بغداد | قائد «قوّة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، إسماعيل قاآني، في العاصمة العراقيّة بغداد. الزيارة التي استمرّت ليومين، هي الثانية للرجل منذ أن عُيّن خليفةً للجنرال قاسم سليماني. لم تكن زيارة استثنائيّة؛ هادئة وأقرب لأن تكون «تأكيد المؤكّد»، والاستماع إلى هواجس الحلفاء والتخفيف منها.

لقاءات قاآني كانت بعيدة عن الأضواء. تمسّك الجنرال الإيراني بثوابت سبق وأن أعلن عنها في زيارته الماضية. في الشكل والمضمون، حملت دلالات عدّة، خاصّة أنه كان جزءاً من الوفد الإيراني برئاسة وزير الطاقة رضا إركادنيان، والذي التقى كبار المسؤولين العراقيين. دخل البلاد بتأشيرة رسمية، والتقى بمسؤولي «البيت السياسي الشيعي». استمع إلى وجهة نظرهم إزاء الأداء الإيراني في «بلاد الرافدين»، لكنّه وفي لقائه مع قادة «هيئة الحشد الشعبي»، أجاب على أكثر الأسئلة «إشكاليّة»: ماذا تريد طهران من «الحشد» تحديداً؟ وخصوصاً بُعيد الاتهامات التي وجّهت إلى قيادة «القدس» بأنها تسعى لأن يكون «الحشد»: «حشداً ولائياً/ إيرانيّاً» (نسبة إلى المعتقدين بنظرية «ولاية الفقيه»).
في لقائه مع قيادة «الحشد»، أكّد قاآني أن «الحشد حشدٌ عراقي»، مكرّراً ما قاله في زيارته الأولى. لم يصعّد أبداً بل دعا إلى الهدوء وحل المعضلات بعقل بارد، مشدّداً – غير مرّة – على أن «الحشد» هو «حشد المرجعية الدينية العليا»، وأن طهران تدعم هذا «الحشد» وترفض أن تزجّ بنفسها في الخلافات الداخليّة، بل تسعى إلى تقريب وجهات النظر إن طُلب منها. حديث قاآني «المعنوي»، ومن ضمنه تأكيده على دور «الحشد» البطولي لم يخلُ من التطرّق أيضاً إلى المشهد السياسي، والتأكيد مرّة أخرى على رفض إيران (في سياق مطالعة قدّمها لأداء المعنيين في طهران للملف العراقي) التدخّل بأي شكل من الأشكال في الشؤون العراقيّة كما كان سابقاً، مستشهداً بالقول إن «رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، ليس خياراً إيرانياً ولم تفرضه طهران على حلفائها العراقيين. هو خيار عراقي اختارته القوى السياسية العراقية، وهي من تتحمّل مسؤولية ذلك»، مضيفاً أن «نجاحه سيصبّ حتماً في مصلحة البلدين، وإن فشل ستكون لذلك نتائج عكسيّة».

أكّد خليفة سليماني أن «الحشد حشدٌ عراقي» مكرّراً ما قاله في زيارته الأولى


الزيارة، في الشكل والمضمون والتوقيت، أثارت مجموعة من الأسئلة، لكنّها أكّدت على جملة معطيات:
1- جاءت قبل أيّام من تصويت البرلمان على الحقائب الشاغرة في حكومة الكاظمي، ما يدلّ على دعم طهران لها، وتأكيدها على ضرورة استكمالها.
2- جاءت قبل أيّام، أيضاً، من انطلاق الحوار العراقي – الأميركي الاستراتيجي، في ظل ترحيب إيراني مبطّن، مقرون بالإعلان عن نتائجه النهائيّة. هنا، ثمّة من يؤكّد أن الإيرانيين متمسّكون بخيار طرد قوات الاحتلال الأميركي من منطقة غرب آسيا، إما بالسياسة وإما بالميدان، وإن كان الخيار الأوّل حاليّاً هو الأنجع، فالمضيّ به واجب ونتائجه تحدّد الخيارات البديلة.
3- جاءت الزيارة، في المضمون، بأن «فيلق القدس»، وإن كان رأيه هو الراجح في الملف العراقي، إلا أنّه جزء لا يتجزّأ من منظومة الحكم الإيرانيّة، وهذا ما يرتّب قنوات اتصال جديدة قد تظهر في المرحلة المقبلة، من شأنها أن تكون «ضابطة إيقاع» العلاقة بين طهران وبغداد.
4- حملت الزيارة تأكيد الجانب الإيراني على ضرورة الاستماع لهواجس العراقيين، والعمل على تهدئتها، ورفض طهران الدخول في السجالات العراقيّة، بل الاكتفاء بدور «المصلح»، والعمل على تقريب وجهات النظر في لحظات الخلاف.
يحاول البعض أن يقارن الأسلوب المتبع بين سليماني وقاآني، علماً أن جدول الأعمال الحالي، نظراً إلى الظروف المحيطة في العراق والمنطقة، يفرض أسلوب عمل مغايراً لما سبق وأن اتبع منذ عام 2003 (الغزو الأميركي)، بتعبير أكثر من مصدر سياسي مطّلع.
في غضون ذلك، من المرجّح أن يصوّت البرلمان العراقي في الساعات المقبلة، على مرشّحي الوزارات الشاغرة في حكومة الكاظمي، بعدما أرسل الأخير أسماء المرشحين إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي. وكان لافتاً أن «البيت الكردي» أصرّ على ترشيح وزير المالية السابق فؤاد حسين، لمنصب وزير الخارجية، وسط ترجيحات بأن يفشل في نيل الثقة، وخصوصاً أن معظم الكتل النيابيّة ترفض توزير أي وجه مجرّب. كذلك، ضمّت قائمة المرشّحين كُلّاً من إحسان عبد الجبار لحقيبة النفط، وحسن ناظم لحقيبة الثقافة، وإيفان فائق لحقيبة الهجرة والمهجرين، وعلاء أحمد حسن عبيد لوزارة التجارة، ومحمد كريم جاسم صالح لوزارة الزراعة، وسالار عبد الستار محمد لوزارة العدل.