بغداد | يفتح عادل عبد المهدي ملفاً شائكاً وصعباً ظلّ مستعصياً على الحل طوال سنوات، وهو المتمثل في العقارات والأملاك التي تركها صدام حسين ورفاقه في عموم البلاد، والتي يتقاسمها الساسة من دون أن يدفعوا أي بدل مالي عن الإشغال للدولة العراقية. تقول مصادر عبد المهدي إن المعركة بدأت ولن تنتهي قريباً، لكن تساؤلات كثيرة تُطرح عن حظوظها في ظلّ استشراء الفساد وعموميته.

مع سقوط النظام السابق في نيسان/ أبريل 2003، عاد معارضو صدام حسين إلى العراق. سارع هؤلاء إلى تقاسم «كعكة» أملاك «نظام البعث» وعقاراته، الممتدة على طول البلاد وعرضها. صبّوا تركيزهم على العاصمة بغداد، وتحديداً «المنطقة الخضراء». أرادوا الاستقرار فيها، بعدما اتخذتها قوات بول بريمر (الحاكم المدني للعراق آنذاك) مقرّاً لها. جُلّ من اقتسم «الكعكة» كان من معارضي الخارج، مِن الذين قدموا إلى العراق بعد طول نفي. وقد لازم صيت الاستيلاء على تلك العقارات كلاً من «حزب الدعوة الإسلامية» و«المجلس الأعلى الإسلامي العراقي»، إلا أن الأمر لم يقتصر على قوى «البيت الشيعي»، بل كان لـ«المكوّنين السني والكردي» حصة في ذلك.
16 عاماً على السقوط تعاقبت فيها على حكم البلاد أربع حكومات. جميع رؤسائها تبنّوا في خطاباتهم قضية استعادة أملاك النظام السابق، أو على أقلّ تقدير تحصيل بدل لإشغالها. فشل جميع السابقين في ذلك، فيما لا تبدو الجهود التي أطلقها أخيراً رئيس الوزراء الجديد، عادل عبد المهدي، بعيدة من المصير نفسه، في ظلّ التأثير الكبير للقوى السياسية على آليات تطبيق القرارات الحكومية. وهو تأثير يراوح ما بين السعي إلى الحفاظ على المصالح الخاصة، أو ضرب مصالح الخصوم، الخاصة أيضاً. في خلال الأيام الماضية، برزت شواهد عدة على ما تقدم. العراك السياسي بين زعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم، وزعيم «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، دفع «العصائب» وحلفاءها إلى إحياء ملف «حصّة» الحكيم من «عقارات البعث»، بتجديد الحديث عن «استيلائه على أملاك للدولة في منطقة الجادرية وسط بغداد»، تصل قيمتها إلى نحو 12 مليون دولار، بحسب النائب عن «ائتلاف دولة القانون» عالية نصيف.

يبلغ عدد العقارات المتجاوَز عليها في عموم العراق قرابة 4000


اشتباكٌ سبقه بأسبوع تداول خبر عن اقتحام فريق من دائرة مختصة بعقارات الدولة مقر إقامة الحكيم في «الجادرية» برفقة قوة عسكرية. وهو ما سارع القيادي في «الحكمة»، حبيب الطرفي، إلى نفيه، عاداً إياه «مجرد شائعات من قِبَل جهات سياسية تحاول الإساءة إلى الحكيم». في الاتجاه نفسه، جاء ردّ «تحالف النصر» بزعامة حيدر العبادي على خطوة إخراج الأخير من مقرّه في «الخضراء» قبل نحو أسبوعين. إذ نفى «ما يُشاع عن إشغال العبادي عدداً من عقارات الدولة»، معتبراً ذلك «جزءاً من تنافس سياسي رخيص تمارسه جهات غير مسؤولة». وعلى رغم أن الحليف الأبرز لـ«النصر»، «التيار الصدري»، امتنع عن التعليق رسمياً على خطوة إخراج العبادي، إلا أن مصادر «التيار» قالت لـ«الأخبار» إن «خطوة مماثلة غير مُرحَّب بها، خصوصاً أن عبد المهدي بدأها برئيس الوزراء السابق الذي كان حليفاً لا بأس به لنا». وأضافت المصادر أن «عبد المهدي كان غليظاً في المكان الخطأ، وكان من المفترض التعامل مع العبادي بنوع من التميز، على اعتبار أنه كان رئيساً للوزراء، وساهم في إنهاء أزمات عدة عصفت بالبلاد...»، داعية إلى «إقرار قانون من قِبَل البرلمان يتّسم بالحدّة والصرامة في التعاطي مع هذا الملف، وإبعاد الاستهداف السياسي والشخصي عنه». وهو ما يذهب إليه أيضاً «ائتلاف دولة القانون» الذي يرى أن «هذا الملف لا يمكن أن يفتح من قِبَل شخص واحد، بل لا بد من موافقة هيئة رئاسة مجلس النواب، وتشكيل لجنة نيابية تساندها الحكومة في تنفيذ القرارات».

صعوبة المهمة
شراسة ردود القيادات السياسية على إعادة فتح ملف العقارات المملوكة للنظام السابق تشي بصعوبة المهمة التي يواجهها عبد المهدي إذا أراد المضي في هذا الملف، الذي لا يقتصر على شخصيات بعينها، بل يشمل جميع وجوه الطقم السياسي تقريباً، إلى جانب عشرات الضباط والمسؤولين من ذوي المناصب الرفيعة. لكن مصادر رئاسة الوزراء تقول، لـ«الأخبار»، إن خطوة إخراج العبادي «ستكون بوّابة لفتح أهم المناطق الشائكة في الملف الاقتصادي العراقي بعد عام 2003، حيث مثّلت عقارات الدولة مأزقاً حقيقياً أمام الحكومات السابقة»، لافتة إلى أن «عبد المهدي شكّل أخيراً فريقاً مصغراً لفتح هذا الملف، خصوصاً بعد الكشف عن حالة مستغربة، هي حذف بعض العقارات من السجلات الرسمية للدولة على أيدي موظفين متنفذين، وإخفاؤها بشكل مدروس ومخطّط له، غير أن هذه العملية قد كُشفت أخيراً، وقد أُعيدت بعض بيانات تلك العقارات والأملاك ومعلوماتها».
مع ذلك، يشكّك كثيرون في إمكانية بدء عملية جادة وحقيقية لإنهاء الفساد المستشري على هذا الصعيد، مستشهدين بمعطيات عدة، من بينها مثلاً إعلان «دائرة عقارات المنطقة الخضراء» أنه «شُكِّلَت لجان لإحصاء عقارات الخضراء والمربع الرئاسي، إلا أن هناك قوى أمنية تمنع إكمال مهماتنا الرسمية وترفض وصولنا إلى تلك العقارات»، ومطالبتها وزارة الداخلية بـ«إنشاء قوة عسكرية لاصطحابها في إخلاء المنازل، وعدم الاعتماد على القوات الحالية، خصوصاً أن تلك العقارات كثيرة، ويصل عددها إلى نحو 4000 عقار».
ويرى النائب السابق، رحيم الدراجي، في الإطار نفسه، أن «ملف عقارات المنطقة الخضراء لا يخضع إطلاقاً للسياقات الرسمية، من ناحية تأجير البنايات وإشغالها، سواء في تحصيل المبالغ منها أو في منحها، بل ما زالت الإرادة السياسية متوغلة بشكل كامل في هذا الملف، وتخضع أحياناً للتوافقات حتى بين الكتل والأحزاب»، مشيراً في حديث إلى «الأخبار» إلى أن «ما يميز هذا الملف عن غيره من ملفات الفساد الكبيرة، وجود اتفاق سياسي غير مكتوب للإبقاء على تلك المنطقة وعقاراتها مُلكاً صرفاً لعدد معين من الأحزاب في البلاد». وعلى سبيل المثال، يقول الدراجي إنه «حتى لو أرادوا تأجيرها مثلاً، فإنها تذهب لشخصيات مقربة... هناك عقار فخم على حدائق أبو نواس مطل على نهر دجلة، لكن إيجاره الشهري يبلغ 2500 دولار أميركي فقط، وعلى رغم ذلك فإن السلطات المختصة بمكافحة الفساد عاجزة عن متابعة هذا الملف».