تحدياتٌ بالجملة يواجهها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، منها داخلي ومنها خارجيّ. يسير الرجل في حقل من ألغام متشابكة. انفجار أحدها يعني انفجارها جميعاً دفعة واحدة. يدرك الكاظمي جيّداً أن الأحزاب والقوى، التي «ذلّلت» العقبات أمامه لتسنّمه المنصب، جاهزة، وفي أي لحظة، للتخلّي عنه، نزولاً عند رغبة خارجية أو مصلحة سياسية. يدرك الكاظمي، جيّداً أيضاً، أن لهذه الأحزاب والقوى خطابين متناقضين، في كثير من الأحيان، تحت الضوء وبعيداً منه. وهذا ما يعرقل خطوات حكومته في تنفيذ سياساتها «الإصلاحيّة» وإجراءاتها. في المقلب الآخر، ثمّة من يتّهم الكاظمي بـ«تقديم خطاب متناقض كثيراً... فالمرحلة متخمة بالشعارات، وتفتقر إلى إجراءات جدّية تنقذ البلاد من السقوط المدوّي».

يمكن اختصار أبرز التحديات، بناءً على بيان الكاظمي الوزاري، في الآتي:
1- جائحة «كورونا»، وسبل مكافحتها.
2- تأمين رواتب موظفي القطاع العام (حوالى 6 مليارات دولار سنويّاً).
3- البحث عن موارد إضافيّة لمدخولات الميزان التجاري، وتأمينها، في ظل انهيار أسعار النفط عالميّاً.
4- مكافحة الفساد وإرساء قواعدَ لذلك، من شأنها أن تكون منطلقاً لأي عمليّة إصلاحيّة في المرحلة المقبلة.
5- «استعادة هيبة الدولة» وصياغة آليّة، من شأنها حصر السلاح بيد القائد العام للقوّات المسلّحة.
في المقابل، تبرز بعض العوامل التي يمكن أن تكون فرصة لإنجاح التجربة:
1- الالتفاف المحلّي حول الكاظمي وحكومته. ثمّة طيف واسع من الأحزاب والقوى لا يزال داعماً للرجل، ويدعو إلى منحه المزيد من الوقت.
2- الدعم الإقليمي والدولي للكاظمي، والمقصود هنا طهران والرياض وأبو ظبي، بالدرجة الأولى، وأنقرة والدوحة بدرجة أقل. أمّا واشنطن ولندن فمن أبرز داعميه الغربيين.
3- الحوار الاستراتيجي العراقي - الأميركي، والآمال الإيرانيّة المعقودة على نجاحه، وخاصّة أن هدفه الرئيسي تنظيم خروج قوات الاحتلال الأميركي من البلاد.
4- التفاهم غير المباشر بين طهران وواشنطن، على ضرورة «التهدئة» حاليّاً، وضبط الاشتباك القائم في الميدان العراقي.
5- رغبة الكاظمي في توسيع التعاون التجاري بين العواصم الإقليميّة، وبلورة مشروع «السوق المشرقيّة»، لاستثمار وتبادل الموارد المتاحة.
تأخذ إجراءات الكاظمي أبعاداً داخليّة بحتة، وأخرى يتداخل فيها العاملان الداخلي بالخارجي. المشهد العراقي معقّد للغاية، ويزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، لأسباب عدّة، أبرزها:
1- افتقار الدولة العراقيّة ومؤسساتها إلى القدرات والإمكانات اللازمة لمواجهة التحدّيات الصحّية والاقتصادية.
2- الحسابات الخاطئة (بناءً على نصائح خاطئة) التي تنعكس مباشرة سياسات وقرارات وإجراءات، وتوجب، في المقابل، ردود فعل قد تقضي على الكاظمي وحكومته.
3- استشراء الفساد في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وعجز دعاة محاربته عن ذلك، أو انخراطهم بشكل أو بآخر في هذه المنظومة.
أمام هذا المشهد، ثمّة من يحذّر من عودة موجة الاحتجاجات الشعبية، وخاصّة أن الحكومة الاتحاديّة فشلت في ضبط انتشار «كورونا». فشلٌ لا يتحمّله الكاظمي، بل المنظومة الحاكمة التي عجزت طوال الأعوام الماضية (منذ نيسان/ أبريل 2003) عن تأسيس وبناء قطاع صحّي قادر على تأمين الرعاية اللازمة للمواطنين في مختلف الظروف. شكلاً ومضموناً، ستكون الاحتجاجات مختلفة عن تلك التي خرجت في 1 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي. أحزاب «البيت الشيعي»، وتحديداً فصائل المقاومة، ستكون حاضرة وبقوّة. ثمّة تخوّف جدّي من أي «انفلات أمني». هذه المرّة، وفق أكثر من مصدر، لا يمكن ضبط الشارع «الملتهب»، وخصوصاً بعد حزمة من القرارات التي اتخذها الكاظمي، ساهمت في زيادة «الشرخ»، سياسيّاً وجماهيريّاً:
1- مداهمة البوعيثة، وتبعاتها (راجع «الأخبار»، عدد 4085). هذه الخطوة وحّدت من موقف الفصائل ضد الكاظمي.
2- الركون إلى الدعم الإقليمي والدولي، لضبط بعض «المشاغبين» الصغار، واللجوء إلى قوى دون أخرى، على قاعدة «دعم الكبير خيرٌ من دعم الصغير».
3- إعلان القضاء العراقي عن نيّته إصدار عفو عن: طارق الهاشمي وواثق العيساوي وأثيل النجيفي وعلي حاتم السليمان.
4- إضعاف خصومه السياسيين، بتعويم وجوه وإقصاء آخرين، في توجّه يخدم علاقات الكاظمي الإقليمية والدولية.
في النقطة الأولى والثانية، بدا واضحاً أن علاقات الكاظمي مع طهران وواشنطن، راهناً، «طيّبة». لهذا السبب، تعوّل الأولى على نجاح حوار من شأنه أن يحقّق هدفها الاستراتيجي: انسحاب الاحتلال الأميركي من العراق. إن حقّق الكاظمي هذا الهدف، فقد يكون الدعم الإيراني «شبه مفتوح». في المقابل، تترقّب واشنطن التزام الكاظمي ببيانه الوزاري، وتحديداً في الشقّ المتعلّق بـ«ضبط سلاح الفصائل». ما جرى في البوعيثة، الأسبوع الماضي، بيّن الضعف الحكومي إزاء قوّة الفصائل. والسؤال هنا: كيف قرأت واشنطن حادثة البوعيثة؟
إضافةً إلى ذلك، بدا واضحاً أيضاً أن الكاظمي يفضّل فريقاً على حساب آخر. القوى المكوّنة لـ«تحالف الفتح» والمؤيّدة لـ«الحشد الشعبي»، وعلى رأسها هادي العامري وقيس الخزعلي وأحمد الأسدي (إضافة إلى نوري المالكي)، تنظر بامتعاض أقرب إلى السخط على أداء الكاظمي. هنا السؤال: هل ثمّة تناقضٌ ما، استطاع الكاظمي الاستفادة منه؟ داخل العراق وخارجه؟

بدا واضحاً أن علاقات الكاظمي مع طهران وواشنطن، راهناً، «طيّبة»


في النقطة الثالثة، وبمعزل عن صوابيّة القرار، ثمّة من يراه ضرباً لصدقيّة القضاء العراقي، وتحديداً لشخص رئيس «مجلس القضاء الأعلى» فائق زيدان. هل لُفّقت تهمٌ لهؤلاء الأربعة سابقاً؟ الإجابة بـ«نعم» تعني أن القضاء مسيّس. أمّا الإجابة بـ«لا» فتوجب أسئلة عدّة، أبرزها: ماذا يريد الكاظمي بخطوته تلك؟ في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى وقفة شعبيّة، قبل أيام، تنديداً بهذه القرار.
الإجابة عن سؤال ماذا يريد الكاظمي، يمكن تلمّسها في النقطة الرابعة: إضعاف الخصوم. ثمّة من يعتقد أن الكاظمي يسعى إلى تفريغ خصومه السياسيين، وتحديداً كل «لاعب» قد يشكّل خطراً/ منافساً له. هذه الاستراتيجيّة تستند إلى إشغال الخصوم بالخصوم. الوجوه الأربعة ستزعج رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، الساعي إلى بسط زعامته على مكوّنات «البيت السُنّي». قرارٌ قد يساهم في «تفريق» حلفاء الحلبوسي، ودفعهم إلى التموضع مجدّداً في معسكر سيكون ناتجه دعم الكاظمي.
كذلك، يسعى الكاظمي إلى سحب أوراق القوّة بيد خصومه داخل «البيت الشيعي». كل وجه قد يكون «قناة» اتصال معتمدة بين الشرق والغرب سيكون تلقائيّاً «هدفاً للإقصاء». ثمّة من يقول ممازحاً إن «الدولة أصبحت بوليسيّة»، في إشارة إلى «إطلاق الكاظمي يد جهاز المخابرات». في المقابل، ثمّة من يدافع عن هذه الرؤية بالقول إن «منطق الدولة يفرض اعتماد قناة محدّدة، هي رئاسة الوزراء، توزّع بدورها المهمات على المسؤولين والمعنيين». وبمعزل عن هذا الحديث، يتوقّع في الأيّام المقبلة تغييرات «صادمة» لرؤساء بعض الأجهزة العسكريّة والأمنيّة، في خطوة ستحمل دلالات كثيرة بناءً على الوجوه/ الخيارات البديلة.