بغداد | «مؤامرة قذرة على الحشد الشعبي». هكذا وصّفت فصائل «الحشد» ما يدور اليوم على الساحة العراقية. بيانٌ واضح اللهجة ومرتفع السقف أصدرته الفصائل في وقت متأخر من مساء أمس، لتؤكد استعدادها لقلب الطاولة على «أطراف المؤامرة، سواء كانوا من الأجانب أو ذيولهم من الساسة العراقيين». رسائل متعددة بالغة الأهمية حملها بيان الفصائل يمكن تلخيصها بما يأتي: أولاً) تحديد ما يحدث راهناً بأنه «تدخل سافر في العملية السياسية لفرض إرادة التحالف الإنجلو - أميركي على العراقيين، وتشكيل حكومة هزيلة وضعيفة تأتمر بأوامر الثنائي ماكغورك - السبهان»، في إشارة جلية إلى الضغوط غير المسبوقة التي يقودها المبعوث الأميركي إلى العراق، بريت ماركغورك، من أجل ترجيح كفة التحالف الذي يتصدّره رئيس الوزراء حيدر العبادي. ثانياً) اتهام مباشر للعبادي، من دون تسميته، من طريق استخدام عبارة «بعض قيادات حزب الدعوة الإسلامية»، بأنه «منغمس في هذه المؤامرة»، ومن هنا كانت الدعوة إلى الحزب المذكور من أجل أن «يضع حداً للتصرفات اللامسؤولة».

ثالثاً) التذكير بـ«محاولات الحكومة المنتهية ولايتها للنيل من مكانة المجاهدين بعد إعلان نتائج الانتخابات... عبر إجراءات العزل والإقالة والإقصاء، وعبر حجب حقوق المجاهدين والعمل على تفكيك وضعهم رغم قانونيته ودستوريته، الأمر الذي لا يمكن أن يمرّ دون رد مناسب منا يعيد الأمر إلى نصابه»، وهو ما يعني تلويحاً صريحاً بالردّ على محاولات العبادي لاسترضاء الأميركيين عبر استهداف «الحشد» بسلسلة إجراءات، كان آخرها إقالة رئيس هيئته فالح الفياض، وتعيين نفسه بدلاً منه. رابعاً) التوجّه برسالة لافتة إلى زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، من أجل أن «يضع النقاط على الحروف، ويقول كلمته المدوية بوجه هذه المؤامرة الخبيثة، ونحن متأكدون من أنه سيتخذ الموقف المناسب الذي يحفظ العراق والعراقيين، وهو موقف ينسجم مع تاريخ آل الصدر بمقارعة الظلم والاستكبار»، وفي ذلك تشجيع للصدر الذي لا يُنكَر باعه في مقاومة الاحتلال الأميركي على رفض محاولات واشنطن لاتخاذ تقدمه في الانتخابات مطية لتنفيذ مشروعها المضاد لفصائل المقاومة. خامساً) التشديد على أن فصائل المقاومة «على استعداد لإحباط هذا الفصل الجديد من التآمر، وأن بإمكانها التدخل في اللحظة المناسبة لتجريد المتآمرين من أدواتهم»، في أول إعلان عن الجاهزية لإسقاط الانقلاب التدريجي الذي رتّب له الأميركيون وينفّذه العبادي. أما سادساً) فتوجيه رسالة إلى الوجود العسكري الأميركي، ووصفه بغير المشروع، وإن قواته «تحت بصرنا، وسنتعامل معها كقوات محتلة».
وجاء بيان «الحشد» في وقت واصل فيه تحالف «الفتح» (الذي يضمّ فصائل «الحشد» بزعامة هادي العامري) التحذير من الضغوط الأميركية على الكتلتين الكردية و«السنية»، وعلى القضاء العراقي الذي يُفترض أن يحسم خلال الأيام المقبلة الجدل حول الكتلة النيابية الأكبر. وفي هذا السياق، أشار النائب عن تحالف «الفتح»، أحمد الكناني، أمس، إلى وصول رسائل نصّية أميركية إلى هواتف النواب «السنّة» تحذّرهم من الالتحاق بـ«الفتح»، فيما أكد الناطق باسم «عصائب أهل الحق»، النائب عن «الفتح» أيضاً، نعيم العبودي، «(أننا) لن نقبل أن تُنتهك سيادة العراق بهذا التدخل (الأميركي)، وسنعمل على تقديم مصلحة العراق في كل موقع نكون فيه».
واضطر مجلس النواب العراقي، أمس، إلى رفع الجلسة الأولى من دورته الجديدة الرابعة وإبقائها مفتوحة حتى منتصف أيلول/ سبتمبر الجاري، من أجل أن يتسنّى للقوى السياسية تجاوز خلافاتها والاتفاق على مرشح لرئاسة البرلمان ونائبَين له. وجاء قرار التأجيل بعد اجتماع عُقد، ظهراً، في مبنى البرلمان، لرؤساء الكتل السياسية. وقال مصدر مطلع، لـ«الأخبار»، إن المجتمعين توصلوا إلى هذا القرار خشية استمرار عدم اكتمال النصاب، وما يمثّله ذلك من رسالة سلبية إلى الشارع، وبالتالي انعكاسات غير مرغوبة على مسار العملية السياسية. ورأى المصدر أن فترة الأسبوعين تُعدّ كافية من أجل الاتفاق على مرشح لرئاسة مجلس النواب ونائبَين له، فضلاً عن صدور قرار المحكمة الاتحادية في شأن «الكتلة الأكبر». وفي الانتظار، يتمسّك كلا التحالفَين بأنهما حسما أمر هذه الكتلة، فيما تتخذ القوى الكردية دور المتفرج. ووفقاً لمصدر كردي تحدث إلى «الأخبار»، فإن وفد الحزبين الكرديَّين الرئيسَين (الحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) ماكثٌ في بغداد حتى صدور قرار المحكمة الاتحادية ليُبنى على الشيء مقتضاه.
وعلى رغم الاستقطابات الحادة، بدت لافتة أمس دعوة رئيس قائمة «الوطنية»، إياد علاوي، إلى حوار عاجل يشمل الأكراد وتحالفَي «البناء» و«الإصلاح»، في وقت تواصلت فيه الأنباء عن انشقاقات بين الكتل، وكان آخرها حديث عن انضمام نواب من كتلة «الحكمة» المنضوية في تحالف «الإصلاح» إلى تحالف «البناء». وفي شأن موقف المرجعية الدينية العليا (آية الله علي السيستاني) مما يجري، أكد مصدر مطلع، لـ«الأخبار»، أن المرجعية لا تزال تتمسّك بخطوطها العريضة و«موقفها النهائي»، وهو عدم التدخل في التحالفات أو تأييد أي مرشح أو رفضه، إلى جانب التشديد على ضرورة التزام التوقيتات الدستورية وسلامة العملية السياسية.

لا تزال المرجعية مُتمسِّكة بموقفها الرافض للتدخل في التحالفات


على خط موازٍ، عادت احتجاجات البصرة بقوة إلى صدارة المشهد، لتبعث بإشارات أمنية مُقلِقة، بعدما اتخذت مساراً عنفياً أدّى في غضون ساعات قليلة إلى مقتل 3 محتجّين، وفق إحصاءات أولية. وقُتل محتجّان اثنان على الأقل، وأصيب آخرون بجروح، في مواجهات بين المتظاهرين والقوى الأمنية بالقرب من مبنى الإدارة المحلية في البصرة. واندلعت المواجهات بعدما تجمّع المئات أمام المبنى احتجاجاً على وفاة محتجّ متأثراً بجروح أصيب بها أول من أمس. وتحوّل تشييع المحتجّ المتوفّى، ياسر مكي، إلى اشتباكات مع قوات الأمن، لدى محاولة المتظاهرين اقتحام المقرّ الحكومي المذكور. وأطلقت القوى الأمنية الغاز المسيّل للدموع والذخيرة الحيّة على المحتجّين بهدف تفريقهم، لكنهم تمكّنوا في نهاية المطاف من الدخول إلى مقرّ الإدارة المحلية في المدينة. ومع استمرار الاشتباكات حتى ساعات المساء، أمر رئيس الوزراء بإجراء تحقيق في مقتل مكي. وفي وقت لاحق، أعلن قائد عمليات البصرة، جميل الشمري، فرض حظر تجوال في المحافظة.