بغداد | الوصول إلى «ساحة التحرير»، وسط العاصمة بغداد، ليس بالأمر الصعب. الطرقات سالكة. شبّانٌ وشابات في طريقهم إلى هناك، حيث المكان الأوحد للتظاهر، على عكس التظاهرات الماضية التي شهدتها معظم الساحات والطرق البغدادية. هتافات الذاهبين إلى الساحة بسيارات «التاكسي» ليست كما العائدين منها على «التكاتك» (جمع تُكتك). الإحباط مرسومٌ على وجوه شباب فرّقتهم الغازات المسيّلة للدموع، والتي ألقاها عناصر من القوات الأمنية المختلفة، وتحديداً جهاز «مكافحة الإرهاب» الذي انتشر فجر أمس في معظم شوارع العاصمة. المواجهات المستمرة تأخذ طابعاً تصاعدياً، بدءاً من الساعة الثانية عصراً. البعض يفضّل مشاهدة ما يجري على جسر الجمهورية من على ضفاف نهر دجلة. شبّان غاضبون أضرموا النيران على الجسر، في ظلّ عجزهم ــــ حتى الآن ــــ عن الدخول إلى «المنطقة الخضراء». الخوف هو الشعور المتقاسَم بين مختلف القوى السياسية: أمنياً من انفلات الأمور والذهاب إلى الفوضى الشاملة، وسياسياً من العجز عن الخروج من الأزمة، في ظلّ التلويح بإضراب قد يكون مفتوحاً، ووسط دعوات إلى أن يكون الاثنين أوّل أيامه.

حتى الآن، بلغ عدد من سقط منذ بداية التظاهرات الأخيرة 74 قتيلاً و3654 جريحاً، وفق «المفوضية العليا لحقوق الإنسان». القوى الأمنية تؤكد أن الضحايا من صفوف الطرفين، الأمنيين والمتظاهرين. وهم سقطوا نتيجة الإصابات المباشرة بالقنابل الدخانية والمسيلة للدموع، إضافةً إلى الاقتتال الذي وقع في بعض المحافظات الجنوبية، التي شهدت أمس حظراً للتجوال، فيما تصفها مصادر عاملة في مكتب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بالمناطق الأقرب إلى أن تكون «قنابل موقوتة»، حيث بات الجميع متأهّباً لمواجهة «من سيقتله»، في انجرار واضح إلى «فتنة» يحمّل قائدا «تحالف الفتح»، هادي العامري وقيس الخزعلي، الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية الوقوف وراءها. عملياً، لا يمكن لأحد الآن التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور. صحيحٌ أن العمل جارٍ على ضبط الشارع، في ظلّ انزعاج يُنقل عن «المرجعية الدينية العليا» (آية الله علي السيستاني) مما جرى في اليومين الماضيين، إلا أنه بات واضحاً أن هناك من يعرقل بعض التفاهمات داخلياً وخارجياً. الولايات المتحدة الأميركية، التي أعربت عن دعمها لحكومة عبد المهدي قبل أيام، يُنظر إلى دورها في بغداد بعين الريبة، في ظلّ استمرار تحشيد الشارع من قِبَل منظمات المجتمع المدني التي تنادي بسقوف سياسية عالية. أما زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، والذي أعلنت كتلته النيابية الانتقال إلى صفوف المعارضة إلى جانب الكتلة التابعة لـ«تيار الحكمة» بزعامة عمار الحكيم، و«كتلة النصر» بزعامة حيدر العبادي، فينُظر إلى حراكه السياسي وتموضعه الحالي بالكثير من الاستهجان؛ إذ كيف يُعقل وضع رِجلٍ في الحكومة وأخرى في المعارضة؟ بحسب منتقديه. ثمة اليوم من يحمّل الصدر مسؤولية ما آلت إليه الأمور؛ كونه يسعى إلى كسب المزيد من المناصب داخل مؤسسات الدولة وفق البعض، فيما يرى آخرون أنه عازم على إقالة الحكومة الحالية ورئيسها، لكن مصادر عبد المهدي تؤكد أن «لا استقالة واردة حالياً»، معتبرة ذلك «هروباً من مسؤولية جسيمة».
إزاء الأداء السياسي للصدر، تُطرح تساؤلات حول خيارات بقية القوى المشاركة في الحكومة، وخصوصاً منها تحالف «الفتح»، فهل سيدير الأخير ظهره لشريكه في الائتلاف الحكومي، ويمضي في دعم عبد المهدي مهما كلّف الأمر؟ ثمة محاذير دون ذلك؛ أبرزها أن الحكومة والحال هذه ستكون محظيّة بغطاء سياسي من طيف واحد هو «الفتح»، لكن الذهاب إلى التفاوض مع الصدر من أجل تكريس اتفاق جديد من شأنه هو الآخر تكبيل الحكومة، التي تعاني أصلاً من حالة شلل لعدم إنجاز أحد أبرز برامج عملها، أي حسم الدرجات الخاصة (6000 درجة)، بفعل المحاصصة الحزبية والطائفية. الحديث عن اتفاق جديد بين «الفتح» و«سائرون» هو حديثٌ عن سنة أخرى لعبد المهدي، في تكرارٍ لسيناريو السنة الأولى من ولايته، مع ما تخلّلها من شدّ وجذب وعجز عن الإنجاز. وفي هذا الإطار، تتساءل قوى «الفتح» عن سبب تحميلها هي وعبد المهدي، فقط، مسؤولية الفساد المستشري في مؤسسات الدولة منذ عام 2003، علماً بأن القوى السياسية المختلفة التي تنادي اليوم بالإصلاح «هي نفسها التي عطّلت الكثير من الإجراءات لعدم نيلها حصة من الكعكة»، كما تعبّر مصادر «الفتح».