في مهمته هذه. ثمّة من يقول في بغداد إن الكاظمي «عرّاب» بناء الثقة السعودية - العراقية، في حكومة حيدر العبادي، وتالياً في حكومة عبد المهدي. هذه العوامل قد تمنح الرجل قدرة إضافيّة على المناورة، ومزيداً من الهوامش، لتقريب وجهات النظر بين الجانبين.
في بغداد، يُتوقّع أن يحمل ظريف «سلّة أفكار» من شأنها أن تكون «المادة الأوّليّة» للتفاهم مع السعوديّة. في اليوم التالي، سيزور الكاظمي السعودية حاملاً في جعبته هذه الأفكار لعرضها هناك على المعنيين، ليعود الثلاثاء إلى إيران، محمّلاً بـ«الأجوبة المنتظرة». وبذلك يكون، إذا نجح، قد بنى «أساسات مصالحة» يُنتظر أن تترجم نتائجها في المنطقة الممتدة من طهران شرقاً حتى بيروت غرباً، مروراً ببغداد ودمشق وصنعاء.