بغداد | تجلس الشقراء سيماء العزّاوي، بعدما سرّحت شعرها على الطريقة الفرنسية، إلى جانب علياء محمد في «ساحة التحرير» وسط العاصمة بغداد. تساعدها في «لفّ ساندويشات» الشاورما للمتظاهرين. في الخيمة ذاتها، تُحفّز الأربعينية «أم علي» النسوة الأخريات على الإسراع في إعداد وجبة الغداء. مشهدٌ بات مألوفاً هناك، منذ انطلاق الموجة الثانية من الاحتجاجات المطلبية في 25 تشرين الأوّل/ أكتوبر الماضي. النسوة الثلاث يواظبن على المشاركة في هذه الاحتجاجات، على رغم فارق العمر والمظهر؛ فـ«الجينز» والعباءة العربية السوداء وحّدتهما المطالب المعيشية. ثمّة قصة لكلّ واحدة منهن مثّلت دافعاً لها للمشاركة المستمرة.

بعد عام 2003، عانى العراق من اضطرابات أمنية كبيرة، خلّفت فيها الجماعات الإرهابية، ولا سيما تنظيما «القاعدة» و«داعش»، آلاف الأرامل والأيتام، من جرّاء القتل الممنهج الذي طال المدنيين والعسكريين على السواء. هكذا، سجّلت البلاد ارتفاعاً كبيراً في نسبة الأرامل، إذ تجاوزت أعدادهن 820 ألف أرملة، 55% منهن فوق سنّ الـ50، و35% بين الـ22 - 49 سنة، و10% بين الـ 16 - 21 سنة، بحسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية. كلّ ذلك ترافق مع ارتفاع نسب البطالة وبلوغها حدوداً قياسية، وصلت إلى أكثر من 55% في صفوف النساء.
في الحراك المستمرّ في العراق، والذي عُرف شعبياً بـ«ثورة أكتوبر»، كان لافتاً حضور النساء للمرة الأولى منذ عقود. أصبحن أيقونات الحراك وثيمته الأساسية. ينتشرن في «التحرير» وبقية الساحات في معظم المحافظات الجنوبية. يساعدن المتظاهرين في الطبخ وإعداد الطعام، ويقفن إلى جانبهم في رفع الشعارات المطالبة بالإصلاح وتقديم الخدمات، إضافةً إلى مساعدتهن للمسعفات في إنقاذ آلاف الشباب من الاختناق. مهامّ لا يغيب عنها رفع الصوت للمطالبة بكسر «ذكورية» مهيمنة على فكر الدولة والمجتمع في آن واحد.

تجاوز عدد الأرامل في العراق 820 ألف أرملة


سيماء، التي تحمل لافتة «#نريد_وطن»، لم تستطع - على رغم محاولاتها الحثيثة - الحصول على عمل يُمكّنها من إعالة أسرتها المكوّنة من ثلاث شقيقات ووالدتها، بعدما فقدت والدها في أحد تفجيرات بغداد عام 2013. أما «أم علي»، فتذرف دموعها لدى ذكر الشهداء والأيتام أمامها. اغتيل زوجها وسط العاصمة عام 2008. ومنذ ذلك الحين، تفترش الأرض في أحد أسواق بغداد الشرقية، حيث تبيع الخضار والفاكهة لإعالة طفليها وتعليمهما. من جهتها، تطالب علياء محمد بتخصيص راتب شهري لها - ولمثيلاتها من الأرامل -، يُمكّنها من توفير لقمة العيش لأطفالها الثلاثة.
وأسهمت الفئات النسوية المختلفة في دعم الاحتجاجات المطلبية، ما يدلّ على أن المرأة العراقية باتت أكثر وعياً بدورها وحقوقها. وتعتقد الناشطة في هذا المجال، ميسون البيضاني، أن «المرأة العراقية تحتاج في الوقت الحاضر إلى أكثر من فرص العمل، إذ تطمح إلى تغيير وضعها القانوني في قانون الأحوال الشخصية عبر تشريعات جديدة تضمن حقوقها وتحفظ كرامتها»، مشيرةً في حديثها إلى «الأخبار» إلى أن النسوة يطالبن بـ«إفساح المجال لهن ليأخذن دورهن داخل البرلمان، وحمايتهن من القوانين القبلية والعشائرية التي تفتك بالمرأة، لا سيما في المناطق الريفية». بدورها، تلفت سارة علي، إحدى المتظاهرات، إلى أن «غالبية النساء في التحرير لم يخرجن إلا بعدما ضاقت بهن سبل العيش، وعجزن عن الحصول على فرص عمل لتأمين معيشتهن»، مضيفة أنهن «مصمّمات على عدم العودة إلى منازلهن حتى تحقيق مطالبهن بتغيير الواقع الاقتصادي والخدمي للبلاد». وتتابع أن «الأرامل مِمَّن نال الإرهاب معيليهنّ بِتْن ينزلن إلى التحرير ليكنّ جزءاً من الاحتجاجات ولإثبات ذواتهن».