في وقت يحتدم سباق القوى السياسية على تشكيل الكتلة النيابية الأكبر، التي ستتولّى تسمية رئيس الوزراء المقبل، جاء قرار رئيس حكومة تصريف الأعمال، حيدر العبادي، إبطال قرارات سابقة لنائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، أبو مهدي المهندس، ليشكّل خطوة مضادّة على طريق استقطاب قوى «البيت السني». إذ يُنظر إلى خطوة العبادي، التي استهدفت تجميد قرارات كان هو نفسه وَعَد بها، على أنها ردّ على محاولات المعسكر الذي يجمع رئيس «تحالف الفتح» هادي العامري، ورئيس «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، استمالة القوى والشخصيات «السنية» إلى صفّهما، على اعتبار أن قراراً من مِثْل سحب قطعات «الحشد» من المدن الواقعة في المحافظات الشمالية والغربية من شأنه خدمة أهداف هذا المعسكر، وتعطيل قدرة رئيس الحكومة على الإفادة من قرار إعادة الانتشار في تكثير الأصوات المؤيدة لبقائه لولاية ثانية.

وشدّد رئيس الوزراء المنتهية ولايته، في التوجيهات التي أصدرها ليل الخميس - الجمعة لـ«الحشد الشعبي»، على «ضرورة الالتزام بالقانون والتعليمات التي تقضي بعدم تسييس هيئة الحشد الشعبي»، إضافةً إلى «عدم إلغاء أو استحداث تشكيلات إلا بعد استحصال موافقة القائد العام، وبخلاف ذلك تتحمل الجهات ذات العلاقة المسؤولية القانونية»، مانعِاً «تحريك أي تشكيلات إلا بعد التنسيق الكامل مع قيادة العمليات المشتركة، وتحصيل موافقة القائد العام للقوات المسلحة وفق السياقات المتبعة».
توجيهات سرعان ما جاء ردّ قيادة «الحشد» عليها، ببيان ناري وجّه اتهامات صريحة إلى العبادي بـ«مجاملة» أطراف خارجية سعياً إلى الولاية الثانية. وهي اتهامات تقلّص إمكانية التقارب بين تحالف «الفتح» وبين المعسكر الذي يجمع العبادي مع تحالف «سائرون» المدعوم من «التيار الصدري»، بعدما سرت معلومات عن جهود للتقريب بين الفريقين، وتفويت فرصة تشكيل «الكتلة الأكبر» على رئيس الوزراء السابق (المالكي). ووصفت قيادة «الحشد» موقف العبادي بـ«السياسي»، معتبرة إياه «جزءاً من المعتركات الحالية للحصول على ولاية ثانية». وقال البيان إن «العبادي استخدم سياسة الضغط وليّ الأذرع خلال الأعوام الماضية مجامَلةً للأميركيين من أجل الحصول على ولاية ثانية»، مشيراً إلى أن «أساليبه تركزت على عدم إعطاء مخصصات مالية كافية لمنح رواتب منتسبي الحشد أسوةً ببقية القوات الأمنية، عدا عن إهماله ملف الشهداء والجرحى تحت ذرائع مختلفة». وأضاف البيان أن «العبادي لم يكتفِ بذلك الضغط المادي، بل هاجم الحشد لتسقيطه معنوياً، واتهامه بقتل مسؤول المالية قاسم ضعيف»، فضلاً عن «استغلال الموضوع في دعايته الانتخابية». وأضاف أن العبادي الآن «يحاول استغلال ورقة تسقيط الحشد، مجامَلةً لرغبات خارجية تحاول النيل من سيادة البلاد»، متهماً رئيس الوزراء بأنه «خالف مرّات عدة» توصيات «المرجعية»، والتي دعت إلى عدم التهجم على رموز «الحشد» والاهتمام بعوائل الشهداء والجرحى.
هذا السجال السياسي، والذي من شأنه أن يضيف مزيداً من العقبات إلى مسار تشكيل «الكتلة الأكبر» المُعقّد أصلاً، وازاه سجال من نوع آخر على خلفية تفاقم أزمة المياه في البصرة. تفاقم قرع مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في البصرة، أول من أمس، جرس الإنذار منه، بدعوته العبادي إلى إعلان المدينة «مدينة منكوبة»، والتحذير في بيان من أن «الأوضاع التي تمرّ بها المحافظة خطيرة ودقيقة، مع ارتفاع اللسان الملحي وزيادة التلوث الذي أدى إلى إصابة آلاف المواطنين». وفي الاتجاه نفسه، جاءت خطبة المرجعية الدينية (آية الله علي السيستاني) يوم أمس، حيث اعتبرت أن «الجهود المبذولة في حلّ هذه المعضلة (تلوّث مياه البصرة)، على رغم مناشدات المرجعية، لا تزال دون حدّها الأدنى»، مشددة على أن «الواجب الإنساني والوطني والشرعي يحتّم على الجهات المعنية وضع حدّ لمعاناة أهالي المحافظة».
انتقاد «المرجعية» الصريح، والذي يتخذ شكلاً تصاعدياً منذ بداية «الحراك» في تموز/ يوليو الماضي، يؤكد ما كان قد ظهر تدريجياً من سخط في النجف على أداء الحكومة، وانحياز إلى جانب الشارع، الذي يرى كثيرون أن ما قوبلت به تحركاته إلى الآن هو «شعارات» من دون أي انعكاس على الأرض. وفي ما بدا رداً على تلك الانتقادات، أعلن وزير الموارد المائية، حسن الجنابي، أن «الوزارة ستعقد في 5 أيلول المقبل ورشة عمل بالتعاون مع جامعة البصرة لتدارس مشكلة ملوحة شط العرب»، في حين وجّهت وزارة الصحة بإرسال فريق وزاري من الخبراء والمتخصصين في التحري الوبائي والأمراض المعوية والفحص المختبري إلى المحافظة، إضافة إلى شحنات من الأدوية والمستلزمات الطبية والمختبرية تحسباً لأي طارئ، نافيةً الأحاديث السارية حول «تفشي وباء خطير في المحافظة».