بغداد | لا تزال الزيارات الأخيرة لكلّ من وزراء الخارجية الأميركي مايك بومبيو، والإيراني محمد جواد ظريف، والفرنسي جان إيف لودريان، إضافة إلى الملك الأردني عبد الله الثاني، إلى بغداد، تثير تساؤلات حول طبيعة الحراك الدبلوماسي المكثّف اتجاه العراق والغاية منه. في هذا الإطار، ترى مصادر سياسية مطلعة أن التحولات التي شهدتها الساحة العراقية في العامين الماضيين، وعلى رأسها إعلان الانتصار على تنظيم «داعش»، وخروج حزب «الدعوة» من الحكم، تفتح شهية الأطراف الإقليمية والدولية على العودة إلى «بلاد الرافدين». وهي عودة تشي بأن هذا البلد «سيبقى ساحة للاشتباك/ الالتقاء السياسي والاقتصادي»، وفق المصادر نفسها.

زيارة ظريف، وإن كانت محدّدة الموعد مسبقاً، إلا أنها بدت رداً على زيارة بومبيو، الذي حاول تصعيد الضغوط على بغداد في الجانبين المالي والاقتصادي، ضمن محاولات الولايات المتحدة جذب العراق إلى معكسر مؤيدي العقوبات على إيران والملتزمين بها.
في الإطار الاقتصادي أيضاً، إنما من وجهة مضادة، جاءت جولة ظريف، التي تستهدف استكمال البحث عن متنفّس للضغط الناجم عن العقوبات الأميركية المتجددة على الجمهورية الإسلامية. بالنسبة إلى إيران، يشكّل العراق «رئة اقتصادية»، وهو ما سيتأكّد في المرحلة المقبلة، التي ستشهد ـــ بحسب مصادر مطلعة ــــ «مزيداً من التعاون الاقتصادي بين البلدين، وهذا أمر قد يزعج الأميركيين، والرهان هنا على أداء عبد المهدي الوسطي، وقدرته على إمساك العصا من الوسط».
الطابع الاقتصادي ينسحب أيضاً على زيارة الملك الأردني، والتي تأتي في سياق محاولات عمّان مغازلة بغداد «خوفاً من تقارب بين الأخيرة ودمشق، من شأنه تشكيل قوة اقتصادية كبيرة في المنطقة» بمعزل عن بقية الجيران، وفق ما يقول مصدر حكومي رفيع في حديث إلى «الأخبار». يوضح المصدر أن «الاقتصاد الأردني يسابق الزمن خوفاً من فتح الحدود مع سوريا». وفي ظلّ انحسار التأثير السعودي ـــ الإماراتي ـــ الأردني على الساحة العراقية، يقتضي «حُكم الجيرة» البحث عن علاقة اقتصادية متينة تخدم الجانب الأردني في مرحلة «إعادة إعمار العراق»، وتساهم في إنعاش اقتصاده الذي يعاني كحال اقتصادات الدول المجاورة. وفي هذا الإطار، يدور حديث عن حاجة مشتركة لتصدير النفط والغاز إلى ميناء العقبة الأردني، وكذلك إمكانية بناء منظومة لنقل الطاقة بين العراق والأردن ومصر، خصوصاً وأن بغداد ترى في التعاون مع القاهرة بوابة لتفعيل الحضور العراقي.
أما فرنسا، فإن زيارة وزير خارجيتها ليست بعيدة هي الأخرى عن الجانب الاقتصادي، في ظلّ بحث باريس عن «ميدان استثمار جديد في النفط وغيره». لكنها تأتي كذلك في سياق محاولة الفرنسيين خلق دور لهم في المنطقة، خصوصاً بعد إعلان إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قرار الانسحاب من سوريا. يوجز المصدر الحكومي الطلب الفرنسي في هذا الإطار بالقول: «نوافق على دخول الجيش العراقي حصراً إلى داخل سوريا لمحاربة داعش». طلب لا تملك فرنسا مفاتيح تأثير للتعويل على إمكانية الاستجابة له، لكنها تراهن على عوامل منها: تأثر عبد المهدي بالثقافة الفرنسية وإمكانية العمل على صياغة رؤية مشتركة معه، وتراجع الدور البريطاني مع خروج «الدعوة» ولا سيما «الجناح الغربي» منه من الحكم. ولئن كان الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يحاول ـــ وفقاً للمصدر نفسه ـــ «الهروب من أزماته الداخلية، وإيجاد حلول اقتصادية في الساحة العراقية»، وهو أمرٌ «ليس مرفوضاً... بل مرحّب به»، إلا أن مبعوثه فشل في إقناع العراقيين بأن لباريس قدرة تأثير على القرار الأميركي في سوريا، وما يتصل بها من ملفات أمنية وسياسية.