رسمياً، يرشّح اليوم «تحالف البناء» قصي السهيل رئيساً للوزراء في العراق. حلفاء إيران، على اختلافهم، حفظوا مكتسبات الانتخابات التشريعية الأخيرة (أيّار/ مايو 2018). خيارٌ يؤمن بأن حضور طهران، في الميدان السياسي، يفوق حضور واشنطن. رصّت طهران صفوف حلفائها، الذين طرحوا رجلاً يتمتّع بـ«القوّة والحزم والشجاعة»، موفّقين بذلك بين رؤيتهم ورؤية «المرجعية الدينية»، ومُبعدين الإدارة الأميركية، وحلفاءها الخليجيين، عن دائرة التأثير بآليات انتقاء رئيس الوزراء العتيد. السهيل، بوصف البعض «نظيف الكفّ»، يراهن عليه لقيادة البلاد في المرحلة المقبلة، وتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن، لحفظ ما يمكن حفظه في «بلاد الرافدين». على أن تحدّيات ستبقى قائمة؛ منها موقف الشارع والتشكيلة الحكومية وقصر عمر الحكومة التي إن خرجت قريباً فستكون بحكم الحكومة الانتقالية.

قصي عبد الوهاب السهيل (البصرة 1965)، رئيساً جديداً لوزراء العراق. القوى والأحزاب السياسية أجمعت على تبنّي وزير التعليم العالي كـ«خيار»، وفق مصادرها، يحظى برضى «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني)، ومقبولية شريحة «معيّنة» من الشارع المنتفض منذ 1 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي.
لكن، ثمة من يسعى إلى رفض هذا «الخيار»، من القوى والأحزاب أوّلاً، والشارع ثانياً. وفق معلومات «الأخبار»، فإن «تيّار الحكمة الوطني» بزعامة عمار الحكيم، و«التيّار الصدري» بزعامة مقتدى الصدر، و«ائتلاف النصر» بزعامة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، يرفضون هذا الطرح، لأن «المرحلة المقبلة تتطلّب شخصيّة مستقلة لا سياسية ولا حزبيّة». وقد لمّح الصدر إلى ذلك بتغريدة على «تويتر»، بالقول إن «المجرّب لا يجرّب». هذه القوى، لا تستبعد، وفق مصادرها، تصعيداً شعبيّاً رافضاً ترشيح السهيل. غير أن قوى في الحراك الشعبي القائم (الذي بعضه على تواصل مباشر مع القوى والأحزاب) يرى أن الحديث عن شخص رئيس الوزراء المقبل «ليس إلا مصيدة... لن يعود علينا بالنفع». ويُنقل عن هؤلاء قولهم إن «الانشغال بشخص المرشح البديل، ورفض أي مرشح تسووي، لن يعود على الحركة الاحتجاجيّة بالنفع»، لأن «المرحلة المقبلة انتقالية... وعمر هذه الحكومة لن يتجاوز العام الواحد، على أقصى التقديرات، قبل أن تُجرى انتخابات تشريعية مبكرة». ويدعو هؤلاء المحتجين إلى «متابعة دقيقة لتفاصيل قانون الانتخابات التشريعية (من المتوقّع أن يُمرّر في الجلسة البرلمانية التي ستُعقد اليوم)، وقانون المفوضيّة العليا المستقلة للانتخابات، وفهم كل تفاصيلها»، لأن «الكلمة الفصل ستكون لصناديق الاقتراع... لا لغيرها».

المرحلة المقبلة ستكون تحدّياً للجميع وعلى رأسهم حلفاء طهران


وعلى خط مواز، تؤكّد مصادر سياسية مطّلعة أن القوى والأحزاب، رغم إعلانها وجوب نيل المرشّح «رضى المرجعية»، فإنّ الأخيرة «لم تتدخّل أبداً في لعبة الأسماء وتفاصيلها، بقدر تحديدها صفات الرئيس (الحزم والقوّة والشجاعة)، واختياره ضمن المهلة الدستورية، والإشارة إلى بعض مهمات حكومته المرتقبة». وتضيف المصادر، في حديث إلى «الأخبار»، إن «المرجعية لم تبد أي تأييد أو اعتراض على السهيل أو غيره من المرشحين»، بل تركت الأمر للأحزاب والقوى. وتذهب المصادر إلى القول إن القوى والأحزاب المتسلّحة برفض الشارع لخيار السهيل، بوصفه مرشّح «تحالف البناء» (تحالف نيابي واسع يضم «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري، و«ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، وآخرين)، ستكون أمام تحدّي «حسم التموضع السياسي»، قبيل إجراء الانتخابات التشريعية المبكرة العام المقبل، على اعتبار أن المرحلة المقبلة «ليست مرحلة حكم، بل مرحلة انتقالية، تهيئ لمناخات تحوّل سياسي». وعليه، فإن المرحلة «ليست لتصفية الحسابات، أو تحقيق المكاسب، ويمكن تأجيلها إلى المرحلة اللاحقة، والتي تلي الانتخابات المبكرة». والمطلوب، وفق المصادر، وبالدرجة الأولى «ضبط الشارع المنفلت أمنيّاً»، وهو تحدّ كبير للحكومة ورئيسها والقوى، على حد سواء، في ظل «الاختراق الاستخباري الغربي ــــ الخليجي للشارع». أما بالدرجة الثانية، فإن التحدي يكمن في «تهيئة» الأجواء لإجراء انتخابات نزيهة، ستشكّل نتائجها تحوّلاً كبيراً في شكل التركيبة الحاكمة، استناداً إلى القانون المقدّم. هذه النصائح قُدّمت إلى تلك القوى، وقُدّمت أيضاً من باب الحرص على «وحدة البيت الشيعي»، وحرصاً على أن لا تُستخدم (بطريقة غير مباشرة، وعن غير علم) في مشروع ضرب العملية السياسية القائمة (وسبل إنقاذها راهناً)، والذي تزامن انطلاقه مع انطلاق الحراك الشعبي قبل شهرين.
أما الصدر، ومن مقرّ إقامته في مدينة قم الإيرانية (جنوبي العاصمة طهران) حيث يتابع دراسته الدينية، فقد أكّد في تغريدة له أن «المجرّب لا يُجرّب». تفسير المقولة، والتي تبنّتها «المرجعية» سابقاً، أن «الفاشل في تجربته لا يُجرّب مجدّداً، أما الناجح فلا يشمله المعنى». وعليه، ثمّة من أكّد من القوى أن الصدر لم يقصد السهيل بشكل مباشر، على غرار تلميحه المباشر والرافض للمرشحين: محمد شياع السوداني ومحمد إبراهيم بحر العلوم. ويضيف هؤلاء إن الصدر «يراهن» على نجاح تجربة السهيل، رغم «العتب» المتبادل بينهما، وخصوصاً أن «السيّد» يمتعض كثيراً من «انشقاق» أي قيادي في تيّاره؛ فكيف وأن السهيل قد انتقل من ضفّة الصدر إلى ضفّة المالكي إبّان ولايته الثانية (2010 - 2014)، عندما كان نائباً أوّل لرئيس البرلمان. ومردّ هذا الرهان، وفق المصادر، ثقة الصدر بقدرات «رفيق سلاحه» السابق، لأنّه «جُرّب ونجح»، ما عُدّ عاملاً مطمئناً حال دون إعلان موقف حازم تجاهه، بل ركوناً إلى «صمت» فُسّر بأنّه علامة من علامات الرضى.
أما الشارع، فقد ترجم رفضه للسهيل في أكثر من لافتة عُلّقت في «ساحة التحرير»، وسط العاصمة بغداد. إلا أنّه، حتى الآن، لم يعبّر بشكل واضح وصريح عن رفضه المطلق. الساعات القليلة المقبلة ستكون حاسمة في معرفة وتبيان وجهة نظر الشارع، مع بدء تقديم الكتل السياسية السهيل إلى رئيس الجمهورية برهم صالح، كمرشح لرئاسة الوزراء. المصادر مطمئنة من «تمرير» السهيل، مع وجود تعهّدات بضبط القوى والأحزاب جمهورها الحاضر في الساحات، ودفعهم للعودة إلى منازلهم.
ويفترض، بحسب المصادر، أن يُكلّف السهيل صباح غد الخميس، أي في اليوم الأخير للمهلة الدستورية، ليبدأ بعد ذلك مرحلة أخرى من رحلة «التحدّي»، أي التكليف الحكومي ومواجهة مطامع البعض بالظفر بالحقائب الوزارية، والتي يعدّونها «مغانم وحقّاً مكتسباً»، علماً بأن المرحلة المقبلة ستكون تحدّياً للجميع، لا للسهيل فحسب، بل لكل الطبقة الحاكمة وعلى رأسها حلفاء طهران.



ابن «التيّار الصدري»... حليف «الدعوة»


ينحدر قصي عبد الوهاب السهيل، من مدينة البصرة الجنوبية. شغل الرجل الخمسيني مناصب عدّة، آخرها وزيراً للتعليم العالي في حكومة عادل عبد المهدي (2018 - 2019)، ليكون ممثل «ائتلاف دولة القانون» بزعامة نوري المالكي، داخلها. حائز الدكتوراه في الجيولوجيا من «جامعة بغداد» عام 1996، وأستاذ في قسم الجيولوجيا (كليّة العلوم، جامعة البصرة)، منذ عام 2006 حتى 2018.
بين عامي 2004 و2005، برز اسم السهيل كعضو في «الجمعية الوطنية»، ثم عضواً في البرلمان في أولى دوراته (2006 - 2010) بعد الاحتلال الأميركي للبلاد، ممثّلاً لـ«التيّار الصدري». وفي الدورة الثانية (2010 - 2014)، شغل السهيل منصب النائب الأوّل لرئيس البرلمان. في تلك الفترة، فضّل التحالف مع المالكي على البقاء تحت عباءة مقتدى الصدر، ما عدّه الأخير «انشقاقاً مؤذياً»، ليضع الصدر السهيل على «لائحة المغضوب عليهم».
هذا الخيار، أكسب السهيل جدليّة كبرى، تفرض سؤالاً عن قدرته على «حفظ رأسه» في ظلّ الصراع الدائم بين الصدر والمالكي. وإن اعتبر البعض أن السهيل بات جزءاً من فريق المالكي، إلا أنّ المقربين منهما، يؤكّدون أنّهم حلفاء مع «تحفّظهما» على بعض الأداء ومقاربة بعض الملفات.