عدنان الزرفي رئيساً لوزراء العراق. مرشح «الدقائق» الأخيرة كلّفه رئيس الجمهورية أمس، وسط انقسام حادّ بين داعم ورافض. الأحزاب والقوى، تحديداً المكوّنة لـ«البيت الشيعي»، منقسمةٌ على نفسها. التباين وصل إلى داخل الائتلاف البرلمانيّ الواحد، وحتى داخل الكتلة الواحدة. قبل أسابيع، ثمة من قال من المحسوبين على السفارة الأميركيّة إن عادل عبد المهدي مرشّحٌ إيرانيٌّ قبلته الولايات المتحدة، أما بديله، فأميركيٌّ ترضى به طهران. هذا ما حدث مع تصدّر الزرفي. تنشرُ «الأخبار» رواية الساعات الأخيرة التي سبقت لحظة التكليف.

صباح الإثنين، بطلب مستعجلٍ من رئيس الجمهوريّة، برهم صالح، توجّه رئيس جهاز المخابرات، مصطفى الكاظمي، إلى «قصر السلام». عرض صالح على الكاظمي تولّي منصب رئاسة الوزراء بعدما أخفقت «اللجنة السباعيّة» في تسمية مرشّح يحوز دعم أركان «البيت الشيعي». «كتلة سائرون» المدعومة من زعيم «التيّار الصدري»، مقتدى الصدر، و«كتلة الحكمة» المدعومة من زعيم «تيّار الحكمة الوطني»، عمار الحكيم، و«ائتلاف النصر» بزعامة رئيس الوزراء السابق، حيدر العبادي، أسندت إلى صالح تكليف البديل مع اقتراب المهلة الدستوريّة من نهايتها (16 الجاري). رفض الكاظمي عرض صالح، راهناً قبوله بتحصيل إجماعٍ «شيعيٍّ ــــ شيعيّ»، وتحديداً من «الفتح» (ائتلافٌ يضم الكتل المؤيدة لـ«الحشد الشعبي»، بزعامة هادي العامري) و«سائرون»، ثم «الفضاء الوطني» (يحظى الكاظمي بدعم القوى «السُنّية» و«الكرديّة»)، إضافة إلى «الاستفهام عن رأي المتظاهرين» في ذلك. عجز الرئيس عن توفير تلك الشروط، رغم محاولته إقناع الرجل. فسارع إلى إبلاغ الكتل «الشيعية» أنّه مع نهاية «المهلة»، سيضطّر إلى تكليف «أي أحد»، داعياً إيّاهم إلى طرح مرشّح توافقيّ.

تفتقد السياسة العراقيّة سليماني القادر على ضبط المشهد المتفلّت


تنازل الصدر ــــ الحكيم ــــ العبادي قابله تبدّلٌ في المواقف. العامري، وزعيم «ائتلاف دولة القانون»، نوري المالكي، وفالح الفيّاض، تراجعوا عن دعم نعيم السهيل. كان الأخير قريباً من الظفر بالمنصب لولا الكشف عن «وثيقة» صادرة عن «هيئة المساءلة والعدالة» تثبت علاقة السهيل «الطيبة» بـ«حزب البعث» المحلول. هنا خرج من «الصندوق» اسم عدنان الزرفي. تجمّعٌ نيابيّ يضمّ أكثر من 30 نائباَ (من أصل 328) شُكّل حديثاً، «عابرٌ للطائفية» يطرح اسم الزرفي. سريعاً تلقّف صالح المبادرة، وأبلغ المعنيين داخل العراق وخارجه عزمه على تكليفه. تصاعدت حدّة النبرات الرافضة التي لم تخلُ من التهديد، في حال مضيّ الرئيس بتكليف الزرفي، في وقت رحّب فيه الصدر والعبادي (والحكيم ضمناً) بهذه الخطوة التي لاقت أيضاً قبولاً لدى البيتين «السُنّي» و«الكردي». ولمنح المفاوضات «فرصةً أخيرة»، أعلن صالح تأجيله مراسم التكليف حتى الـ 12 ظهراً (أمس)، على أمل التوصل إلى اتفاق يرضي الجميع. لكن الاتصالات الأخيرة فشلت؛ وأقيمت المراسم بحضور نوّاب عن كتل رفضت ترشيح الرجل.

المرشّح «الجدليّ»
في حديثها إلى «الأخبار»، تؤكّد مصادر بارزة في «تحالف البناء» (ائتلافٌ يضم العامري والمالكي والفيّاض وخميس الخنجر، وآخرين...) أنّ رفضها الزرفي عائدٌ إلى جملة أسباب: هو «مجرّبٌ وجدليّ»، أي عكس المواصفات التي حدّدتها «المرجعيّة الدينيّة العليا» (آية الله علي السيستاني) لبديل عبد المهدي. تجربته محافظاً للنجف توجب الأسئلة والشبهات. أما «انحيازه» السياسي إلى معسكر واشنطن (منذ 2004)، فيفرض أسئلة عن مقاربته الأزمة القائمة منذ 1 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019. وإن أرادت المصادر «وضع المعايير جانباً»، وتذييل العقبات أمام الرجل، فثمة من يسأل: كيف يُكلّف متهمٌ مباشرة بالتورّط في أحداث النجف الأخيرة وتحديداً حرق القنصليّة الإيرانيّة وضريح مؤسس «المجلس الأعلى الإسلامي العراقي» محمد باقر الحكيم، وتوتير المناخات في ساحة «الصدرين» و«العشرين»، عدا تلقّيه دعماً خارجيّاً، من دول خليجيّة، لتأسيس كيانات سياسية لها مقاربتها «الخاصّة» لمشهد بلاد الرافدين؟
كذلك ثمة من يحذّر من مقاربات الزرفي في أكثر من ملف، وإمكانيّة تنصّله من «التزامات» واجبة، كانسحاب قوات الاحتلال الأميركي، إضافة إلى علاقات العراق الإقليميّة والدوليّة، وتبعيّة «الحشد الشعبي» ونقل إمرته إلى وزارة الدفاع. أسئلةٌ تفتقد إجابات «مقنعة»، وتوجّه تحديداً إلى الجهات الداعمة (والصامتة) لتبوّئه المنصب.

عن «الضياع الشيعي»
يبرز دعم الصدر والعبادي للزرفي، كما يبرز قبولٌ ضمنيٌّ من الحكيم. أما «الفتح»، فمنقسمون إزاء الرجل. في العلن، وفي بيانه الأخير، ثمة اعتراضٌ على «الخطوة غير الدستورية التي قام بها رئيس الجمهورية بتكليف مرشح خارج السياقات الدستوريّة التي تنص على تكليف مرشح الكتلة الأكبر». بعيداً عن الأضواء، هناك جناحان داخل هذا الائتلاف، وحتى داخل الكتلة الواحدة (بدر، العصائب، السند...) يوجد انقسامٌ حاد. أما المالكي والفيّاض، فيرفضان تكليفه. خريطة تُبرز «تفككين»: الأوّل على مستوى «سائرون ــــ الفتح»، والثاني على مستوىً أشمل، أي «البيت الشيعي». هنا، يعلّق مصدرٌ سياسيّ مطّلع بالقول إن «مفردة التحالف الاستراتيجي داخل البيت الشيعي صارت من مفردات قاموس التاريخ السياسي... بين أركان البيت شبه قطيعة... وإن تحدّثوا والتقوا، فمع فقدان لمشروع شيعيّ أو وطني، أو حتى مصلحيّ مشترك». لذلك، تمر قواعد التحالف والتخاصم بـ«تحول جديد لا يعرفون أبعاده أو تداعياته». يضيف المصدر إن «الراعي النجفي (المرجعيّة) والإيراني في إجازة إجباريّة أو طوعيّة عن أولادهم المشاغبين»، إذ «نرى لاعباً سياسيّاً قديماً يحاول أن يعيد مجده، ولاعباً شابّاً يحاول وضع أعمامه على الرّف، ليملأ وأقرانه من الشباب الفراغ السياسي، ويحدّدوا من سيكون رئيس الوزراء».
أسئلةٌ يطرحها المصدر عن أسباب «الحيرة» الإيرانيّة، و«ما يمكن عمله وسط هذه الفوضى السياسيّة الشيعيّة والعراقية». هناك من يستذكر، من ساسة «الشيعة» وغيرهم، في هذا السياق، دور قائد «قوّة القدس» في «الحرس الثوري» الإيرانيّ، قاسم سليماني، في جمع أركان «البيت الشيعي». هذا الدور، مع مرور الزمن، يبرز أكثر، وخاصّة أن العملية السياسية تفتقد رجلاً قادراً على ضبط إيقاع المشهد المتفلّت يوماً بعد آخر.



هل «يُسقط» المكلف الجديد؟


أكثر من سبب دفع إلى تصدّر عدنان الزرفي قائمة المرشحين لتسنّم منصب «حاكم بغداد»، بعدما اتسمت مفاوضات تسمية بديل عادل عبد المهدي بـ«تصفية الحسابات الشخصيّة»، وتمسّك المفاوضين بمبدأ «التسقيط السياسي»، وتغييب «معايير» اختيار رئيس الوزراء، التي نادت بها مختلف الأحزاب والقوى السياسية. فإلى جانب «الكيديّة»، كان لافتاً غياب أي رعاية خارجيّة لحوارات الأقطاب، والتخبّط الكبير في اتخاذ القرار، ضمن مقاربة القيادات العراقيّة للأزمة السياسيّة الراهنة وآليّات حلّها.
ثمّة من يؤكّد أن سيناريو «اعتذار» محمد توفيق علّاوي سيتكرّر مع الزرفي، إذ قالت مصادر سياسيّة إنّه «خلال الساعات المقبلة، سيصدر موقفٌ موحّدٌ يرفض التكليف ــــ عابرٌ للطائفيّة ــــ يضم أكثر من 120 نائباً»، معولة أن ينضمّ أكثر من 50 نائباً إلى هذا الحراك «على أمل إسقاط» المكلف. في المقابل، يُسجّل للزرفي مهارته في نسج العلاقات مع مختلف الفئات والقوى، وهذا ما استطاع فعله رغم الخصومات السياسية في محافظته، النجف، بالدرجة الأولى، وفي البرلمان بالدرجة الثانية، وقد برز ذلك في مراسم تكليفه، وحضور عدد من نواب كتلٍ رفضت ترشحيه، بحجّة «الحضور شخصي». هذه الميزة، في عمليّة هشّة قائمة على تبادل المصالح والمكاسب، من شأنها أن تكون الدافع الأكبر للرجل في تشكيل حكومته خلال المدة الدستورية الممنوحة له (30 يوماً).