بغداد | رسائل عديدة، وفي اتجاهات مختلفة، حملتها استقالة وزير الصحة والبيئة، علاء الدين العلوان. رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، رفض الاستقالة، مانحاً العلوان «إجازة مفتوحة». بيان الوزير أشار إلى دوافع قراره: التعرض لضغوط سياسية من المتضرّرين من الإصلاح القائم في الوزارة، والتعرض أيضاً لحملات تشهير على منصات التواصل الاجتماعي، وذلك للتغطية على الفساد الموجود في «الصحة». البيان ذكر، كذلك، أن الوزير توصّل إلى «قناعة راسخة» باستحالة الاستمرار في ظلّ الظروف الحالية. فقد «حاول خلال الفترة الماضية تطوير القطاع الصحي وفقاً للبرنامج الحكومي، إلا أن فساد الفترة الماضية، الذي أنهك هذا القطاع، حال دون ذلك»، لافتاً إلى أنه «بذل جهوداً كبيرة لمقاومة الفساد وهدر المال العام، غير أن التدخلات والضغوط (من قِبَل جهاتٍ لم يسمّها) لا تريد النهوض بهذا القطاع».

العلوان، ابن الـ70 عاماً، ليس محسوباً على أي جهة سياسية. هو وزير مستقلّ، كما هو معلن. يروّج أنه مدعوم من «تحالف سائرون» (الجناح البرلماني لـ«التيار الصدري»)، لكن مصادر الأخير ترفض أي حديث مماثل. يتمسّك هؤلاء بمقولة أن «عبد المهدي هو من اختاره»، خاصة أن سيرته الذاتية حافلة بشغله مناصب عديدة داخل العراق وخارجه قبل تولّيه منصبه الحالي. العلوان، الذي كان مديراً إقليمياً لـ«منظمة الصحة العالمية» في الشرق الأوسط، ومديراً عاماً مساعداً لـ«منظمة الصحة العالمية» في جنيف، وممثلاً للمدير العام الصحي أثناء الأزمات والطوارئ الصحية، رفض - وفق عارفيه - الاستمرار في موقعه: «لم يكن الرجل منسجماً مع المنظومة الحاكمة في الوزارة... كان مكبّل اليدين، خاضعاً لعصابات تتاجر بأرواح المواطنين».
حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة «صدم» الوزير المستقيل، بحسب روايته. واقعٌ لخّصه نائب رئيس البرلمان الأسبق، بهاء الأعرجي (المنشق عن «التيار الصدري»)، بالقول إن «مدلولات الاستقالة كثيرة، وفي مقدمتها أن النزاهة والمهنية لا يمكنهما الاستمرار في مؤسسات الدولة للاستفادة منهما بسبب غلَبة الحزبية وقوة الفاسدين، وسيطرتهم على مفاصل مهمة في الدولة». أما وزير الخارجية، محمد علي الحكيم، فقد اعتبر أن الاستقالة، التي أتت «تحت ضغط الفاسدين، حققت مكسباً وقتيّاً لهم لا غير»، داعياً من يريد بناء دولة المؤسسات إلى «التصدي للابتزاز والضغط...».

استقالة العلوان اختبارٌ لعبد المهدي لجهة قدرته على مكافحة الفساد


وتجلّي استقالة العلوان عجز الحكومة عن تسمية/ تحديد الجهات الفاسدة، التي تعيق النهوض بالواقع الصحي في البلاد، على رغم الإمكانات الهائلة (خاصة لجهة السيولة المالية) الموضوعة تحت تصرّف هؤلاء المعنيين. لكن «العصابات»، وفق ما يصفها البعض، ترفض - على سبيل المثال - استيراد الأدوية والتجهيزات الطبية بسعر مقبول استطاع العلوان تأمينه، بل تمسّكت بصفقات تعود بالمنفعة عليها، وعلى «اللجان الاقتصادية» الخاصّة بأحزابها ومن يمنحها الغطاء. وقد حاول العلوان، أكثر من مرة، التصدّي لهؤلاء، بحسب ما يقول مطلعون لـ«الأخبار»، لافتين إلى أن «الوزير لجأ إلى القضاء بالأدلة والإثباتات، إلا أنه فشل في كفّ أيدي تلك الزمر التي تسرح في الوزارة ولا تنتهي في البرلمان». ويضيف هؤلاء أن «عدداً من النواب، وتحت عنوان استجواب الوزراء، يمارسون ضغوطاً لتمرير صفقات مشبوهة». وفي هذا السياق، كان لافتاً أمس إعلان «التيار الصدري» (الهيئة السياسية) تجميد النائب جواد الموسوي عن العمل لمدة 6 أشهر، وإحالته إلى «اللجنة الانضباطية»، لـ«عدم التزامه بضوابط العمل وسوء استخدام الدور الرقابي»، خاصة أن الموسوي عُرف بأنه «بطل» دعوة العلوان إلى الاستجواب.
خطوة العلوان، التي اتسمت بشجاعة مفقودة لدى وزراء آخرين، يراد من خلالها فضح فساد متجذّر منذ العام 2003، فيما يفضّل الآخرون السكوت وعدم الدخول في «نقاشات» مماثلة حرصاً/ حفاظاً على الحدّ الأدنى من «الصورة الإيجابية» تجاه وزاراتهم، علماً بأن كثيراً منهم «مكفوفو الأيدي» نتيجة الفساد المستشري. وهو واقع يفرض على عبد المهدي إيجاد حلول سريعة لـ«حماية» وزرائه من هذه «البلطجة». فحقيبة التربية - وعلى رغم مرور عام تقريباً على تشكيل الحكومة - لا تزال شاغرة، وباستقالة العلوان باتت «الكابينة» مؤلفةً من 20 وزيراً من أصل 22. وبذلك، فإن إخضاع/ ابتزاز الوزراء بهذا الشكل سيقود إلى إسقاط الحكومة من دون حاجة القوى السياسية «المعارضة» - المترقبة لهذه اللحظة - إلى إحداث «انقلاب» يطيح عبد المهدي، ويدفع إلى تشكيل حكومة جديدة. حتى الآن، من الصعب الجزم بأن «سبحة» الاستقالات ستكرّ، لكن المؤكد أن ما يجري اختبارٌ لعبد المهدي لجهة قدرته على مكافحة الفساد أولاً، والإبقاء على حكومته كاملة من دون فقد المزيد من وزرائها ثانياً، وإقناع الشارع العراقي والقوى السياسية على حدّ سواء بقدرة وزرائه على النهوض، ولو «جزئياً»، بالبلاد ثالثاً.