بغداد | بعد تأجيل انتخابات مجالس المحافظات حتى إشعار آخر، تجد القوى السياسية متسعاً من الوقت لإعادة تشكيل مسرح الحكومات المحلية، سواءً في السعي إلى الظفر بمناصب المحافظين، خصوصاً في بغداد والبصرة، أو في محاولة نسج تحالفات مؤقتة لتوسيع رقعة نفوذها. وهي تحالفات سرعان ما تنفرط بمجرد انتهاء موسم الانتخابات وتوزيع المناصب، مُخلّفة مزيداً من الفشل على المستويين الخدمي والعمراني.

قبيل شهر من الموعد الذي كان مُحدَّداً لإجراء الانتخابات المحلية، أعلنت «المفوضية العليا المستقلة للانتخابات»، في الـ25 من الشهر الماضي، تأجيل ثاني استحقاق انتخابي كان يُفترض أن يشهده العراق خلال العام 2018. الحكومة السابقة برئاسة حيدر العبادي أقرّت، في نهاية شباط/ فبراير الفائت، إجراء انتخابات مجالس المحافظات في 22 كانون الأول/ ديسمبر الجاري. وبعد انقضاء أشهر على تجميد عملها على خلفية شبهات التزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة (أيار/ مايو 2018)، أعلنت «المفوضية»، في أول قراراتها، إرجاء الانتخابات المحلية إلى أجل آخر يتمّ تحديده لاحقاً؛ إذ إن الدستور يمنح «المفوضية» صلاحية اقتراح مواعيد الانتخابات على مجلس الوزراء، الذي يصادق بدوره عليها، ويرفعها إلى البرلمان من أجل التصويت عليها.
حتى الآن، لم يتضح مدى دستورية قرار تأجيل الانتخابات، والذي لم يصدر أي تعليق عليه من السلطتين التشريعية أو التنفيذية. وفيما يقترب البرلمان من نهاية فصله التشريعي الأول، تنشغل القوى السياسية بمحاولة الخروج من مأزق استكمال حكومة عادل عبد المهدي، والتي ما زالت ثلاث حقائب فيها شاغرة، هي الداخلية والدفاع والعدل. هذا الانشغال، وفق أوساط سياسية، بات يطغى على جميع الأولويات، ومن بينها الانتخابات المحلية، إلا أنه لم يمنع القوى السياسية من فتح ملف مناصب المحافظين، الذين فاز ثمانية منهم بمقاعد برلمانية في الانتخابات الأخيرة، هم محافظو بغداد عطوان العطواني، والبصرة أسعد العيداني، والأنبار محمد الحلبوسي، وواسط محمود الملا طلال، وكركوك ريكان الجبوري، وبابل صادق مدلول، والمثنى فالح الزيادي، وصلاح الدين أحمد عبد الله الجبوري.
محافظات الأنبار وصلاح الدين وواسط وبابل شهدت انتقالاً «سلساً» للسلطة المحلية. فقد مُنح منصب محافظ الأنبار، والذي كان يشغله محمد الحلبوسي، إلى نائب آخر عن تحالف «الأنبار هويتنا» بزعامة جمال الكربولي، مقابل حصول أخ الأخير، محمد الكربولي، على مقعد برلماني بعد إخفاقه في الحصول على الأصوات الكافية. وفي محافظة صلاح الدين، مَنَح أحمد عبد الله الجبوري، المعروف بكنيته «أبو مازن»، منصب المحافظ إلى أحد المرشحين من كتلته الانتخابية «قلعة الجماهير». أما «تيار الحكمة»، بزعامة عمار الحكيم، فقد أجرى بدوره تبديلاً بين قيادييه، بعد تأهّل الملا طلال إلى البرلمان، ليتمّ تعيين أحد المقرّبين من الحكيم، وهو محمد جميل المياحي، بدلاً منه في منصب محافظ واسط. وفي بابل، أثار انتقال السلطة المحلية موجة صاخبة من الجدل، بسبب صلة المحافظ الجديد، كرار العبادي، بالقيادي في «حزب الدعوة» علي العلاق، إضافة إلى حداثة سنه وافتقاره إلى التجربة، لا سيما في المناصب التنفيذية. وعلى رغم ذلك، نجح العبادي أخيراً في الحصول على ثقة مجلس المحافظة. لكن محافظات أخرى لا تزال تنتظر التسويات التي قد تتمخّض عنها المفاوضات السياسية. إذ يدور خلاف حادّ على حكومتَي بغداد والبصرة، اللتين التحقت بهما أيضاً النجف، على رغم عدم فوز محافظها لؤي الياسري بمعقد برلماني.

شهدت الأنبار وصلاح الدين وواسط وبابل انتقالاً «سلساً» للسلطة


قيادي في تحالف «الفتح» يرى، في حديث إلى «الأخبار»، أن زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، وعمار الحكيم، قاما بإحياء تحالفهما القديم في الحكومات المحلية، للسيطرة على المحافظات استعداداً للانتخابات المقبلة، حيث أدّى تحالفهما في انتخابات 2013 إلى تقاسم الحكومات المحلية في بغداد والبصرة. لكن هذا التحالف انهار بعد تخلّي الحكيم عن حليفه، وتسبّبه له بخسارة منصب محافظ بغداد، والذي شغله علي التميمي حتى مطلع عام 2017، قبل أن تتمّ إقالته من قِبَل مجلس المحافظة، ويستعيد المنصب حزب «الدعوة». لاحقاً، خسر الحكيم منصب محافظ البصرة الذي شغله ماجد النصراوي، بعد مغادرة الأخير البصرة في آب/ أغسطس الماضي، إثر اتهامه بالتورط في قضايا فساد، ليتمّ انتخاب أسعد العيداني، المحسوب على «المؤتمر الوطني» بزعامة أراس حبيب، خلفاً له. وفي هذا السياق، يلفت القيادي نفسه، الذي رفض الكشف عن اسمه، إلى أن الصدر والحكيم حاولا استثمار الضغوط التي يواجهها «تحالف البناء» على خلفية تمسّكه بترشيح فالح الفياض لتولي حقيبة الداخلية، من أجل استعادة بغداد والبصرة مرة أخرى، على رغم عدم تأدية كلّ من العيداني والعطواني اليمين القانونية في المجلس النيابي. والجدير ذكره، هنا، أن الدستور لا يحدّد مدة زمنية لأداء المرشّحين الفائزين بعضوية البرلمان اليمين القانونية، ما يسمح لبعض المحافظين باستثمار هذه الثغرة، وتأخير أداء اليمين البرلماني ريثما يتمّ حسم المنصب.
وشهد مجلس محافظة بغداد، في 12 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، انتخاب فاضل الشويلي، عضو «كتلة الأحرار» الصدرية، محافظاً لبغداد، ومحمد الربيعي، عضو «كتلة الحكمة»، نائباً للمحافظ. لكن «ائتلاف دولة القانون» ردّ بالطعن في قانونية الجلسة، مؤكداً افتقارها إلى النصاب القانوني أولاً، ولوجود محافظ لم يقدّم استقالته ولم يؤدّ اليمين كنائب في البرلمان ثانياً. وعلى إثر ذلك، عقد مجلس العاصمة في الـ22 من الشهر نفسه جلسة مكتملة النصاب، تمخّضت عن اختيار فلاح الجزائري، المحسوب على «تحالف البناء»، محافظاً لبغداد. الفشل الذي مُني به «التيار الصدري» في استعادة منصب محافظ بغداد، تكرّر في البصرة مع «الحكمة»، الذي حاول بدوره انتزاع منصب المحافظ من العيداني المحسوب على «البناء»، وتقديم علي الفارس كمرشّح لتولّي المنصب. وفي هذا الإطار، عقد مجلس البصرة جلسة استثنائية في 14 كانون الأول/ ديسمبر الجاري لاختيار محافظ جديد. لكن مساعي «الحكمة» لم تنجح في عقد جلسة تامة النصاب، بعدما منع المتظاهرون دخول بقية أعضاء مجلس المحافظة إلى قاعة الاجتماع، وإغلاقهم الطرق المؤدية إليه، ما أدى إلى إجهاض الجلسة وبقاء العيداني محافظاً حتى الآن. أما القضاء العراقي، فوجّه ضربة إلى مساعي الصدر ـــ الحكيم، إثر قرار الإفراج عن رئيس مجلس محافظة البصرة، صباح البزوني، بعد ثلاثة أشهر من التوقيف. إذ إن من شأن هذا القرار إنهاء دور القيادي في «كتلة الحكمة»، وليد كيطان، الذي ترأس مجلس المحافظة بالوكالة، في التحشيد لإعادة البصرة إلى سلّة تحالفه السياسي.
معركة الحكومات المحلية ما لبثت أن انتقلت إلى النجف، حيث نجحت أطراف سياسية داخل مجلس المحافظة في إقالة المحافظ لؤي الياسري، المحسوب على «دولة القانون»، وتنصيب هاشم الكرعاوي، القيادي في «كتلة الحكمة»، محافظاً بشكل مؤقت. وفي هذه الأثناء، تدور تحضيرات بقيادة كل من «سائرون» و«الحكمة» لإقالة محافظ ذي قار، يحيى الناصري، المحسوب على «الدعوة» و«دولة القانون». وترجّح مصادر سياسية مطلعة، لـ«الأخبار»، انتقال معركة الحكومات المحلية في المرحلة المقبلة إلى محافظة ميسان التي يسيطر عليها «التيار الصدري»، متوقعة أن تردّ القوى السياسية بشكل متقابل لإقالة محافظ كربلاء، القيادي في «دولة القانون». أما في كركوك، فإن المعركة مؤجلة نظراً لتعقيداتها السياسية، واشتداد التنافس فيها بين العرب من جهة، والأطراف الكردية من جهة أخرى.